بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ويسألونك عن اليتامى﴾، يقول : عن مخالطة اليتامى ؛ وذلك أنه لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠]، تركوا مخالطتهم فشق عليهم ذلك. وكان عند الرجل منهم يتيم، فجعل له بيتاً على حدة وطعاماً على حدة، ولا يخالطه بشيء من ماله. فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله، قد أنزل الله آية في أموال اليتامى، ما قد أنزل من الشدة فعزلناهم على حدة. أفيصلح لنا أن نخالطهم ؟ فنزلت هذه الآية :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى﴾، أي عن مخالطة اليتامى. ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾. يقول : أي لمالهم خير من ترك مخالطتهم. ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ﴾، أي تشاركوهم في النفقة والخدمة والدابة، ﴿فَإِخوَانُكُمْ﴾ في الدين. ويقال : الامتناع منه خير وإن تخالطوهم فهم إخوانكم. ﴿والله يَعْلَمُ المفسد﴾ لمال اليتيم ﴿مِنَ المصلح﴾ بماله، يعني لا بأس بالخلطة، وإذا قصدت به الإصلاح ولم تقصد به الإضرار به.
ثم قال :﴿وَلَوْ شَاء الله لأعْنَتَكُمْ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال القتبي : ولو شاء الله، لضيق عليكم ولشدد عليكم، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم. وقال الزجاج :﴿لأعْنَتَكُمْ﴾، معناه لأهلككم. وأصل العنت في اللغة من قول العرب : عنت البعير، إذا انكسرت رجله وحقيقته ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم. وقال الكلبي ﴿وَلَوْ شَاء الله لأعْنَتَكُمْ﴾ في مخالطتهم فجعلها حراماً. ﴿إنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقد ذكرناها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى