تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
العنت: المشقة. لأعنتكم: لأوقعكم في مشقة.
ويسألونك يا محمد بشأن اليتامى وما يوجبه الإسلام حيالهم، فقل: الخير لكم وهلم في اصلاحهم، فضموهم إلى بيوتكم، وخالطوهم بقصد إلاصلاح، فهو إخوانكم. ان اليتيم طفل فقد أباه، والعائلَ الذي يرعاه، فما أحوجه الى عناية رؤوم تنتشلُه وتجعل له متنفّساً يسرّي به عن نفسه! وما أحوجه الى تشريع حيكم، ووصية من رب رحيم تحفظ عليه نفسه، وله مالَه، وتعدّه كي يكون رجلاً عاملا في الحياة.
ولقد كان بعض الأوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم، وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جيمعا، وكان الغبن يقع أحيانا على اليتامى، فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام. مثل ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وآية ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى﴾ [النساء: ٩]. عندئذ تحرّج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتامى عن طعامهم، فكان الرجل يكون في حجره اليتيم، يقدِّم له الطعام من ماله فأذأ فضّل شيء منه بقي له حتى يعاود، أو يفسد فيُطرح. وهذا تشدد ليس من طبيعة الاسلام، فجاء القرآن هنا ليرد المسلمين الى الاعتدال واليسر. فالاصطلاح لليتامى خير من اعزالهم، والمخالطة لا حرج فيها إذا حققت الخير لليتيم. والله يعلم المفسد من المصلح، فليس المعوَّل عليه هو ظاهر العمل وشكله، بل النيَّةُ فيه وثمرته. ولو شاء الله لشقَّ عليكم فألزمكم رعاية اليتامى من غير ان تخالطوهم لكنهم اذ ذاك ينشأون على بغض الجماعة.
ويكون ذلك أفسادا لجماعتكم وإعناتاً لكم.. والله لا يريد إحراج المسلمين ولا المشقة عليهم فيما يكلفهم. وهو عزيز غالب على امره، حكيم لا يشرّع الا ما فيه مصلحتكم.
والحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الانفاق، بالسؤال عن الخمر والميسر، ان السؤالين الأولين بيّنا حال طائفتين من الناس في بذلهم وانفقاهم، فناسبَ ان يذكر بعدها السؤال عن طائفة هي أحق الناس للإنفاق عليها، وإصلاح شؤونها، وهم اليتامى. وكأن الله تعالى يذكّرها بأنه حين مخالطتهم واصلاح أمورهم يجب ان تكون النفقة من العفو الزائد على حاجتنا من أموالنا، ولا ينبغي ان نعكس ذلك ونطمع في أموالهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى