الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿فِى الدنيا والأخرة﴾ إمّا أن يتعلق بتتفكرون، فيكون المعنى : لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين ؛ فتأخذون بما هو أصلح لكم ؛ كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، أوتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله :﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا. حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم.
وإمّا أن يتعلق ﴿يبين﴾ على معنى : يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون، لما نزلت ﴿إِنَّ الذى يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] اعتزلوا اليتامى وتحاموهم وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم، فشق ذلك عليهم وكاد يوقعهم في الحرج. فقيل ﴿إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ﴾ وتعاشروهم ولم تجانبوهم ﴿ف﴾ هم ﴿إخوانكم ْ﴾ في الدين، ومن حق الأخ أن يخالط أخاه، وقد حملت المخالطة على المصاهرة ﴿والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾ أي لا يخفى على الله من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح ﴿وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم. وقرأ طاوس :«قل إصلاح إليهم ». ومعناه إيصال الصلاح وقرىء :«لعنتكم »، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وكذلك ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ﴿إنالله عَزِيزٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يكلف إلا ما تتسع فيه طاقتهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى