البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الخمر : هي المعتصر من العنب إذا غلى واشتدّ وقذف بالزبد، سمى بذلك من خمر إذا ستر، ومنه خِمار المرأة، وتخمرت واختمرت، وهي حسنة الخمرة، والخمر ما واراك من الشجر وغيره، ودخل في خمار الناس وغمارهم أي : في مكان خاف.
وخمر فتاتكم، وخامري أم عامر، مثل الأحمق، وخامري حضاجر أتاك ما تحاذر، وحضاجر اسم للذكر والأنثى من السباع، ومعناه : ادخلي الخمر واستتري.
فلما كانت تستر العقل سميت بذلك، وقيل : لأنها تخمر : أي تغطي حتى تدرك وتشتدّ.
وقال ابن الأنباري : سميت بذلك لأنها تخامر العقل أي : تخالطه، يقال : خامر الداء خالط، وقيل : سميت بذلك لأنها تترك حين تدرك، يقال : اختمر العجين بلغ إدراكه، وخمر الرأي تركه حتى يبين فيه الوجه، فعلى هذه الاشتقاقات تكون مصدراً في الأصل وأريد بها اسم الفاعل أو اسم المفعول.
الميسر : القمار، وهو مفعل من : يسر، كالموعد من وعد، يقال يسرت الميسر أي قامرته، قال الشاعر :
لو تيسرون بخيل قد يسرت بها***
وكل ما يسر الأقوام مغروم
واشتقاقه من اليسر وهو السهولة، أو من اليسار لأنه يسلب يساره، أو من يسر الشيء إذا وجب، أو من يسر إذا جزر والياسر الجازر، وهو الذي يجزئ الجزور أجزاء، قال الشاعر :
أقول لهم بالشعب إذ تيسرونني***
ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم ؟
وسميت الجزور التي يسهم عليها ميسراً لأنها موضع اليسر، ثم قيل للسهام : ميسر للمجاورة، واليسر، الذي يدخل في الضرب بالقداح وجمعه، أيسار، وقيل : يسر جمع ياسر كحارس وحرس وأحراس.
وصفة الميسر أنه عشرة أقداح، وقيل : أحد عشر على ما ذكر فيه، وهي : الأزلام، والأقلام، والسهام.
لسبعة منها حظوظ، وفيها فروض على عدة الحظوظ : القد، وله سهم واحد ؛ والتوأم، وله سهمان، والرقيب، وله ثلاثة ؛ والجلس، وله أربعة ؛ والنافس، وله خمسة ؛ والمسبل وله ستة ؛ والمعلى وله سبعة ؛ وثلاثة أغفال لا حظوظ لها، وهي : المنيح، والسفيح، والوغد، وقيل : أربعة وهي : المصدر، والمضعف، والمنيح، والسفيح.
تزاد هذه الثلاثة أو الاربعة على الخلاف لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهو الضارب بالقداح، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً، ويسمى أيضاً : المجيل، والمغيض، والضارب، والضريب.
ويجمع ضرباء، وهو رجل عدل عندهم.
وقيل يجعل رقيب لئلا يحابي أحداً، ثم يجثو الضارب على ركبتيه، ويلتحف بثوب، ويخرج رأسه يجعل تلك القداح في الربابة، وهي خريطة يوضع فيها، ثم يجلجها، ويدخل يده ويخرج باسم رجل رجل قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الآنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح من تلك الثلاثة لم يأخذ شيئاً، وغرم الجزور كله.
وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق العيش وكلب البرد على الفقراء، فيشترون الجزور وتضمن الأيسار ثمنها، ثم تنحر ويقسم على عشرة أقسام، في قول أبي عمرو، وثمانية وعشرين على قدر حظوظ السهام في قول الأصمعي.
قال ابن عطية : وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور على ثمانية وعشرين، وأيهم خرج له نصيب واسى به الفقراء، ولا يأكل منه شيئاً، ويفتخرون بذلك، ويسمون من لم يدخل فيه : البرم ويذمونه بذلك، ومن الافتخار بذلك قول الأعشى :
المطمعو الضيف إذا ماشتا***
والجاعلو القوت على الياسر
وقال زهير في البرم :
حتى تأوى إلى لا فاحشٍ برم***
ولا شحيح إذا أصحابه غنموا
وربما قاموا لأنفسهم.
التفكر : في الشيء إجالة الفكر فيه وتردده، والفكر : هو الذهن.
﴿ويسألونك عن الخمر والميسر﴾ سبب نزولها سؤال عمر ومعاذ، قالا : يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر، فإنه مذهبة للعقل، مسلبة للمال.
فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون ؟ فبين لهم مصرف ذلك في الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد في سبيل الله، ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر، إذ هما أيضاً من مصارف المال، ومع مداومتهما قل أن يبقى مال فتتصدق به، أو تجاهد به، فلذلك وقع السؤال عنهما.
وقال بعض من ألف في الناسخ والمنسوخ : أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر، وسورة الأنعام مكية، فلا يعتبر بما فيها من قوله :﴿قل لا أجد﴾ وقال ابن جبير : لما نزل ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربتها قوم للمنافع، حتى نزل :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فاجتنبوها في أوقات الصلاة، حتى نزل :﴿فاجتنبوه﴾ فحرمت.
قال مكي : فهذا يدل على أن هذه منسوخة بآية المائدة، ولا شك في أن نزول المائدة بعد البقرة، وقال قتادة : ذم الله الخمر بهذه الآية ولم يحرمها، وقال بعض الناس : لا يقال إن هذه الآية ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر، لأنه يلزم منه أن الله أنزل إباحتها، ثم نسخ، ولم يكن ذلك، وإنما كان مسكوتاً عن شربها، فكانوا جارين في شربها على عادتهم، ثم نزل التحريم.
كما سكت عنهم في غيرها من المحرمات إلى وقت التحريم.
وجاء :﴿ويسألونك﴾ بواو الجمع وإن كان من سأل اثنين : وهما عمرو ومعاذ، على ما روي في سبب النزول، لأن العرب تنسب الفعل الصادر من الواحد إلى الجماعة في كلامها، وقد تبين ذلك.
والسؤال هنا ليس عن الذات، وإنما هو عن حكم هذين من حل وحرمة وانتفاع، ولذلك جاء الجواب مناسباً لذلك، لا جواباً عن ذات.
وتقدم تفسير الخمر في اللغة، وأما في الشريعة، فقال الجمهور : كل ما خامر العقل وأفسده مما يشرب يسمى خمراً، وقال الرازي، عن أبي حنيفة : الخمر اسم ما يتخذ من العنب خاصة، ونقل عنه السمرقندي : أن الخمر عنده هو اسم ما اتخذ من العنب والزبيب والتمر، وقال : إن المتخذ من الذرة والحنطة ليس من الأشربة، وإنما هو من الأغذية المشوّشة للعقل : كالبنج والسيكران، وقيل : الصحيح، عن أبي حنيفة، أن القطرة من هذه الأشربة من الخمر.
وتقدم تفسير الميسر وهو : قمار أهل الجاهلية، وأما في الشريعة فاسم الميسر يطلق على سائر ضروب القمار، والإجماع منعقد على تحريمه، قال علي، وابن عباس، وعطاء وابن سيرين، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، وطاووس، ومجاهد، ومعاوية بن صالح : كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج وغيره فهو ميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز إلا ما أبيح من الرهان في الخيل، والقرعة في إبراز الحقوق.
وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو فمنه : النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار : وهو ما يتخاطر الناس عليه، وقال على الشطرنج : ميسر العجم، وقال القاسم، كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾.
أنزل في الخمر أربع آيات.
﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب﴾
بمكة ثم هذه الآية، ثم ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ ثم ﴿إنما الخمر والميسر﴾ قال القفال : ووقع التحريم على هذا الترتيب، لأنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شربها والانتفاع بها كثيراً، فجاء التحريم بهذا التدريج، رفقاً منه تعالى.
انتهى ملخصاً.
وقال الربيع : نزلت هذه الآية بعد تحريم الخمر، واختلف المفسرون : هل تدل هذه الآية على تحريم الخمر والميسر أم لا تدل ؟ والظاهر أنها تدل على ذلك، والمعنى : قل في تعاطيهما إثم كبير، أي : حصول إثم كبير، فقد صار تعاطيهما من الكبائر، وقد قال تعالى :﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ فما كان إثماً، أو اشتمل على الإِثم، فهو حرام، والإِثم هو الذنب، وإذا كان الذنب كثيراً أو كبيراً في ارتكاب شيء لم يجز ارتكابه، وكيف يقدم على ذلك مع التصريح بالخسران إذا كان الإِثم أكبر من النفع ؟ وقال الحسن : ما فيه الإِثم محرم، ولما كان في شربها الإِثم سميت إثماً في قول الشاعر :
شربت الإِثم حتى زل عقلي***
كذاك الإِثم يذهب بالعقول
ومن قال : لا تدل على التحريم، استدل بقوله : ومنافع للناس، والمحرم لا يكون فيه منفعة، ولأنها لو دلت على التحريم لقنع الصحابة بها، وهم لم يقنعوا حتى نزلت آية المائدة، وآية التحريم في الصلاة، وأجيب بأن المحرم قد يكون فيه منفعة عاجلة في الدنيا، وبأن بعض الصحابة سأل أن ينزل التحريم بالأمر الواضح الذي لا يلتبس على أحد، فيكون آكد في التحريم.
وظاهر الآية الإخبار بأن فيهما إثماً كبيراً.
ومنافع حالة الجواب وزمانه، وقال ابن عباس، والربيع : الإِثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبل التحريم، فعلى هذا يكون الإثم في وقت، والمنفعة في وقت، والظاهر أنه إخبار عن الحال، والإثم الذي فيهما هو الذنب الذي يترتب عليه العقاب، وقالت طائفة : الإثم الذي في الخمر : ذهاب العقل، والسباب، والافتراء، والتعدّي الذي يكون من شاربها، والمنفعة التي في الخمر، قال الأكثرون : ما يحصل منها من الأرباح والاكساب، وهو معنى قول مجاهد : وقيل ما ذكر الأطباء في منافعها من ذهاب الهم، وحصول الفرح، وهضم الطعام، وتقوية الضعيف، والإعانة على الباءة، وتسخية البخيل، وتصفية اللون، وتشجيع الجبان، وغير ذلك من منافعها.
وقد صنفوا في ذلك مقالات وكتباً، ويسمونها : الشراب الريحاني، وقد ذكروا أيضاً لها مضار كثيرة من جهة الطب.
والمنفعة التي في الميسر إيسار القامر بغير كدّ ولا تعب، وقيل : التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور، ويفرقه على الفقراء.
وذكر المفسرون هنا حكم ما أسكر كثيرُه من غير الخمر العنبية، وحدّ الشارب، وكيفية الضرب، وما يتوقى من المضروب فلا يضرب عليه، ولم تتعرض الآية لشيء من ذلك، وهو مذكور في علم الفقه.
وقرأ حمزة، والكسائي : إثم كثير، بالثاء، ووصف الإثم بالكثرة إما باعتبار الآثمين، فكأنه قيل : فيه للناس آثام، أي لكل واحد من متعاطيها إثم، أو باعتبار ما يترتب على شربها من توالي العقاب وتضعيفه، فناسب أن ينعت بالكثرة، أو باعتبار ما يترتب على شربها مما يصدر من شاربها من الأفعال والأقوال المحرمة، أو باعتبار من زوالها من لدن كانت إلى أن بيعت وشريت، فقد لعن رسول الله ﷺ الخمر، ولعن معها عشرة : بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، ومعتصرها، والمعصورة له وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة له، وآكل ثمنها.
فناسب وصف الإثم بالكثرة بهذا الاعتبار.
وقرأ الباقون : كبير، بالباء، وذلك ظاهر، لأن شرب الخمر والقمار ذنبهما من الكبائر، وقد ذكر بعض الناس ترجيحاً لكل قراءة من هاتين القراءتين على الأخرى، وهذا خطأ، لأن كلاً من القراءتين كلام الله تعالى، فلا يجوز تفضيل شيء منه على شيء من قبل أنفسنا، إذ كله كلام الله تعالى.
﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ في مصحف عبد الله وقراءته : أكثر، بالثاء كما في مصحفه : كثير، بالثاء المثلثة فيهما.
قال الزمخشري : وعقاب الإثم في تعاطيهما أكبر من نفعهما، وهو الالتذاذ بشرب الخمر، والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى م
وخمر فتاتكم، وخامري أم عامر، مثل الأحمق، وخامري حضاجر أتاك ما تحاذر، وحضاجر اسم للذكر والأنثى من السباع، ومعناه : ادخلي الخمر واستتري.
فلما كانت تستر العقل سميت بذلك، وقيل : لأنها تخمر : أي تغطي حتى تدرك وتشتدّ.
وقال ابن الأنباري : سميت بذلك لأنها تخامر العقل أي : تخالطه، يقال : خامر الداء خالط، وقيل : سميت بذلك لأنها تترك حين تدرك، يقال : اختمر العجين بلغ إدراكه، وخمر الرأي تركه حتى يبين فيه الوجه، فعلى هذه الاشتقاقات تكون مصدراً في الأصل وأريد بها اسم الفاعل أو اسم المفعول.
الميسر : القمار، وهو مفعل من : يسر، كالموعد من وعد، يقال يسرت الميسر أي قامرته، قال الشاعر :
لو تيسرون بخيل قد يسرت بها***
وكل ما يسر الأقوام مغروم
واشتقاقه من اليسر وهو السهولة، أو من اليسار لأنه يسلب يساره، أو من يسر الشيء إذا وجب، أو من يسر إذا جزر والياسر الجازر، وهو الذي يجزئ الجزور أجزاء، قال الشاعر :
أقول لهم بالشعب إذ تيسرونني***
ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم ؟
وسميت الجزور التي يسهم عليها ميسراً لأنها موضع اليسر، ثم قيل للسهام : ميسر للمجاورة، واليسر، الذي يدخل في الضرب بالقداح وجمعه، أيسار، وقيل : يسر جمع ياسر كحارس وحرس وأحراس.
وصفة الميسر أنه عشرة أقداح، وقيل : أحد عشر على ما ذكر فيه، وهي : الأزلام، والأقلام، والسهام.
لسبعة منها حظوظ، وفيها فروض على عدة الحظوظ : القد، وله سهم واحد ؛ والتوأم، وله سهمان، والرقيب، وله ثلاثة ؛ والجلس، وله أربعة ؛ والنافس، وله خمسة ؛ والمسبل وله ستة ؛ والمعلى وله سبعة ؛ وثلاثة أغفال لا حظوظ لها، وهي : المنيح، والسفيح، والوغد، وقيل : أربعة وهي : المصدر، والمضعف، والمنيح، والسفيح.
تزاد هذه الثلاثة أو الاربعة على الخلاف لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهو الضارب بالقداح، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً، ويسمى أيضاً : المجيل، والمغيض، والضارب، والضريب.
ويجمع ضرباء، وهو رجل عدل عندهم.
وقيل يجعل رقيب لئلا يحابي أحداً، ثم يجثو الضارب على ركبتيه، ويلتحف بثوب، ويخرج رأسه يجعل تلك القداح في الربابة، وهي خريطة يوضع فيها، ثم يجلجها، ويدخل يده ويخرج باسم رجل رجل قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الآنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح من تلك الثلاثة لم يأخذ شيئاً، وغرم الجزور كله.
وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق العيش وكلب البرد على الفقراء، فيشترون الجزور وتضمن الأيسار ثمنها، ثم تنحر ويقسم على عشرة أقسام، في قول أبي عمرو، وثمانية وعشرين على قدر حظوظ السهام في قول الأصمعي.
قال ابن عطية : وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور على ثمانية وعشرين، وأيهم خرج له نصيب واسى به الفقراء، ولا يأكل منه شيئاً، ويفتخرون بذلك، ويسمون من لم يدخل فيه : البرم ويذمونه بذلك، ومن الافتخار بذلك قول الأعشى :
المطمعو الضيف إذا ماشتا***
والجاعلو القوت على الياسر
وقال زهير في البرم :
حتى تأوى إلى لا فاحشٍ برم***
ولا شحيح إذا أصحابه غنموا
وربما قاموا لأنفسهم.
التفكر : في الشيء إجالة الفكر فيه وتردده، والفكر : هو الذهن.
﴿ويسألونك عن الخمر والميسر﴾ سبب نزولها سؤال عمر ومعاذ، قالا : يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر، فإنه مذهبة للعقل، مسلبة للمال.
فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون ؟ فبين لهم مصرف ذلك في الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد في سبيل الله، ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر، إذ هما أيضاً من مصارف المال، ومع مداومتهما قل أن يبقى مال فتتصدق به، أو تجاهد به، فلذلك وقع السؤال عنهما.
وقال بعض من ألف في الناسخ والمنسوخ : أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر، وسورة الأنعام مكية، فلا يعتبر بما فيها من قوله :﴿قل لا أجد﴾ وقال ابن جبير : لما نزل ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربتها قوم للمنافع، حتى نزل :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فاجتنبوها في أوقات الصلاة، حتى نزل :﴿فاجتنبوه﴾ فحرمت.
قال مكي : فهذا يدل على أن هذه منسوخة بآية المائدة، ولا شك في أن نزول المائدة بعد البقرة، وقال قتادة : ذم الله الخمر بهذه الآية ولم يحرمها، وقال بعض الناس : لا يقال إن هذه الآية ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر، لأنه يلزم منه أن الله أنزل إباحتها، ثم نسخ، ولم يكن ذلك، وإنما كان مسكوتاً عن شربها، فكانوا جارين في شربها على عادتهم، ثم نزل التحريم.
كما سكت عنهم في غيرها من المحرمات إلى وقت التحريم.
وجاء :﴿ويسألونك﴾ بواو الجمع وإن كان من سأل اثنين : وهما عمرو ومعاذ، على ما روي في سبب النزول، لأن العرب تنسب الفعل الصادر من الواحد إلى الجماعة في كلامها، وقد تبين ذلك.
والسؤال هنا ليس عن الذات، وإنما هو عن حكم هذين من حل وحرمة وانتفاع، ولذلك جاء الجواب مناسباً لذلك، لا جواباً عن ذات.
وتقدم تفسير الخمر في اللغة، وأما في الشريعة، فقال الجمهور : كل ما خامر العقل وأفسده مما يشرب يسمى خمراً، وقال الرازي، عن أبي حنيفة : الخمر اسم ما يتخذ من العنب خاصة، ونقل عنه السمرقندي : أن الخمر عنده هو اسم ما اتخذ من العنب والزبيب والتمر، وقال : إن المتخذ من الذرة والحنطة ليس من الأشربة، وإنما هو من الأغذية المشوّشة للعقل : كالبنج والسيكران، وقيل : الصحيح، عن أبي حنيفة، أن القطرة من هذه الأشربة من الخمر.
وتقدم تفسير الميسر وهو : قمار أهل الجاهلية، وأما في الشريعة فاسم الميسر يطلق على سائر ضروب القمار، والإجماع منعقد على تحريمه، قال علي، وابن عباس، وعطاء وابن سيرين، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، وطاووس، ومجاهد، ومعاوية بن صالح : كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج وغيره فهو ميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز إلا ما أبيح من الرهان في الخيل، والقرعة في إبراز الحقوق.
وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو فمنه : النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار : وهو ما يتخاطر الناس عليه، وقال على الشطرنج : ميسر العجم، وقال القاسم، كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾.
أنزل في الخمر أربع آيات.
﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب﴾
بمكة ثم هذه الآية، ثم ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ ثم ﴿إنما الخمر والميسر﴾ قال القفال : ووقع التحريم على هذا الترتيب، لأنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شربها والانتفاع بها كثيراً، فجاء التحريم بهذا التدريج، رفقاً منه تعالى.
انتهى ملخصاً.
وقال الربيع : نزلت هذه الآية بعد تحريم الخمر، واختلف المفسرون : هل تدل هذه الآية على تحريم الخمر والميسر أم لا تدل ؟ والظاهر أنها تدل على ذلك، والمعنى : قل في تعاطيهما إثم كبير، أي : حصول إثم كبير، فقد صار تعاطيهما من الكبائر، وقد قال تعالى :﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ فما كان إثماً، أو اشتمل على الإِثم، فهو حرام، والإِثم هو الذنب، وإذا كان الذنب كثيراً أو كبيراً في ارتكاب شيء لم يجز ارتكابه، وكيف يقدم على ذلك مع التصريح بالخسران إذا كان الإِثم أكبر من النفع ؟ وقال الحسن : ما فيه الإِثم محرم، ولما كان في شربها الإِثم سميت إثماً في قول الشاعر :
شربت الإِثم حتى زل عقلي***
كذاك الإِثم يذهب بالعقول
ومن قال : لا تدل على التحريم، استدل بقوله : ومنافع للناس، والمحرم لا يكون فيه منفعة، ولأنها لو دلت على التحريم لقنع الصحابة بها، وهم لم يقنعوا حتى نزلت آية المائدة، وآية التحريم في الصلاة، وأجيب بأن المحرم قد يكون فيه منفعة عاجلة في الدنيا، وبأن بعض الصحابة سأل أن ينزل التحريم بالأمر الواضح الذي لا يلتبس على أحد، فيكون آكد في التحريم.
وظاهر الآية الإخبار بأن فيهما إثماً كبيراً.
ومنافع حالة الجواب وزمانه، وقال ابن عباس، والربيع : الإِثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبل التحريم، فعلى هذا يكون الإثم في وقت، والمنفعة في وقت، والظاهر أنه إخبار عن الحال، والإثم الذي فيهما هو الذنب الذي يترتب عليه العقاب، وقالت طائفة : الإثم الذي في الخمر : ذهاب العقل، والسباب، والافتراء، والتعدّي الذي يكون من شاربها، والمنفعة التي في الخمر، قال الأكثرون : ما يحصل منها من الأرباح والاكساب، وهو معنى قول مجاهد : وقيل ما ذكر الأطباء في منافعها من ذهاب الهم، وحصول الفرح، وهضم الطعام، وتقوية الضعيف، والإعانة على الباءة، وتسخية البخيل، وتصفية اللون، وتشجيع الجبان، وغير ذلك من منافعها.
وقد صنفوا في ذلك مقالات وكتباً، ويسمونها : الشراب الريحاني، وقد ذكروا أيضاً لها مضار كثيرة من جهة الطب.
والمنفعة التي في الميسر إيسار القامر بغير كدّ ولا تعب، وقيل : التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور، ويفرقه على الفقراء.
وذكر المفسرون هنا حكم ما أسكر كثيرُه من غير الخمر العنبية، وحدّ الشارب، وكيفية الضرب، وما يتوقى من المضروب فلا يضرب عليه، ولم تتعرض الآية لشيء من ذلك، وهو مذكور في علم الفقه.
وقرأ حمزة، والكسائي : إثم كثير، بالثاء، ووصف الإثم بالكثرة إما باعتبار الآثمين، فكأنه قيل : فيه للناس آثام، أي لكل واحد من متعاطيها إثم، أو باعتبار ما يترتب على شربها من توالي العقاب وتضعيفه، فناسب أن ينعت بالكثرة، أو باعتبار ما يترتب على شربها مما يصدر من شاربها من الأفعال والأقوال المحرمة، أو باعتبار من زوالها من لدن كانت إلى أن بيعت وشريت، فقد لعن رسول الله ﷺ الخمر، ولعن معها عشرة : بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، ومعتصرها، والمعصورة له وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة له، وآكل ثمنها.
فناسب وصف الإثم بالكثرة بهذا الاعتبار.
وقرأ الباقون : كبير، بالباء، وذلك ظاهر، لأن شرب الخمر والقمار ذنبهما من الكبائر، وقد ذكر بعض الناس ترجيحاً لكل قراءة من هاتين القراءتين على الأخرى، وهذا خطأ، لأن كلاً من القراءتين كلام الله تعالى، فلا يجوز تفضيل شيء منه على شيء من قبل أنفسنا، إذ كله كلام الله تعالى.
﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ في مصحف عبد الله وقراءته : أكثر، بالثاء كما في مصحفه : كثير، بالثاء المثلثة فيهما.
قال الزمخشري : وعقاب الإثم في تعاطيهما أكبر من نفعهما، وهو الالتذاذ بشرب الخمر، والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى م