الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ نزلت في عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله ﷺ فقالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية
وجملة القول أن تحريم الخمر على أقوال المفسرون والحُفّاظ مختلفة وبعضها متفقة. هي أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ [النحل: ٦٧] وهو المسكر، وكان المسلمون يشربونها وهي لهم يومئذ حلال، ونزلت في مسألة عمر ومعاذ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ :" إنّ ربكم تقدم في تحريم الخمر " فتركها قوم لقوله ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وقالوا : لا حاجة لنا في شيء فيه إثم كبير لقوله :﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وكانوا يتمتعون بمنافعها ويجتنبون آثامها إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ وأمامهم الخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلّي بهم فقرأ ( قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ) إلى آخر السورة فحذف ﴿لاَ﴾ فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فحرّم المسكر في أوقات الصلاة فقال عمر : إنّ الله يقارب في النهي عن شرب الخمرة، فلا أراه إلاّ وسيحرّمها فلمّا نزلت [ حرّم الله ] تركها قوم وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة.
وكان قوم يشربونها ويجلسون في بيوتهم، وكانوا يتركونها أوقات الصلاة، ويشربونها في غير حين الصلاة إلى أن شربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول :
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج مسرعاً يجرّ رداءه حتى انتهى إليه ورفع شيئاً كان بيده ليضربه، فلمّا عاينه الرجل قال : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله، والله لا أطعمها أبداً.
وكان من حمزة بن عبد المطلب ما روى الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده ( عليهم السلام ) قال : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ودفع إليَّ رسول الله ﷺ نثاره من الخمس، [ واعدتُ رجلاً صواغاً أن يرتحل معي فنأتي بأذخر أردت أن أبيعه ] من الصواغين وأستعين بثمنه على الدخول بفاطمة وعرسها.
قال : فحملت شارفي عند حائط رجل من الأنصار ومضيت لأجمع الحبال والغرائر والأقتاب وجئت وقد بقر بطن شارفي واجتبَّ أسنمتهما قال : فلم أملك عيني أن بكيت ثم قلت : من فعل هذا بشارفي ؟ قالوا : عمّك حمزة فعله وهذا هو في البيت معه شرب، عندهم قينة وحلفوا فقالت : ألا يا حمزُ المشرف النواء [ وهنّ معقّلات بالفناء ]
فقام الى شارفيك فقتلهما، [ قال علي :] فجئت رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة معه مولاه زيد قال :[ ما جاء بك ] فداك أبي وأمي يا عليّ، قلت [ ما فعل عمّك ] بشارفيَّ وخبّرته الخبر، فقام رسول الله ﷺ فلبس نعليه ورداءه ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد فسلّم وأستأذن ودخل البيت وقال : يا حمزة ما حملك على ما فعلت بشارفيّ ابن أخيك ؟ فرفع رأسه وجعل ينظر إلى يديّ رسول الله ﷺ وإلى ساقيه، فصوّب النظر إليه، ثم قال : ألستم وآباؤكم عبيد لأبي، فرجع رسول الله ﷺ القهقرى وقال : إن غنمك وجمالك عليَّ [ فغرمهما ] لي رسول الله ﷺ.
فلما أصبح غدا حمزة على رسول الله يعتذر فقال : مه يا عمّ فقد سألت الله فعفا عنك.
قالوا : واتخذ عتبان بن مالك طعاماً فدعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند عتبان وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجو الأنصار وفخر لقومه، فقام رجل من الأنصار وأخذ لحيي البعير فضرب به رأس سعد [ فشجّه شجّةً ]، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه الأنصاري فقال عمر ( رضي الله عنه ) : اللهم بيّن لنا رأيك في الخمر بياناً وافياً، فأنزل الله تحريم الخمر في سورة المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [ ٩٠ ] إلى ﴿يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر : انتهينا يا ربّ.
قال أنس : حرّمت ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها إليهم يوم حرّمت عليهم، ولم يكن شيء أثقل عليهم من تحريمها قال : فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيه، فمنّا من كسر حبّه، ومنّا من غسله بالماء والطين، ولقد [ غدت ] أزقة المدينة بعد ذاك الحين كلّما مطرت استبان بها لون الخمر وفاحت ريحها.
فأمّا ماهية الخمر فاختلف الفقهاء فيها فقال بعضهم : هو خاص فيما اعتصر من العنبة والنخلة فغُلي بطبعه دون عمل النار فيه فإن ما سوى ذلك ليس بخمر، وهذا مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وأكثر أهل الرأي، ثم اختلفوا في المطبوخ فقالوا : كل عصير طبخ حتى يذهب ثلثاه فهو حلال إلاّ أنه يكره، فإن طبخ حتى يذهب ثلثاه وبقي ثلثه فهو حلال مباح شربه وبيعه إلاّ أن المسكر منه حرام، واحتجوا في ذلك بما روى أبو كثير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :
" الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة " واختلفوا في المطبوخ بالمشمش (. . . . . . . ) روى نباتة عن سويد بن غفلة قال : كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله أن رزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
وعن ابن سيرين أن عبد الله بن سويد الخطمي قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب : أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكم واحد.
وعن أنس بن سيرين قال : سمعت أنس بن مالك يقول إن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم فقال هذا : هذا لي، وقال : هذا لي فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثاها.
ابن أُبيّ وأُبيّ عن داود قال : سألت سعيد بن المسيّب ما الرُّب الذي أحلّه عمر ( رضي الله عنه )، قال : الذي يطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.
وعن قيس بن أُبيّ حدّث عن موسى الأموي أنه كان يشرب من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
وعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال : إذا طبخ الطلاء على الثلث فلا بأس، وبه قال المسوّر.
وقال الثعلبي : والذي عندي أن هذه الأخبار وردت في ثلث غير مسكر. يدلّ عليه ما روى سويد بن نصير عن عبد الله بن عبد الملك بن الطفيل الجزري قال : كتب إلينا عمر بن عبد العزيز : لا تشربوا من الطلاء حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، كل مسكر حرام، وقال قوم : إذا طبخ العصير أدنى طبخ فصار طلاء وهو قول إسماعيل بن علية وجماعة من أهل العراق.
وروي عن عيسى بن إبراهيم أنه لا يحرّم شيئاً من الأنبذة لا النيّ منها ولا المطبوخ إلاّ شراب واحد وهو عصير العنب النيّ الشديد الذي لم يدخله ( ماء وتغيّرات من ) الخمر فقط.
واستدلّ بما روى ابن الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن سهل قال : قال رسول الله ﷺ :" اشربوا في الظروف ولا تسكروا " قال أبو عبد الرحمن السدّي الحديث منكر، غلط فيه أبو الاحوص سلام بن سليم، لا نعلم أحداً كان يعوّل عليه من أصحاب سماك، وسماك أيضاً ليس بقوي، وكان يقبل التلقين.
قال أحمد : قيل : كان أبو الأحوص غلى في هذا الحديث. خالفه شريك في إسناده ولفظه، رواه شريك عن سماك بن حرب عن أبي بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن الدّيّا والحنتم والنقير والمزفت، وأجمعوا أيضاً بما أسندوا إلى سماك عن قرصافة امرأة منهم عن عائشة قال : اشربوا ولا تسكروا.
قال الإمام أبو عبد الرحمن هذا غير ثابت، وقرصافة لا ندري من هي، والمشهور عن عائشة ما روى سويد بن نصر عن عبد الله عن قدامة العامري أن جسرة بنت دجاجة العامرية حدّثتنا قالت : سمعت عائشة سألها أياس عن النبيذ قالوا : ننبذ الخمر غدوة ونشربه عشيّاً، وننبذه عشيّاً ونشربه غدوة، قالت : لا أُحلّ مسكراً وإن كان خبزاً، قالوا : قالته ثلاث مرات.
واعتلّوا بما روى هشيم عن ابن شبرمة قال : حدّثني الثقة عن عبد الله بن شدّاد عن ابن عباس قال : حرّمت الخمر منها، قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب.
وهذا أولى بالصواب لما روى سفيان عن أبي الجويرية الجرمي قال : سألت ابن عباس عن الباذق قال : ما أسكر فهو حرام، وعن شعبة عن سلمة بن كميل قال : سمعت أبا الحكم يحدّث قال : قال ابن عباس : من سرّه أن يحرّم ما حرّم الله ورسوله فليحرِّم النبيذ.
واعتلّوا أيضاً بما أسندوه إلى عبد الملك بن نافع قال :" رأيت ابن عمر رأيت رجلاً جاء الى رسول الله ﷺ بقدح فيها نبيذ وهو عند الركن، فدفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديداً فردّه الى صاحبه، فقال له رجل من القوم : يا رسول الله أحرام هو ؟ قال، عليَّ بالرجل فأُتي به فأخذ منه القدح، ثم دعاهما فصبّه فيه ثم رفعه إلى فيه فصبّه، ثم دعاهما أيضاً فصبّه فيه ثم قال : أما إذا عملت فيكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء ".
قال أبو عبد الرحمن : عبد الملك بن رافع هو مشهور ولكن حدّثنيه وأخبرنا عن الزبير خلاف حكاية ما روى وهب بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر ".
وروى ابن سيرين عن ابن عمر قال : المسكر قليله وكثيره حرام، وروى أبو عوانة عن زيد ابن عمر قال : سألت ابن عمر عن الأشربة فقال : اجتنب كلَّ شيء فيه شيء مسكر، واحتجوا أيضاً بما أسندوه إلى يحيى بن يمان عن سفيان عن منصور عن مخلد بن سعيد عن ابن مسعود قال :" عطش النبي ﷺ حول الكعبة فاستسقى فأُتي بنبيذ من السقاية فشمّه وقطب وقال :" عليّ بذنوب من زمزم " فصبّه عليه ثم شرب فقال رجل : أحرام هو يا رسول الله قال : لا ".
قال أبو عبد الرحمن : هذا خبر ضعيف لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب سفيان، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه، لكثرة خطئهِ وسوء حفظه، وعن زيد بن واقد عن خالد بن الحسين قال : سمعت أبا هريرة يقول :" علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم في بعض الأيام التي كان يصومها، فتحيّنت فطره بنبيذ صنعته في دباء، فلمّا كان المساء جئته أحملها إليه فقلت : يا رسول الله إني علمت أنك تصوم في هذا اليوم فتحيّنت فطرك ب
وجملة القول أن تحريم الخمر على أقوال المفسرون والحُفّاظ مختلفة وبعضها متفقة. هي أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ [النحل: ٦٧] وهو المسكر، وكان المسلمون يشربونها وهي لهم يومئذ حلال، ونزلت في مسألة عمر ومعاذ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ :" إنّ ربكم تقدم في تحريم الخمر " فتركها قوم لقوله ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وقالوا : لا حاجة لنا في شيء فيه إثم كبير لقوله :﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وكانوا يتمتعون بمنافعها ويجتنبون آثامها إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ وأمامهم الخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلّي بهم فقرأ ( قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ) إلى آخر السورة فحذف ﴿لاَ﴾ فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فحرّم المسكر في أوقات الصلاة فقال عمر : إنّ الله يقارب في النهي عن شرب الخمرة، فلا أراه إلاّ وسيحرّمها فلمّا نزلت [ حرّم الله ] تركها قوم وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة.
وكان قوم يشربونها ويجلسون في بيوتهم، وكانوا يتركونها أوقات الصلاة، ويشربونها في غير حين الصلاة إلى أن شربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول :
| تحيّي بالسلامةِ أُم بكر | وهل لك بعد رهطك من سلام |
| ذريني اصطبخ بكراً فإني | ليت الموت يبعد عن خيام |
| وودّ بنو المغيرة لو فدوه | بألف من رجال أو سوام |
| كأنّي بالطويّ طويّ بدر | من الشيزي يكلل بالسنام |
| كأني بالطويّ طويّ بدر | من الفتيان والحلل الكرام |
وكان من حمزة بن عبد المطلب ما روى الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده ( عليهم السلام ) قال : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ودفع إليَّ رسول الله ﷺ نثاره من الخمس، [ واعدتُ رجلاً صواغاً أن يرتحل معي فنأتي بأذخر أردت أن أبيعه ] من الصواغين وأستعين بثمنه على الدخول بفاطمة وعرسها.
قال : فحملت شارفي عند حائط رجل من الأنصار ومضيت لأجمع الحبال والغرائر والأقتاب وجئت وقد بقر بطن شارفي واجتبَّ أسنمتهما قال : فلم أملك عيني أن بكيت ثم قلت : من فعل هذا بشارفي ؟ قالوا : عمّك حمزة فعله وهذا هو في البيت معه شرب، عندهم قينة وحلفوا فقالت : ألا يا حمزُ المشرف النواء [ وهنّ معقّلات بالفناء ]
| زج السكين في اللبات منها | فضرجهن حمزة بالدماء |
| وأطعم من شراثحها كبابا | مهلوجة على رهج الصلاء |
| فأصلح من أطايبها طبيخاً | لشربك من قدير أو سواء |
| فأنت أبا عمارة المرجّى | لكشف الضرّ عنّا والبلاء |
فلما أصبح غدا حمزة على رسول الله يعتذر فقال : مه يا عمّ فقد سألت الله فعفا عنك.
قالوا : واتخذ عتبان بن مالك طعاماً فدعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند عتبان وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجو الأنصار وفخر لقومه، فقام رجل من الأنصار وأخذ لحيي البعير فضرب به رأس سعد [ فشجّه شجّةً ]، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه الأنصاري فقال عمر ( رضي الله عنه ) : اللهم بيّن لنا رأيك في الخمر بياناً وافياً، فأنزل الله تحريم الخمر في سورة المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [ ٩٠ ] إلى ﴿يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر : انتهينا يا ربّ.
قال أنس : حرّمت ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها إليهم يوم حرّمت عليهم، ولم يكن شيء أثقل عليهم من تحريمها قال : فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيه، فمنّا من كسر حبّه، ومنّا من غسله بالماء والطين، ولقد [ غدت ] أزقة المدينة بعد ذاك الحين كلّما مطرت استبان بها لون الخمر وفاحت ريحها.
فأمّا ماهية الخمر فاختلف الفقهاء فيها فقال بعضهم : هو خاص فيما اعتصر من العنبة والنخلة فغُلي بطبعه دون عمل النار فيه فإن ما سوى ذلك ليس بخمر، وهذا مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وأكثر أهل الرأي، ثم اختلفوا في المطبوخ فقالوا : كل عصير طبخ حتى يذهب ثلثاه فهو حلال إلاّ أنه يكره، فإن طبخ حتى يذهب ثلثاه وبقي ثلثه فهو حلال مباح شربه وبيعه إلاّ أن المسكر منه حرام، واحتجوا في ذلك بما روى أبو كثير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :
" الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة " واختلفوا في المطبوخ بالمشمش (. . . . . . . ) روى نباتة عن سويد بن غفلة قال : كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله أن رزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
وعن ابن سيرين أن عبد الله بن سويد الخطمي قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب : أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكم واحد.
وعن أنس بن سيرين قال : سمعت أنس بن مالك يقول إن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم فقال هذا : هذا لي، وقال : هذا لي فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثاها.
ابن أُبيّ وأُبيّ عن داود قال : سألت سعيد بن المسيّب ما الرُّب الذي أحلّه عمر ( رضي الله عنه )، قال : الذي يطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.
وعن قيس بن أُبيّ حدّث عن موسى الأموي أنه كان يشرب من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
وعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال : إذا طبخ الطلاء على الثلث فلا بأس، وبه قال المسوّر.
وقال الثعلبي : والذي عندي أن هذه الأخبار وردت في ثلث غير مسكر. يدلّ عليه ما روى سويد بن نصير عن عبد الله بن عبد الملك بن الطفيل الجزري قال : كتب إلينا عمر بن عبد العزيز : لا تشربوا من الطلاء حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، كل مسكر حرام، وقال قوم : إذا طبخ العصير أدنى طبخ فصار طلاء وهو قول إسماعيل بن علية وجماعة من أهل العراق.
وروي عن عيسى بن إبراهيم أنه لا يحرّم شيئاً من الأنبذة لا النيّ منها ولا المطبوخ إلاّ شراب واحد وهو عصير العنب النيّ الشديد الذي لم يدخله ( ماء وتغيّرات من ) الخمر فقط.
واستدلّ بما روى ابن الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن سهل قال : قال رسول الله ﷺ :" اشربوا في الظروف ولا تسكروا " قال أبو عبد الرحمن السدّي الحديث منكر، غلط فيه أبو الاحوص سلام بن سليم، لا نعلم أحداً كان يعوّل عليه من أصحاب سماك، وسماك أيضاً ليس بقوي، وكان يقبل التلقين.
قال أحمد : قيل : كان أبو الأحوص غلى في هذا الحديث. خالفه شريك في إسناده ولفظه، رواه شريك عن سماك بن حرب عن أبي بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن الدّيّا والحنتم والنقير والمزفت، وأجمعوا أيضاً بما أسندوا إلى سماك عن قرصافة امرأة منهم عن عائشة قال : اشربوا ولا تسكروا.
قال الإمام أبو عبد الرحمن هذا غير ثابت، وقرصافة لا ندري من هي، والمشهور عن عائشة ما روى سويد بن نصر عن عبد الله عن قدامة العامري أن جسرة بنت دجاجة العامرية حدّثتنا قالت : سمعت عائشة سألها أياس عن النبيذ قالوا : ننبذ الخمر غدوة ونشربه عشيّاً، وننبذه عشيّاً ونشربه غدوة، قالت : لا أُحلّ مسكراً وإن كان خبزاً، قالوا : قالته ثلاث مرات.
واعتلّوا بما روى هشيم عن ابن شبرمة قال : حدّثني الثقة عن عبد الله بن شدّاد عن ابن عباس قال : حرّمت الخمر منها، قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب.
وهذا أولى بالصواب لما روى سفيان عن أبي الجويرية الجرمي قال : سألت ابن عباس عن الباذق قال : ما أسكر فهو حرام، وعن شعبة عن سلمة بن كميل قال : سمعت أبا الحكم يحدّث قال : قال ابن عباس : من سرّه أن يحرّم ما حرّم الله ورسوله فليحرِّم النبيذ.
واعتلّوا أيضاً بما أسندوه إلى عبد الملك بن نافع قال :" رأيت ابن عمر رأيت رجلاً جاء الى رسول الله ﷺ بقدح فيها نبيذ وهو عند الركن، فدفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديداً فردّه الى صاحبه، فقال له رجل من القوم : يا رسول الله أحرام هو ؟ قال، عليَّ بالرجل فأُتي به فأخذ منه القدح، ثم دعاهما فصبّه فيه ثم رفعه إلى فيه فصبّه، ثم دعاهما أيضاً فصبّه فيه ثم قال : أما إذا عملت فيكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء ".
قال أبو عبد الرحمن : عبد الملك بن رافع هو مشهور ولكن حدّثنيه وأخبرنا عن الزبير خلاف حكاية ما روى وهب بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر ".
وروى ابن سيرين عن ابن عمر قال : المسكر قليله وكثيره حرام، وروى أبو عوانة عن زيد ابن عمر قال : سألت ابن عمر عن الأشربة فقال : اجتنب كلَّ شيء فيه شيء مسكر، واحتجوا أيضاً بما أسندوه إلى يحيى بن يمان عن سفيان عن منصور عن مخلد بن سعيد عن ابن مسعود قال :" عطش النبي ﷺ حول الكعبة فاستسقى فأُتي بنبيذ من السقاية فشمّه وقطب وقال :" عليّ بذنوب من زمزم " فصبّه عليه ثم شرب فقال رجل : أحرام هو يا رسول الله قال : لا ".
قال أبو عبد الرحمن : هذا خبر ضعيف لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب سفيان، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه، لكثرة خطئهِ وسوء حفظه، وعن زيد بن واقد عن خالد بن الحسين قال : سمعت أبا هريرة يقول :" علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم في بعض الأيام التي كان يصومها، فتحيّنت فطره بنبيذ صنعته في دباء، فلمّا كان المساء جئته أحملها إليه فقلت : يا رسول الله إني علمت أنك تصوم في هذا اليوم فتحيّنت فطرك ب