محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٢٠ من سورة البقرة في ١٢٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٢٠ من سورة البقرة

١٢٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهمْ خَيْرٌ، وإنْ تُخَالِطُوهُم فَإخْوانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.
اختلف أهل التأويل فيما نزلت هذه الآية : فقال بعضهم نزلت ( بياض في الأصل ).
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :: لما نزلت : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الَيتِيمِ إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ عزلوا أموال اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت : وَإنْ تُخالِطوِهمْ فإخْوَانُكُمْ وَلَوْ شاءَ اللّهُ لأعْنَتكُمْ فخالطوهم.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : لما نزلت وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتيمِ إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ وإنّ الّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْما إنّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد. فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل : وَيَسألُونَكَ عَنِ الَيتامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوانُكُمْ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، قال : لما نزلت : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ قال : كنا نصنع لليتيم طعاما فيفضل منه الشيء، فيتركونه حتى يفسد، فأنزل الله : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوانُكُمْ.
٣حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال : حدثنا أبو أسامة، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، قال : سئل عبد الرحمن بن أبي ليلى عن مال اليتيم، فقال : لما نزلت : وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيم إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ اجتنبت مخالطتهم، واتقوْا كل شيء حتى اتقوا المَاء، فلما نزلت : وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ قال : فخالطوهم.
٣حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَيَسألُونَكَ عَنِ اليَتَامَى الآية كلها، قال : كان الله أنزل قبل ذلك في سورة بني إسرائيل : وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ فكبرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في مأكل ولا في غيره. فاشتدّ ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة، فقال : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : لما نزلت : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ اعتزل الناس اليتامى فلم يخالطوهم في مأكل ولا مشرب ولا مال، قال : فشقّ ذلك على الناس، فسألوا رسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل : وَيَسألُونَكَ عَنِ اليَتامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فَإخْوَانُكُمْ.
٣حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ. . . الآية. قال : فذكر لنا والله أعلم أنه أنزل في بني إسرائيل : وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيم إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ حتّى يَبْلُغَ أشُدّهُ فكبرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في طعام ولا شراب ولا غير ذلك. فاشتدّ ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة فقال : ويَسألُونَكَ عَن اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُم فإخْوَانُكُم يقول : مخالطتهم في ركوب الدابة، وشرب اللبن، وخدمة الخادم. يقول للوليّ الذي يلي أمرهم : فلا بأس عليه أن يركب الدابة أو يشرب اللبن، أو يخدمه الخادم.
وقال آخرون في ذلك بما :
٣حدثني عمرو بن عليّ قال : حدثنا عمران بن عيينة، قال : حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله : إنّ الّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْما إنّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ الآية، قال : كان يكون في حجر الرجل اليتيم، فيعزل طعامه وشرابه وآنيته، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فَإخْوانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح فأحلّ خلطهم.
٣حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص بن غياث، قال : حدثنا أشعث، عن الشعبي، قال : لما نزلت هذه الآية : إنّ الّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْما إنّمَا يأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا وَسَيَصْلوْنَ سَعِيرا قال : فاجتنب الناس الأيتام، فجعل الرجل يعزل طعامه من طعامه وماله من ماله، وشرابه من شرابه. قال : فاشتدّ ذلك على الناس، فنزلت : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح. قال الشعبي : فمن خالط يتيما فليتوسع عليه، ومن خالطه ليأكل من ماله فلا يفعل.
حدثني علي بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : وَيَسألُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُم خَيْرٌ وذلك أن الله لما أنزل : إنّ الّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْما إنّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا وَسَيَصْلَونَ سَعِيرا كره المسلمون أن يضموا اليتامى، وتحرّجوا أن يخالطوهم في شيء، فسألوا رسول الله ﷺ، فأنزل الله : قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ.
٣حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوانُكُمْ قال : لما نزلت سورة النساء عزل الناس طعامهم، فلم يخالطوهم. قال : ثم جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا : إنا يشق علينا أن نعزل طعام اليتامى وهم يأكلون معناه فنزلت وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فَإخْوَانُكُمْ.
قال ابن جريج وقال مجاهد : عزلوا طعامهم عن طعامهم، وألبانهم عن ألبانهم، وأُدْمهم عن أدمهم، فشق ذلك عليهم، فنزلت : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ قال : مخالطة اليتيم في المراعي والأدم. قال ابن جريج : وقال ابن عباس : الألبان وخدمة الخادم وركوب الدابة. قال ابن جريج : وفي المساكن، قال : والمساكن يومئذٍ عزيزة.
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال : أخبرنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : لما نزلت : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتيم إلاّ بالّتِي هِيَ أحْسَنُ و : إنّ الّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامى ظُلْما قال : اجتنب الناس مال اليتيم وطعامه، حتى كان يفسد إن كان لحما أو غيره، فشق ذلك على الناس، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله : وَيَسألُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس بن سعد، شك أبو عاصم عن مجاهد : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ قال : مخالطة اليتيم في الرّعْي والأدم.
وقال آخرون : بل كان اتقاء مال اليتيم واجتنابه من أخلاق العرب، فاستفتوا في ذلك لمشقته عليهم، فأفتوا بما بينه الله في كتابه. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : وَيَسألُونَكَ عَنِ الَيتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ قال : كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرا، ولا يستخدموا له خادما، فجاءوا إلى النبيّ ﷺ فسألوه عنه، فقال : قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ يصلح له ماله وأمره له خير، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه، ويركب راحلته ويحمله، ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجود. وَاللّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : وَيَسألُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ إلى : إنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكيمٌ وإن الناس كانوا إذا كان في حجر أحدهم اليتيم جعل طعامه على ناحية ولبنه على ناحية، مخافة الوزر. وإنه أصاب المؤمنين الجهد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدما لليتامى، فقال الله : قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ. . . إلى آخر الآية.
حدثت عن الحسن بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَيَسألُونَكَ عَنِ اليَتَامى كانوا في الجاهلية يعظمون شأن اليتيم، فلا يَمسّون من أموالهم شيئا، ولا يركبون لهم دابة، ولا يطعمون لهم طعاما. فأصابهم في الإسلام جهد شديد، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى، فسألوا نبي الله ﷺ عن شأن اليتامى، وعن مخالطتهم، فأنزل الله : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ يعني بالمخالطة : ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وشرب اللبن.
فتأويل الآية إذًا : ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى، وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة، فقل لهم : تفضلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم من غير مرزئة شيء من أموالهم، وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم، خير لكم عند الله، وأعظم لكم أجرا، لما لكم في ذلك من الأجر والثواب، وخير لهم في أموالهم في عاجل دنياهم، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم. وإن تخالطوهم فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم، فتضموا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا، ويكنف بعضهم بعضا فذو المال يعين ذا الفاقة، وذو القوّة في الجسم يعين ذا الضعف. يقول تعالى ذكره : فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك إن خالطتموهم بأموالكم، فخلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم وسائر أموالكم بأموالهم، فأصبتم من أموالهم فضل مرفق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم، ومعاناة أسبابهم على النظر منكم لهم نظر الأخ الشفيق لأخيه العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه، فذلك لكم حلال، لأنكم إخوان بعضكم لبعض. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوَانُكُمْ قال : قد يخالط الرجل أخاه.
٣حدثني أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن أبي
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾


اختلف أهل التأويل فيمَ نزلت هذه الآية. (١)
فقال بعضهم: نزلت [في الذين عزلوا أموال اليتامى الذين كانوا عندهم، وكرهوا أن يخالطوهم في مأكل أو في غيره، وذلك حين نزلت (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [سورة الأنعام: ١٥٢]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [سورة النساء: ١٠].
* ذكر من قال ذلك] :(٢)
٤١٨٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [سورة الأنعام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤] عزلوا أموال اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت:" وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلمَ المفسدَ من المصْلح، ولو شاء الله لأعنتكم"، فخالطوهم. (٣)
(١) في المطبوعة: "فيما نزلت"، والأجود ما أثبت.
(٢) ما بين القوسين زيادة استظهرتها من سياق الكلام، واستجزت أن أزيدها بين الأقواس في متن الكتاب، حتى لا تنقطع على القارئ قراءته، وكان مكانها في المطبوعات والمخطوطات بياض.
(٣) الأثر: ٤١٨٢ - أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٧٨ مطولا، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وكان في المطبوعة. "فإخوانكم ولو شاء لأعنتكم"، فأتممت الآية على تنزيلها.
٤١٨٣ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، و (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [سورة النساء: ١٠]، انطلق من كان عنده يتيمٌ فعزل طعامَه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل الشيء من طعامه فيُحبس له حتى يأكله أو يفسُد. فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل:" ويسألونك عن اليتامى قل إصْلاح لهم خيرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم"، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. (١)
٤١٨٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد قال: لما نزلت: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، قال: كنا نصنع لليتيم طعامًا فيفضُل منه الشيء، فيتركونه حتى يَفسد، فأنزل الله:" وإن تخالطوهم فإخوانكم". (٢)
٤١٨٥- حدثنا يحيى بن داود الوسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم قال: سئل عبد الرحمن بن أبي ليلى عن مال اليتيم فقال: لما نزلت: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، اجتُنبت مخالطتهم، واتقوا كل شيء، حتى اتقوا الماء، فلما نزلت" وإن تخالطوهم فإخوانكم"، قال: فخالطوهم.
٤١٨٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" ويسألونك عن اليتامى" الآية كلها، قال: كان الله أنزل قبل ذلك في
(١) الأثر: ٤١٨٣ - أخرجه أبو داود ٣: ١٥٥ رقم: ٢٨٧١، والنسائي ٦: ٢٥٦.
(٢) الأثر: ٤١٨٤ - قوله"عن سعيد قال" يعني قال ابن عباس، كما هو ظاهر الخبر.
"سورة بني إسرائيل" (١) (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، فكبُرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في مأكل ولا في غيره، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة فقال:" وإن تخالطوهم فإخوانكم".
٤١٨٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: لما نزلت: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، اعتزل الناس اليتامى فلم يخالطوهم في مأكل ولا مشرب ولا مال، قال: فشق ذلك على الناس، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل:" ويسألونك عن اليتامى قُل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم".
٤١٨٨ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم" الآية، قال: فذكر لنا والله أعلمُ أنه أنزل في"بني إسرائيل": (٢) (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) فكبُرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في طعام ولا شراب ولا غير ذلك. فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة فقال:" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم"، يقول: مخالطتهم في ركوب الدابة وشرب اللبن وخدمة الخادم. يقول: الوليّ الذي يلي أمرهم، فلا بأس عليه أن يركب الدابة أو يشرب اللبن أو يخدمه الخادم.
* * *
وقال آخرون في ذلك بما:-
٤١٨٩ - حدثني عمرو بن علي قال، حدثنا عمران بن عيينة قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:" إنّ الذينَ يأكلون أموالَ اليتامى ظُلما إنما يأكلون في بطونهم" الآية، قال: كان يكون في حِجْر الرجل اليتيمُ فيعزل طعامه وشرابه وآنيته، فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل
(١) "سورة بني إسرائيل" هي"سورة الإسراء".
(٢) "سورة بني إسرائيل" هي"سورة الإسراء".
الله:" وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح"، فأحل خُلطتهم. (١)
٤١٩٠ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي قال: لما نزلت هذه الآية:" إنّ الذين يأكلونَ أموالَ اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسَيصْلونَ سعيرًا"، قال: فاجتنب الناس الأيتامَ، فجعل الرجل يعزل طعامه من طعامه، وماله من ماله، وشرابه من شرابه. قال: فاشتد ذلك على الناس، فنزلت:" وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح". قال الشعبي: فمن خالط يتيما فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل من ماله فلا يفعل.
٤١٩١ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: قوله:" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير"، وذلك أن الله لما أنزل:" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصْلون سعيرًا"، كره المسلمون أن يضمُّوا اليتامى، وتحرَّجوا أن يخالطوهم في شيء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:" قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم".
٤١٩٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله:" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم"، قال: لما نزلت"سورة النساء"، عزل الناس طعامهم فلم يخالطوهم. قال: ثم جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا يشقُّ علينا أن نعزل طعام اليتامى وهم يأكلون معنا! فنزلت:" وإن تخالطوهم فإخوانكم" = قال ابن جريج، وقال مجاهد: عزلوا طعامهم عن طعامهم وألبانهم عن ألبانهم وأدْمهم عن أدْمِهم، (٢) فشقّ ذلك عليهم، فنزلت:" وإن تخالطوهم
(١) الأثر: ٤١٨٩- أخرجه النسائي ٦: ٢٥٦- ٢٥٧. وفي المطبوعة: "فأحل لهم خلطم والهصوا من النسائي.
(٢) الأدم (بضم فسكون) والإدام: ما يؤتدم به، أي ما يؤكل بالخبر أي شيء كان، وفي الحديث: "نعم الإدام الخل".
فإخوانكم"، قال: مخالطة اليتيم في المراعي والأدْم = قال ابن جريج، وقال ابن عباس: الألبان وخِدمة الخادم وركوب الدابة = قال ابن جريج: وفي المساكن، قال: والمساكن يومئذ عزيزةٌ.
٤١٩٣ - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال، أخبرنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت:" ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" و" إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا"، قال: اجتنب الناس مالَ اليتيم وطعامه، حتى كان يفسُد، إنْ كان لحمًا أو غيره. فشقّ ذلك على الناس، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير" (١)
٤١٩٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد = أو عيسى، عن قيس بن سعد، شك أبو عاصم - عن مجاهد:" وإن تخالطوهم فإخوانكم"، قال: مخالطة اليتيم في الرِّعْي والأدْم. (٢)
* * *
وقال آخرون: بل كان اتقاء مال اليتيم واجتنابه من أخلاق العرب، فاستفتوا في ذلك لمشقته عليهم، فأفتوا بما بيَّنه الله في كتابه.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٩٥ - حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح"، قال: كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرًا، ولا يستخدموا له خادمًا،
(١) الأثر: ٤١٩٣- أخرجه النسائي ٦: ٢٥٦.
(٢) الرعي (بكسر الراء وسكون العين) : الكلأ نفسه، كالمرعى.
فجاءوا إلى النبي ﷺ فسألوه عنه، فقال:" قل إصلاح لهم خيرٌ"، يصلح له ماله وأمره له خيرٌ، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ويرْكب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجودُ" والله يعلم المفسد من المصلح".
٤١٩٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ" إلى" إن الله عزيز حكيم"، وإن الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهم اليتيمُ جعل طعامه على ناحية، ولبنه على ناحية، مخافة الوِزر، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدمًا لليتامى، فقال الله:" قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم" إلى آخر الآية.
٤١٩٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:" ويسألونك عن الناس"، كانوا في الجاهلية يعظِّمون شأنَ اليتيم، فلا يمسُّون من أموالهم شيئًا، ولا يركبون لهم دابة، ولا يطعمون لهم طعامًا. فأصابهم في الإسلام جَهْدٌ شديد، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى، فسألوا نبي الله ﷺ عن شأنِ اليتامَى وعن مخالطتهم، فأنزل الله:" وإن تخالطوهم فإخوانكم"، يعني"بالمخالطة": ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وشربَ اللبن.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى، وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة، فقل لهم: تفضُّلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم - من غير مَرْزِئة شيء من أموالهم، (١) وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم - خيرُ لكم عند الله وأعظمُ
(١) يقال: "رزأه في ماله رزءًا (بضم فسكون) ومرزئة (بفتح الميم وسكون الراء وكسر الزاي) : أصاب منه خيرًا ما كان، فنقص من ماله.
لكم أجرًا، لما لكم في ذلك من الأجر والثواب = وخيرٌ لهم في أموالهم في عاجل دنياهم، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم ="وإنْ تخالطوهم" فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم، فتضمُّوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويكنُفُ بعضهم بعضًا، (١) فذو المال يعينُ ذا الفاقة، وذو القوة في الجسم يعين ذا الضعف. يقول تعالى ذكره: فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك، إن خالطتموهم بأموالكم = فخلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم، وسائر أموالكم بأموالهم، فأصبتم من أموالهم فَضْل مَرْفَق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم، ومعاناة أسبابهم، على النظر منكم لهم نظرَ الأخ الشفيق لأخيه، العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه = فذلك لكم حلالٌ، لأنكم إخوان بعضكم لبعض، كما:-
٤١٩٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:" وإن تخالطوهم فإخوانكم"، قال: قد يخالط الرجل أخاه.
٤١٩٩ - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبي مسكين، عن إبراهيم قال: إني لأكره أن يكون مال اليتيم كالعُرة. (٢)
٤٢٠٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: إني لأكره أن يكون مالُ اليتم عندي عُرَّةً، حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. (٣)
* * *
(١) كنفه يكنفه: حاطه وصانه وكان إلى جنبه وعاونه، والمكانفة: المعاونة. وأصلها من"الكنف"، وهو حضن الرجل. ويقال: "هو في كنف الله"، أي في كلاءته وحفظه وحرزه ورعايته.
(٢) العرة: القذر وعذرة الناس، يريد: أن يتجنبه تجنب القذر.
(٣) الأثر: ٤٢٠٠- في تفسير ابن كثير ١: ٥٠٥، والدر المنثور ١: ٢٥٦، ولم أجده في مكان آخر. و"العرة"، سلف شرحها. وفي تفسير ابن كثير"عندي حدة"، ولعل صوابها ما في التفسير.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قال:" فإخوانُكم"، فرفع"الإخوان"؟ وقال في موضع آخر: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا) [سورة البقرة: ٢٣٩]
قيل: لافتراق معنييهما. وذلك أنّ أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم. فمعنى الكلام: وإن تخالطوهم فهم إخوانكم. و"الإخوان" مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره، وهو"هم" لدلالة الكلام عليه = وأنه لم يرد"بالإخوان" الخبر عنهم أنهم كانوا إخوانًا من أجل مخالطة وُلاتهم إياهم. ولو كان ذلك المراد، لكانت القراءة نصبًا، وكان معناه حينئذ: وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم، ولكنه قرئ رفعًا لما وصفت: من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم، خالطوهم أو لم يخالطوهم.
وأما قوله: (فرجالا أو رُكبانًا)، فنصبٌ، لأنهما حالان للفعل، غير دائمين، (١) ولا يصلح معهما"هو". وذلك أنك لو أظهرت"هو" معهما لاستحال الكلام. ألا ترى أنه لو قال قائل:"إن خفت من عدوك أن تصلي قائمًا فهو راجل أو راكب"، لبطل المعنى المرادُ بالكلام؟ وذلك أن تأويل الكلام. فإن خفتم أن تصلوا قيامًا من عدوكم، فصلوا رجالا أو ركبانًا. ولذلك نصبه إجراءً على ما قبله من الكلام، كما تقول في نحوه من الكلام:"إن لبست ثيابًا فالبياض" فتنصبه، لأنك تريد: إن لبست ثيابًا فالبس البياض - ولستَ تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض. ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت:"إن لبستَ ثيابًا فالبياضُ" رفعًا، إذ كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس، أنّ كل ما يلبس من الثياب فبياضٌ. لأنك تريد حينئذ: إن لبست ثيابًا فهي بياضٌ. (٢)
(١) في المطبوعة"غير ذاتيين": ، وهو تصحيف فاحش لا معنى له، والصواب ما أثبت والحال غير الدائمة، هي الحال المشتقة المنتقلة، والدائم هو الجامد والثابت.
(٢) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء أيضًا ١: ١٤١- ١٤٢.
فإن قال: فهل يجوز النصب في قوله:" فإخوانكم".
قيل: جائز في العربية. فأما في القراءة، فإنما منعناه لإجماع القرأة على رفعه. وأما في العربية، فإنما أجزناه، لأنه يحسن معه تكريرُ ما يحمل في الذي قبله من الفعل فيهما: وإن تخالطوهم، فإخوانكم تخالطون - فيكون ذلك جائزًا في كلام العرب. (١)
* * *
(٢)

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن ربكم قد أذن لكم في مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به، (٣) فاتقوا الله في أنفسكم أن تخالطوهم وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقها، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التي لا قِبل لكم بها، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه - فشاركه في مطعمه ومشربه ومسكنه وخدمه ورعاته في حال مخالطته إياه - ما الذي يقصد بمخالطته إياه: إفسَاد ماله وأكله بالباطل، أم إصلاحه وتثميره؟ لأنه لا يخفى عليه منه شيء، (٤) ويعلم أيُّكم المريد إصلاح ماله، من المريد إفسادَه. كما:-
(١) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء أيضًا ١: ١٤١- ١٤٢.
(٢) من أول تفسير هذه الآية يبدأ الجزء الرابع من المخطوطة العتيقة التي اعتمدناها. وأولها:
﴿بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾
ربّ أَعِن برَحْمَتِك}
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "إن ربكم وإن أذن لكم... " وهو كلام مختل، وكأن الذي أثبت قريب من الصواب.
(٤) في المخطوطة"لا نها عليه منه شيء"، وفيها تصحيف لم أتبينه، والذي في المطبوعة جيد في سياق المعنى.
٤٢٠١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره:" والله يعلم المفسد من المصلح" قال: الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق؟
٤٢٠٢ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي:" والله يعلم المفسد من المصلح"، قال الشعبي: فمن خالط يتيمًا فليتوسَّع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعلْ. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولو شاء الله لحرَّم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالَهم، فجَهَدكم ذلك وشقّ عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخَّص لكم فيه وسهله عليكم، رحمةً بكم ورأفةً.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:" لأعنتكم". فقال بعضهم بما:-
٤٢٠٣ - حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد - أو عيسى، عن قيس بن سعد - عن مجاهد = شك أبو عاصم = في قول الله تعالى ذكره:" ولو شاء الله لأعنتكم" لحرم عليكم المرعى والأدْم.
(١) الأثر: ٤٢٠٢- في المخطوطة والمطبوعة: "حدثني أبو السائب، قال حدثنا أشعث... "، وهو إسناد ناقص، أسقط"قال حدثنا حفص بن غياث"، وقد مضى هذا الإسناد مرارًا، أقربه: ٤١٩٠، وهذا الأثر مختصره.
قال أبو جعفر: يعني بذلك مجاهد: رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم، والأكلَ من إدامه. لأنه كان يتأول في قوله:" وإن تخالطوهم فإخوانكم"، أنه خُلْطة الوليّ اليتيم بالرِّعْي والأدْم. (١)
* * *
٤٢٠٤ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:" ولو شاء الله لأعنتكم"، يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيَّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [سورة النساء: ٦]
٤٢٠٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده:" ولو شاء الله لأعنتكم"، يقول: لجهدكم، فلم تقوموا بحقّ ولم تؤدُّوا فريضة.
٤٢٠٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع نحوه = إلا أنه قال: فلم تعملوا بحقّ.
٤٢٠٧ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:" ولو شاء الله لأعنتكم"، لشدد عليكم.
٤٢٠٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله:" ولو شاء الله لأعنتكم"، قال: لشقّ عليكم في الأمر. ذلك العنتُ.
٤٢٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قوله:" ولو شاء الله لأعنتكم"، قال: ولو شاء الله لجعل ما أصبتُم من أموال اليتامى مُوبقًا.
* * *
وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرت عنه، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها، فإنها متقارباتُ المعاني. لأن من حُرِّم عليه شيء فقد ضُيِّق عليه في ذلك
(١) انظر الأثر السالف رقم: ٤١٩٤.
الشيء، ومن ضُيق عليه في شيء فقد أحْرِج فيه، ومن أحرج في شيء أو ضيِّق عليه فيه فقد جُهِد. وكل ذلك عائد إلى المعنى الذي وصفت من أن معناه: الشدة والمشقة.
ولذلك قيل:"عَنِت فلانٌ" = إذا شق عليه الأمر، وجهده، = (١) "فهو يعنَتُ عَنَتًا"، كما قال تعالى ذكره: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) [سورة التوبة: ١٢٨]، يعني ما شق عليكم وآذاكم وجَهدكم، ومنه قوله تعالى ذكره: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) [سورة النساء: ٢٥]. فهذا إذا عَنِت العانِت. فإن صيَّره غيره كذلك، قيل:"أعنته فلانٌ في كذا" = إذ جهده وألزمه أمرًا جهده القيام به ="يُعْنِته إعناتًا". فكذلك قوله:" لأعنتكم" معناه: لأوجب لكم العنَت بتحريمه عليكم ما يَجْهدكم ويحرجكم، مما لا تطيقون القيام باجتنابه، وأداء الواجب له عليكم فيه.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لأوبقكم وأهلككم.
* ذكر من قال ذلك:
٤٢١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قرأ علينا:" ولو شاء الله لأعنتكم"، قال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا.
٤٢١١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل - وجرير، عن منصور = وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور = عن الحكم،
(١) في المطبوعة: "عنت فلانًا" وهو خطأ، والفعل لازم، كما سيأتي. وفي المخطوطة والمطبوعة: "إذا شق عليه وجهده"، والصواب زيادة"الأمر".
عن مقسم، عن ابن عباس:" ولو شاء الله لأعنتكم" قال: لجعل ما أصبتم مُوبقًا. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله"عزيز" في سلطانه، لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه فقصرتم في القيام به، ولا يقدرُ دافعٌ أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله، (٢) ولكنه بفضل رحمته منَّ عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك = وهو"حكيم" في ذلك لو فعله بكم وفي غيره من أحكامه وتدبيره، لا يدخل أفعاله خلل ولا نقصٌ ولا وَهْي ولا عيب، (٣) لأنه فِعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقبَ الأمور فيدخل تدبيره مذمّة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداءً.
* * *
(١) الأثر: ٤٢١١- قد سلف بالإسناد الثاني برقم: ٤٢٠٩.
(٢) في المطبوعة: "لو فعله هو لكنه"، والصواب الجيد من المخطوطة.
(٣) في المخطوطة: "ولا وهاء ولا عيب". وقد سلف في هذا الجزء ٤: ١٨، ١٥٥، والتعليق رقم: ١، وما قيل في خطأ ذلك، واستعمال الفقهاء له.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن جرير : حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال : لما نزلت :﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل له الشيء من طعامه فيُحبَس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم(١).
وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مَرْدويه، والحاكم في مستدركه من طرق، عن عطاء بن السائب، به(٢). وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذا رواه السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود - بمثله. وهكذا ذكر(٣) غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
قال وَكِيع بن الجراح : حدثنا هشام الدَّسْتَوائي(٤) عن حماد، عن إبراهيم قال : قالت عائشة : إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عُرّة(٥) حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.
فقوله :﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي : على حدَة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي : وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم ؛ لأنهم إخوانكم في الدين ؛ ولهذا قال :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي : يعلم مَنْ قَصْدُه ونيته الإفسادَ أو الإصلاح.
وقوله :﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي : ولو شاء لضيّق عليكم وأحرجَكم(٦) ولكنه وَسَّع عليكم، وخفَّف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال :﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة.
١ تفسير الطبري (٤/٣٥٠)..
٢ سنن أبي داود برقم (٢٨٧١) وسنن النسائي (٦/٢٥٦) والمستدرك (٢/٢٧٨)..
٣ في جـ: "وهكذا رواه"..
٤ في جـ: "حدثنا صاحب الدستوائي"، وفي أ: "حدثنا هشام صاحب الدستوائي"..
٥ في جـ: "عندي حدة"..
٦ في أ، و: "وأخرجكم"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ أنَّه قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّن لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ التِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ] (١)﴾ فدُعي عُمَرُ فقرئتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ التِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣]، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى: أَلَّا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سكرانُ. فدُعي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ التِي فِي الْمَائِدَةِ. فَدَعِي عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩١] ؟ قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا، انْتَهَيْنَا (٢).
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (٣). وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدويه مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيل الهَمْداني الْكُوفِيُّ، عَنْ عُمَرَ. وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ سِوَاهُ، لَكِنْ قَالَ أَبُو زُرْعَة: لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَاللَّهُ أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صَالِحٌ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -بَعْدَ قَوْلِهِ: انْتَهَيْنَا -: إِنَّهَا تُذْهِبُ الْمَالَ وَتُذْهِبُ الْعَقْلَ. وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مَعَ مَا رواه أحمد من
(١) زيادة من جـ.
(٢) المسند (١/٥٣).
(٣) سنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦).
طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا (١) -عِنْدَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٠] الْآيَاتِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أَمَّا الْخَمْرُ فَكَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّهُ كُلُّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. كَمَا سَيَأْتِي بيانُه فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَكَذَا الْمَيْسِرُ، وَهُوَ الْقِمَارُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أَمَّا إِثْمُهُمَا فَهُوَ فِي الدِّينِ، وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَدُنْيَوِيَّةٌ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ (٢) فِيهَا نَفْعَ الْبَدَنِ، وَتَهْضِيمَ الطَّعَامِ، وإخراجَ الْفَضَلَاتِ، وَتَشْحِيذَ بَعْضِ الْأَذْهَانِ، وَلَذَّةَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ التِي فِيهَا، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِ:
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا... وأسْدًا لَا يُنَهْنهها اللقاءُ...
وَكَذَا بَيْعُهَا وَالِانْتِفَاعُ بِثَمَنِهَا. وَمَا كَانَ يُقَمِّشه بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَيْسِرِ فَيُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَصَالِحِ لَا تُوَازِي مَضَرَّتُهُ وَمَفْسَدَتُهُ الرَّاجِحَةُ، لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُمَهِّدَةً لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى الْبَتَاتِ، وَلَمْ تَكُنْ مُصَرِّحَةً بَلْ مُعَرِّضَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ بَين لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، حَتَّى نَزَلَ التَّصْرِيحُ بِتَحْرِيمِهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٠، ٩١] وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هَذِهِ (٣) أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْخَمْرِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ] (٤)﴾ ثُمَّ نَزَلَتِ الْآيَةُ التِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ التِي فِي الْمَائِدَةِ، فَحُرِّمَتِ الْخَمْرُ (٥).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قُرئ بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ (٦) وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ متَّجَه قَرِيبٌ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَثَعْلَبَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَنَا أَرِقَّاءَ وَأَهْلِينَ [فَمَا نُنْفِقُ] (٧) مِنْ أَمْوَالِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (٨).
وَقَالَ الْحَكَمُ، عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قَالَ: مَا يَفْضُلُ عَنْ أَهْلِكَ.
(١) في جـ: "عنه".
(٢) في و: "إن كان فيها".
(٣) في أ: "هذا".
(٤) زيادة من جـ.
(٥) في أ: "فحرمت الخمر فلله الحمد".
(٦) في جـ: "بالرفع والنصب".
(٧) زيادة من أ.
(٨) وهذا منقطع، فإن يحيى بن سعيد بينه وبين معاذ قرن من الزمان.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ يَعْنِي الْفَضْلَ.
وَعَنْ طَاوُسٍ: الْيَسِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنِ الرَّبِيعِ أَيْضًا: أَفْضَلُ مَالِكَ، وَأَطْيَبُهُ.
وَالْكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى الْفَضْلِ.
وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قَالَ: ذَلِكَ أَلَّا تُجْهِدَ مَالِكَ ثُمَّ تَقْعُدُ تَسْأَلُ النَّاسَ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلان، عَنِ المَقْبُريّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "فَأَنْتَ أبصَرُ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (١). وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضُلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضُلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا" (٢).
وَعِنْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خير الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْر غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولَ" (٣).
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: "ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تبذُل الفضلَ خيرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلام عَلَى كَفَافٍ" (٤).
ثُمَّ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكَاةِ، كَمَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالسُّدِّيُّ، وَقِيلَ: مُبَيَّنَةٌ بِآيَةِ الزَّكَاةِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَوْجُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: كَمَا فصَّل لَكُمْ هَذِهِ الْأَحْكَامَ وبينَها وَأَوْضَحَهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ لَكُمْ سَائِرَ الْآيَاتِ فِي أَحْكَامِهِ وَوَعْدِهِ، ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة.
(١) تفسير الطبري (٤/٣٤٠)، وأما قول الحافظ بأنه في صحيح مسلم، فقد قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله -: "وهم - رحمه الله - فإن الحديث ليس في صحيح مسلم على اليقين بعد طول التتبع مني ومن أخي السيد محمود". قلت: لم يذكره المزي في تحفة الأشراف معزوا لمسلم، وإنما عزاه لأبي داود وغيره.
(٢) صحيح مسلم برقم (٩٩٧).
(٣) هو في صحيح البخاري برقم (١٤٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح مسلم برقم (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه.
(٤) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٠٣٦) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا علي بن محمد الطَّنَافسي، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الصعَّق الْعَيْشِيِّ (١) قَالَ: شَهِدْتُ الْحَسَنَ -وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ الْبَقَرَةِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ قَالَ: هِيَ وَاللَّهِ لِمَنْ تَفَكَّرَ فِيهَا، لِيَعْلَمَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ، ثُمَّ دَارُ فَنَاءٍ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ، ثُمَّ دَارُ بَقَاءٍ.
وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْج، وَغَيْرُهُمَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: لِتَعْلَمُوا فَضْلَ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: فآثرُوا الْآخِرَةَ عَلَى الْأُولَى.
[وَقَدْ ذَكَرْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٠] آثَارًا كَثِيرَةً عَنِ السَّلَفِ فِي مَعْنَى التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ] (٢).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ الْآيَةَ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٤] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فعزَل طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يفضُل لَهُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ فيُحبَس لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ (٣).
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، بِهِ (٤). وَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَذَا رَوَاهُ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -بِمِثْلِهِ. وَهَكَذَا ذَكَرَ (٥) غَيْرُ وَاحِدٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
قَالَ وَكِيع بْنُ الْجَرَّاحِ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوائي (٦) عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إبراهيم قال: قالت عائشة:
(١) في جـ، أ، و: "التميمي".
(٢) زيادة من جـ.
(٣) تفسير الطبري (٤/٣٥٠).
(٤) سنن أبي داود برقم (٢٨٧١) وسنن النسائي (٦/٢٥٦) والمستدرك (٢/٢٧٨).
(٥) في جـ: "وهكذا رواه".
(٦) في جـ: "حدثنا صاحب الدستوائي"، وفي أ: "حدثنا هشام صاحب الدستوائي".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي، وأطلع العباد على أسرار شرعه قال :﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي : الدالات على الحق، المحصلات للعلم النافع والفرقان، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي : لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه، وتعرفوا أن أوامره، فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها، فترفضوها وفي الآخرة وبقائها، وأنها دار الجزاء فتعمروها.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
لما نزل قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ شق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى، خوفا على أنفسهم من تناولها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها، وسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود، إصلاح أموال اليتامى، بحفظها وصيانتها، والاتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى، لأنهم إخوانكم، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة، التوصل إلى أكلها وتناولها، فذلك الذي حرج وأثم، و " الوسائل لها أحكام المقاصد "
وفي هذه الآية، دليل على جواز أنواع المخالطات، في المآكل والمشارب، والعقود وغيرها، وهذه الرخصة، لطف من الله [ تعالى ] وإحسان، وتوسعة على المؤمنين، وإلا ف ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي : شق عليكم بعدم الرخصة بذلك، فحرجتم. وشق عليكم وأثمتم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي : له القوة الكاملة، والقهر لكل شيء، ولكنه مع ذلك ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة، فعزته لا تنافي حكمته، فلا يقال : إنه ما شاء فعل، وافق الحكمة أو خالفها، بل يقال : إن أفعاله وكذلك أحكامه، تابعة لحكمته، فلا يخلق شيئا عبثا، بل لا بد له من حكمة، عرفناها، أم لم نعرفها وكذلك لم يشرع لعباده شيئا مجردا عن الحكمة، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة، أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، لتمام حكمته ورحمته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٢٠} ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ شق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى، خوفا على أنفسهم من تناولها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها، وسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود، إصلاح أموال اليتامى، بحفظها وصيانتها، والاتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى، لأنهم إخوانكم، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة، التوصل إلى أكلها وتناولها، فذلك الذي حرج وأثم، و "الوسائل لها أحكام المقاصد "
وفي هذه الآية، دليل على جواز أنواع المخالطات، في المآكل والمشارب، والعقود وغيرها، وهذه الرخصة، لطف من الله [تعالى] وإحسان، وتوسعة على المؤمنين، وإلا فـ ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ أي: شق عليكم بعدم الرخصة بذلك، فحرجتم. وشق عليكم وأثمتم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: له القوة الكاملة، والقهر لكل شيء، ولكنه مع ذلك ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة، فعزته لا تنافي حكمته، فلا يقال: إنه ما شاء فعل، وافق الحكمة أو خالفها، بل يقال: إن أفعاله وكذلك أحكامه، تابعة لحكمته، فلا يخلق شيئا عبثا، بل لا بد له من حكمة، عرفناها، أم لم نعرفها وكذلك لم يشرع لعباده شيئا مجردا عن الحكمة، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة، أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، لتمام حكمته ورحمته.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير ابن خويز منداد — ابن خويزمنداد تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لأعْنَتَكُمْ
لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ.

إعراب الآية ٢٢٠ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

عمرو بن العلاء، وقرأ الكوفيون كثير «١» وإجماعهم على حُوباً كَبِيراً [النساء:
٢] يدلّ على أن كبيرا أولى أيضا فكما يقال: إثم صغير كذا يقال: كبير ولو جاز كثير لقيل: إثم قليل وأجمع المسلمون على قولهم: كبائر وصغائر. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ هكذا قرأ أهل الحرمين وأهل الكوفة، وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق قُلِ الْعَفْوَ بالرفع. قال أبو جعفر: إن جعلت «ذا» بمعنى الذي كان الاختيار الرفع وجاز النصب، وإن جعلت ما وذا شيئا واحدا كان الاختيار النصب وجاز الرفع، وحكى النحويون: ماذا تعلّمت أنحوا أم شعرا؟ بالنصب والرفع على أنهما جيدان حسنان إلا أن التفسير في الآية يدلّ على النصب. قال ابن عباس: الفضل، وقال:
العفو ما يفضل عن أهلك فمعنى هذا ينفقون العفو، وقال الحسن: المعنى قل أنفقوا العفو، وقال أبو جعفر: وقد بيّنا لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في الدّنيا والآخرة.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٠]

فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)
قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ابتداء وخبر. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ شرط وجوابه، والتقدير: فهم إخوانكم، ويجوز في غير القرآن فإخوانكم، والتقدير: فتخالطون إخوانكم.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢١]

وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ يقال: نكح ينكح إذا وطئ هذا الأصل ثم استعمل ذلك لمن تزوّج ويجوز ولا تنكحوا أي لا تزوّجوا بضم التاء ولا تنكحوا المشركين أي ولا تزوّجوهم، وكل من كفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم فهو مشرك يدلّ على ذلك القرآن، وسنذكره إن شاء الله في موضعه. وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ابتداء وخبر وكذا أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وكذا وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وكذا وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ في قراءة الحسن «٢»، وفي قراءة أبي العالية «٣» وَالْمَغْفِرَةِ «٤» عطفا على الجنة.
(١) انظر البحر المحيط ٢/ ١٦١ (وهي قراءة حمزة والكسائي).
(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ١٧٦.
(٣) أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحي، تابعي، عرض على أبيّ وابن عباس وعمر (ت ٩٠ هـ). ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٨٤.
(٤) انظر البحر المحيط ٢/ ١٧٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٢٠ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ﴾ الآية. [٢٢٠].
أخبرنا أبو منصور عبد القاهر بن طاهر، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن السرّاج، حدَّثنا الحسن بن المُثَنَّى بن معاذ، حدَّثنا أبو حُذَيْفَة موسى بن مسعود، حدَّثنا سفيان الثَّوْرِي، عن سالم الأَفْطَس، عن سعيد بن جُبَيْر قال:
لما نزلت: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً﴾ عزلوا أموالهم [عن أموالهم] فنزلت: ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا أموالهم بأموالهم.
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا أبو علي الفقيه، أخبرنا عبد الله بن محمد البَغوي، حدَّثنا عثمان بن أبي شَيْبَة، حدَّثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً﴾ انطلق من كان عنده مال يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، وجعل يَفْضُلُ الشيء مِنْ طعامه فَيُحْبَسُ له حتى يأكله أو يَفْسُد، واشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فَتَخْلِطُوا طعامهم بطعامكم وشرابهم بشرابكم.

القراءات في الآية ٢٢٠ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

شَآءَ

بالإمالة ومد المتصل 4 حركات

ابن ذكوان عن ابن عامر إدريس عن خلف إسحاق عن خلف

بالإمالة ومد المتصل 6 حركات

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

بالفتح ومد المتصل 3 حركات

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

بالفتح ومد المتصل 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

بالفتح ومد المتصل 4 حركات

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر

بالفتح ومد المتصل 6 حركات

ورش عن نافع

لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ

تحقيق الهمزة و صلة الميم ومدها حركتين

ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر قالون عن نافع

تحقيق الهمزة وسكون الميم دون سكت

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

تحقيق الهمزة وسكون الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة

تحقيق الهمزة وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

تحقيق الهمزة وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

تسهيل الهمزة و صلة الميم ومدها حركتين

البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة البقرة، الآيةُ ٢٢٠ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

٢٢٠ الكوفيّ المرجِع
٢١٨ المدَنيَّان والمكِّيّ
٢١٩ البصريّ والدِمَشقيّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

عند أوَّلِها ﴿ تتفكرون

يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأخير الكوفيّ الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المكِّيّ البصريّ

﴿تتفكرون﴾ آخِرُ الآيةِ التي قبلَها: يَعُدُّه المدَنيّ الأخير والكوفيّ والدِمَشقيّ رأسَ آية، ولا يَعُدُّه المدَنيّ الأوَّل والمكِّيّ والبصريّ؛ فيَجعَلُ هذه الآيةَ مع ما قبلَها آيةً واحدة.

مصادرُ التوثيق "البيان في عدّ آي القرآن" (ص 140) "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 30) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 30)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ٢٢٠ من سورة البقرة

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٨ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾، يقول: لآثَمَكُم في دينكم -نظيرُها في براءة قولُه سبحانه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ [التوبة:١٢٨]، يقول: ما أثِمْتُم-، فحَرَّم عليكم خُلْطَتَهم في الذي لهم؛ كتحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير؛ فلم تنتفعوا بشيء منه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٩.
٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قول الله: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾، قال: لَشَقَّ عليكم في الأمر، ذلك العَنَتُ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَكَرَ ابنُ جرير (٣/٧٠٩) أنّ العنت هو الشِّدَّةُ والمَشَقَّة. ثُمَّ بَيَّن (٣/٧٠٩-٧١٠ بتصرف) أنّ الآثار الواردة متقاربةُ المعاني، فقال: «وهذه الأقوال التي ذكرناها وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها فإنّها متقارباتُ المعاني؛ لأنّ مَن حُرِّم عليه شيءٌ فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشيء، ومَن ضُيِّق عليه في شيء فقد أُحْرِج فيه، ومَن أُحْرِج في شيء أو ضُيِّق عليه فيه فقد جَهد، وكلُّ ذلك عائدٌ إلى المعنى الذي وصَفْتُ مِن أنّ معناه: الشِّدَّة والمَشَقَّة».
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في مُلْكِه، ﴿حَكِيمٌ﴾ يعني: ما حَكَم في أموال اليتامى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٩.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيِّ، عمَّنْ حَدَّثه- ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾، قال: يعلم مَن يَتَعَمَّدُ أكلَ مال اليتيم، ومَن يَتَحَرَّجُ منه ولا يَأْلُو١ عن إصلاحه٢
التخريج
  1. ١لا يَأْلُو: لا يقصر ولا يبطئ. ينظر: لسان العرب (ألا).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٦ (٢٠٨٧). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾، يعني: أنّ الله لا يَخْفى عليه الذين يريدون منكم الإصلاح لهم، والإفساد عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٦ (٢٠٨٨).
٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٩٦ (عقب ٢٠٨٨).
٧
عن عامر الشَّعْبِيِّ -من طريق أشْعَث- ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾، قال: فمَن خالَط يتيمًا فلْيَتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالطه ليأكل مالَه فلا يفعلْ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٨.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ﴾ لمال اليتيم ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ لماله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٩.
٩
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾، قال: الله يعلم حين تَخْلِطُ مالَك بمالِه، أتُرِيدُ أن تُصْلِحَ مالَه أو تُفْسِدَه فتأكلَه بغير حقٍّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٧.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾، يقول: لأحْرَجَكم، وضَيَّق عليكم، ولكنه وسَّع، ويَسَّرَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٦ (٢٠٩٠). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيِّ، عمَّن حدَّثه- ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾، يقول: لو شاء ما أحلَّ لكم ما أصَبْتُم مِمّا لا تَتَعَمَّدون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٦ (٢٠٨٩). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- في قوله: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾، قال: لو شاء الله لَجَعَل ما أصَبْتُم من أموال اليتامى مُوبِقًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٣
عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾، قال: لأحْرَجَكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر -كما في فتح الباري ٥‏/‏٣٩٤-.
١٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق قيس بن سعد- في قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾: لَحَرَّم عليكم المَرْعى، والأُدْم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٧ (٢٠٩٤).
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٣/٧٠٨) قولَ مجاهد، فقال: «يعني بذلك مجاهد: رَعْي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم، والأكل من إدامِه؛ لأنه كان يَتَأَوَّل في قوله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ أنّه خلطةُ الوَلِيِّ اليتيم بالرَّعْيِ، والأدم».
١٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق أبي مُصْلِح- في قوله: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾، قال: لو لم يُبَيِّن لكم لَأَثِمْتُم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٧ (٢٠٩٤).
١٦
عن قتادة بن دِعامة: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾، قال: لو شاء الله لأَعْنَتَكم؛ فلَمْ تُؤَدُّوا فريضةً، ولم تقوموا بحقٍّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٧
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾: لَشَدَّد عليكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٩.
١٨
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَجَهَدَكُم؛ فلَمْ تعملوا بحقٍّ، ولم تُؤَدُّوا فريضةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٧ (٢٠٩٣).

تفسير الآية

١٤ قولًا
١
عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علقه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٩٥ (عقب ٢٠٧٩).
٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، قال: قد يخالط الرجلُ أخاه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٥.
٣
قالت عائشة -من طريق الأسود-: أخْلِطُ طعامَ يتيمى بطعامي، وشرابَه بشرابي؛ فإنِّي أكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيم عندي كالعُرَّةِ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد. كذلك أخرجه وكيع -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٥٨٦- من طريق إبراهيم. والعُرَّة: الجرب. لسان العرب (عرر).
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيِّ، عمَّن حَدَّثه- ﴿وإن تُخالِطُوهم فإخوانُكم﴾، قال: المخالطة: أن تشربَ مِن لبنه ويشربَ من لبنك، وتأكلَ من قَصْعَتِه ويأكلَ من قَصْعَتِك، وتأكلَ من ثَمَرَتِه ويأكلَ من ثَمَرَتِك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٥ (٢٠٨٢). وعزاه الحافظ في الفتح ٥‏/‏٣٩٥ إلى عبد بن حميد.
٥
قال عبد الله بن عباس -من طريق حَجّاج، عن ابن جُرَيج-: والألبان، وخِدمة الخادم، وركوب الدابة، قال عبد الملك ابن جريج: وفي المساكن. قال: والمساكنُ يومئذعزِيزةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٧٠٢.
٦
عن إبراهيم النَّخَعِيِّ -من طريق أبي مِسْكِين- قال: إنِّي لَأَكْرَهُ أن يكون مالُ اليتيم كالعُرَّة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٥.
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، قال: مخالطة اليتيم في المراعي، والأُدْم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٣ وفيه: عن ابن أبي نجيح أو عيسى عن قيس بن سعد، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٥ (٢٠٨٤)، كذلك أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٢ من طريق ابن جريج.
٨
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، قال: يعني بالمخالطة: ركوب الدابة، وخِدْمَة الخادم، وشُرْبَ اللَّبَن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٤.
٩
عن طاووس -من طريق ابنه- في قوله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، قال: هذا إذا كان طعامُك أفضلَ من طعامه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٥ (٢٠٨٣).
١٠
عن عُقَيْلِ بن خالد، قال: سألتُ ابن شهاب [الزُّهْري] عن قول الله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾. قال: فترى أنّ خيرًا لهم أن يصلح مالُهم معزولًا على حِدَتِه، ولا يُلْبَس بغيره. ومَن كان يرى أنّ خَلْطَ أموالهم بماله أزْيَدُ لهم، وصلح للقيام على أموالهم، فيَرى أن يفعل ذلك بهم إن كان خيرًا لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٥ (٢٠٨٠).
١١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿قل إصلاح لهم خيرٌ﴾: يُصْلِح له مالَه، وأمره له خيرٌ، وإن يخالطه فيأكل معه، ويطعمه، ويرْكب راحلته، ويحمله، ويستخدم خادمه، ويخدمه، فهو أجودُ، ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٣، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٥ (عقب ٢٠٧٩) مختصرًا.
١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، يقول: مخالطتهم في ركوب الدّابَّة، وشُرْبِ اللبنِ، وخِدْمَةِ الخادم. يقول: الوَلِيُّ الذي يلي أمرَهم، فلا بأس عليه أن يركب الدابةَ، أو يشرب اللبن، أو يخدمه الخادمُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٠.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، يقول: ما كان لليتيم فيه صلاح فهو خيرٌ أن تفعلوه. ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ في المسكن، والطعام، والخدمة، وركوب الدابة ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾: فهم إخوانكم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٩.
١٤
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير﴾، يعني: الذين يَلُون أموال اليتامى. يقول: إصلاح اليتامى خير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٥ (٢٠٧٩).

نزول الآية

١٦ قولًا
١
عن عامر الشَّعْبِيِّ -من طريق أشْعَث- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿إنّ الذين يأكلونَ أموالَ اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسَيصْلونَ سعيرًا﴾ قال: فاجتنب الناسُ الأيتامَ، فجعل الرجلُ يَعْزِل طعامَه من طعامه، ومالَه من ماله، وشرابَه من شرابه. قال: فاشْتَدَّ ذلك على الناس؛ فنزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾. قال الشَّعْبِيُّ: فمَن خالط يتيمًا فلْيَتَوَسَّع عليه، ومَن خالطه ليأكل مِن ماله فلا يفعل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠١.
٢
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- أنّه سأله عن قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. قال: لَمّا نزلت سورة النساء عَزَل الناسُ طعامَهم، فلم يُخالِطُوهم. قال: ثُمَّ جاءوا إلى النبي ﷺ، فقالوا: إنّا يَشُقُّ علينا أن نعزِل طعام اليتامى وهم يأكلون معنا. فنزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٢.
٣
عن عطاء قال: لَمّا نزل في اليتامى ما نزل اجْتَنَبهم الناس، فلم يُؤاكِلوهم، ولم يُشارِبوهم، ولم يُخالِطوهم؛ فأنزَل الله: ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ الآية. فخالَطَهم الناسُ في الطعام، وفيما سوى ذلك١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ الآية، قال: كان أُنزِل قبل ذلك في سورة بني إسرائيل: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء:٣٤]، فكانوا لا يُخالِطونهم في مَطْعَمٍ ولا غيرِه، فاشْتَدَّ ذلك عليهم؛ فأنزَل اللهُ الرخصةَ: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٠، والنحاس ص٥٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن الأنباري. كما أخرج نحوه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٣٧٧، وابن جرير ٣‏/‏٧٠٠ من طريق مَعْمَر. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٢١-.
٥
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾، قال: كانت العربُ يُشَدِّدون في اليتيم، حتى لا يأكلوا معه في قَصْعَةٍ واحدة، ولا يركبوا له بعيرًا، ولا يستخدموا له خادمًا، فجاءوا إلى النبي ﷺ، فسألوه عنه. فقال: ﴿قل إصلاح لهم خيرٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٣.
٦
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم﴾ الآية، قال: فذُكِر لنا -والله أعلمُ-: أنه أُنزِل في بني إسرائيل: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الإسراء:٣٤]، فكبُرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في طعام ولا شراب ولا غير ذلك، فاشْتَدَّ ذلك عليهم؛ فأنزل الله الرخصةَ، فقال: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٠.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾، وذلك أنّ الله عز وجل أنزَل في أموال اليتامى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. فلَمّا نزلت هذه الآيةُ أشفق المسلمون من خُلْطَة اليتامى، فعَزَلُوا بيتَ اليتيم وطعامَه وخُدّامه على حِدَةٍ؛ مخافة العُذْرِ، فشَقَّ ذلك على المسلمين وعلى اليتامى اعتزالهم، فقال ثابت بن رِفاعَة للنبي ﷺ: قد سمِعْنا ما أنزل الله عز وجل في اليتامى فعَزَلْناهم والذي لهم، وعزَلْنا الذي لنا، فشَقَّ ذلك علينا وعليهم، وليس كلُّنا يَجِدُ سَعَةً في عَزْلِ اليتيمِ وطعامِه وخادمِه، فهل يصلح لنا خُلْطَتُهم، فيكون البيتُ والطعامُ [واحدًا] والخدمةُ وركوبُ الدّابَّةِ، ولا نَرْزَأَهُم شيئًا إلّا أن نعود عليهم بأفضل منه. فأنزل الله عز وجل فى قول ثابت بن رِفاعَة الأنصارى: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٨-١٨٩.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لَمّا أنزل الله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء:٣٤]، و﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾ [النساء:١٠] الآيتين؛ انطَلَق مَن كان عنده يتيمٌ، فعَزَلَ طعامَه من طعامِه، وشرابَه مِن شرابِه، فجعل يَفْضُلُ له الشيء من طعامه، فيجلس له حتى يأكله، أو يفسد فيُرْمى به، فاشْتَدَّ عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. فخلطوا طعامَهم بطعامهم، وشرابَهم بشرابهم١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٤‏/‏٤٩٣ (٢٨٧١)، والنسائي ٦‏/‏٢٥٦ (٣٦٦٩، ٣٦٧٠)، والحاكم ٢‏/‏١١٣ (٢٤٩٩)، ٢‏/‏٣٣١ (٣١٨٤)، ٢‏/‏٣٤٨ (٣٢٣٩)، وابن جرير ٣‏/‏٦٩٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٥ (٢٠٨١)، ٣‏/‏٨٧٨ (٤٨٧٩)، من طريق إسرائيل وجرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه».
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في الآية، قال: إنّ الله لَمّا أنزل: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية [النساء:١٠]؛ كَرِه المسلمون أن يَضُمُّوا اليتامى، وتَحَرَّجُوا أن يُخالِطُوهم في شيء، فسألوا رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه القاسم بن سلام في ناسخه ١‏/‏٢٣٨ (٤٣٧)، والطبراني في الكبير ١٢‏/‏٢٥١ (١٣٠٢٠)، وابن جرير ٣‏/‏٧٠١-٧٠٢، وابن المنذر ٢‏/‏٥٨٦-٥٨٧ (١٤٣٠). إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خيرٌ﴾ إلى ﴿إن الله عزيز حكيم﴾، وإنّ الناس كانوا إذا كان في حِجْر أحدهمِ اليتيمُ جَعَل طعامَه على ناحِيَةٍ، ولبنَه على ناحية؛ مَخافَة الوِزْرِ، وإنّه أصاب المؤمنين الجَهْد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خَدَمًا لليتامى؛ فقال الله: ﴿قل إصلاحٌ لهم خير وإن تخالطوهم﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٣-٧٠٤. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١١
عن الحكم، قال: سُئِل عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن مال اليتيم. فقال: لَمّا نزلت: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ [الإسراء:٣٤]؛ اجْتُنِبَت مخالطتُهم، واتَّقَوْا كُلَّ شيء، حتى اتَّقَوُا الماءَ، فلمّا نزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، قال: فخالطُوهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٠.
١٢
عن سعيد بن جبير-من طريق سالم الأَفْطَس- قال: لَمّا نزلت: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ عزلوا أموالَهم من أموالِهم، فنزلت: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ إلى آخر الآية، قال: فخَلَطوا أموالَهم بأموالِهم١
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري في تفسيره ص٩١، والواحديُّ في أسباب النزول (ت: الفحل) ص١٨٦ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بلفظ: لَمّا نزلت: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية أمْسَك الناسُ، فلم يُخالِطوا الأيْتامَ في الطعامِ والأموال، حتى نزلت: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ الآية.
١٣
عن سعيد بن جبير، قال: كان أهلُ البيت يكونُ عندَهم الأيتامُ في حُجورِهم، فيكونُ لليتيم الصِّرْمَةُ١ مِن الغَنَم، ويكون الخادمُ لأهل البيت، فيَبْعَثون خادمَهم فيَرْعى غنمَ الأيتام، أو يكونُ لأهل اليتيم الصِّرْمةُ مِن الغنم، ويكون الخادمُ للأيتام، فيَبْعَثون خادمَ الأيتام فيَرْعى غنمَهم، فإذا كان الرِّسْلُ٢ وضَعوا أيديَهم جميعًا، أو يكونُ الطعام للأيتام، ويكون الخادمُ لأهل البيت، فيَأْمُرون خادمَهم فيصنع الطعام، ويكون الطعام لأهل البيت، ويكون الخادم للأيتام، فيَأْمُرون خادمَ الأيتام أن يصنعَ الطعام، فيَضَعون أيديَهم جميعًا. فلمّا نزَلت هذه الآية: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية [النساء:١٠]؛ قالوا: هذه مُوجِبةٌ. فاعْتَزَلُوهم، وفرَّقوا ما كان مِن خِلْطَتِهم، فشقَّ ذلك عليهم، فشَكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: إنّ الغنمَ قد بَقِيَت ليس لها راعٍ، والطعام ليس له مَن يَصْنَعُه. فقال: «قد سمِع اللهُ قولَكم، فإن شاء أجابكم». فنزلت هذه الآية: ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾، ونزلت أيضًا: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية [النساء:٣]، فقُصِروا على أربع. فقال: كما خَشِيتُم ألّا تُقْسِطوا في اليتامى، وتحَرَّجْتُم مِن مُخالَطَتِهم، حتى سأَلْتُم عنها؛ فهَلّا سأَلْتُم عن العدلِ في جَمْعِ النساء٣
التخريج
  1. ١الصِّرْمَة: القطيع. لسان العرب (صرم).
  2. ٢الرِّسْلُ: اللبن، وأرسل القوم فهم مُرسِلون: كثر رِسْلهم، وصار لهم اللبن من مواشيهم. لسان العرب (رسل).
  3. ٣عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٤
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق حجاج، عن ابن جُرَيْج- قال: عَزَلُوا طعامَهم عن طعامهم، وألبانَهم عن ألبانهم، وأُدْمِهُم عن أُدْمِهِم، فشقّ ذلك عليهم؛ فنزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٢.
١٥
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن جُرَيْج- قال: َلَّما أنزلت آية الشِّدَّة التي في سورة النساء في اليتيم عَزَلُوا أموال اليتامى؛ فأُنزِلَت هذه الآية الأخرى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، قال مجاهد: الراعي، والأُدْم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١‏/‏١٤٨ (٣٤٩).
١٦
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾، قال: كانوا في الجاهلية يُعَظِّمون شأن اليتيم، فلا يَمَسُّون من أموالهم شيئًا، ولا يركبون لهم دابةً، ولا يَطْعَمُون لهم طعامًا، فأصابهم في الإسلام جَهْدٌ شديد، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى، فسألوا نبيَّ الله ﷺ عن شأنِ اليتامى وعن مُخالَطَتِهم؛ فأنزل الله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٠٤.

قراءات

قول واحد
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- أنّه قرأ: (وإن تُخالِطُوهُمْ فَإخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٦. وهي قراءة شاذة؛ لمخالفتها رسم المصاحف.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٢٠ من سورة البقرة

١٠ وقفات في هذه الآية

  • ( والله يعلم المُفسد من المُصلح ) النوايـا .. نقطة الافتراق بين المفسدين والمصلحين ، ولو خدعت الملايين !

    — عبدالله بلقاسم

  • "والله يعلم المفسد من المصلح" قد نستطيع تمرير أحقادنا بلغة المصلحين ونبرة الناصحين ، لكن الله يعلم عن حقيقة الباعث في قلوبنا.

    — عبدالله بلقاسم

  • إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر وإن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور والله يرى همومكم { واللهُ يعلم المفسد من المصلح }.

    — مالك بن دينار

  • مجالـس في تدبر القرآن

    — خالد السبت

  • (والله يعلم المفسد من المصلح) ربما نحاول أن تبدو تصرفاتنا بريئة لكن الله يعلم حقيقة النوايا . .

    — عبدالله بلقاسم

  • قوله {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} وفي آخر السورة {لعلكم تتفكرون} ومثله في الأنعام لأنه لما بين في الأول مفعول التفكر وهو قوله {في الدنيا والآخرة} حذفه مما بعده للعلم به وقيل في متعلقة بقوله {يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}.

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • آية (٢٢٠) : (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) * قال تعالى (إِصْلاَحٌ لَّهُمْ) ولم يقل إصلاحهم لئلا يظن الإنسان أنه ملزم بإصلاح ورعاية جسمه والعناية به وحسب ثم يهمل ما عداه، لا، فكافل اليتيم مأمور بإصلاح ذاته وروحه وعقيدته وخلقه وكل ما يتعلق به. فانظر إلى عظيم عناية الله تعالى ولطفه بعباده الضعفاء.

    — مختصر لمسات بيانية

  • لم قال تعالى (إصلاح لهم) ولم يقل إصلاحهم (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ (220) البقرة)؟ انظر إلى عظيم عناية الله تعالى ولطفه بعباده الضعفاء. يتجلّى هذا اللطف في قوله تعالى (إصلاح لهم) حيث قال (لهم) ولم يقل إصلاحهم لئلا يظن الإنسان أنه ملزم بإصلاح جسده ورعاية جسمه والعناية به وحسب ثم يهمل ما عداه، لا. فأنت أيها الكافل اليتيم مأمور بإصلاح ذاته وروحه وعقيدته وخلقه وكل ما يتعلق به.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • من أحكام القرآن أحكام آية 220

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • التفسير الفقهي سورة البقرة آية 220

    — سعد الشثري

فتاوى متعلقة بالآية ٢٢٠ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٢٠ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(220) To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال