البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الخلط : مزج الشيء بالشيء، وخالط فاعل منه، والخلط الشيء المخلوط : كالرغي.
الإِخوان : جمع أخ، والأخ معروف، وهو من ولده أبوك وأمك، أو أحدهما، وجمع فعل على فعلان لا ينقاس.
العنت : المشقة، ومنه عنت الغربة، وعقبة عنوت شاقة المصعد، وعنت البعير انكسر بعد جبر.
و ﴿في الدنيا والآخرة﴾ الأحسن أن يكون ظرفاً للتفكر ومتعلقاً به، ويكون توضيح الآيات لرجاء التفكر في أمر الدنيا والآخرة مطلقاً، لا بالنسبة إلى شيء مخصوص من أحوالها، بل ليحصل التفكر فيما يعنّ من أمرهما، وهذا ذكر معناه أولاً الزمخشري فقال : تتفكرون فيما يتعلق بالدارين، فتأخذون بما هو أصلح لكم، وقيل : تتفكرون في أوامر الله ونواهيه، وتستدركون طاعته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، وقال المفضل بن سلمة : تتفكرون في أمر النفقة في الدنيا والآخرة، فتمسكون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى، وقيل : تتفكرون في زوال الدنيا وبقاء الآخرة، فتعملون للباقي منهما.
قال معناه ابن عباس والزمخشري، وقيل : تتفكرون في منافع الخمر في الدنيا، ومضارها في الآخرة، فلا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب المستمر، وقال قريباً منه الزمخشري، تتفكرون في الدنيا فتمسكون، وفي الآخرة فتتصدّقون.
وجوّزوا أن يكون، في الدنيا، متعلقاً بقوله : يبين لكم.
الآيات، لا : بتتفكرون، ويتعلق بلفظ : يبين، أي : يبين الله في الدنيا والآخرة.
وروي هذا عن الحسن.
ولا بد من تأويل على هذا إن كان التبيين للآيات يقع في الدنيا، فيكون التقدير في أمر الدنيا والآخرة، وإن كان يقع فيهما، فلا يحتاج إلى تأويل، لأن الآيات، وهي : العلامات يظهرها الله تعالى في الدنيا والآخرة.
وجعل بعضهم هذا القول من باب التقديم والتأخير، إذ تقديره عنده : كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون.
وقال : ويمكن الحمل على ظاهر الكلام لتعلق : في الدنيا والآخرة، بتتفكرون، ففرض التقديم والتأخير، على ما قاله الحسن، يكون عدولاً عن الظاهر لا الدليل، وإنه لا يجوز، وليس هذا من باب التقديم والتأخير، لأن : لعل، هنا جارية مجرى التعليل، فهي كالمتعلقة : بيبين، وإذا كانت كذلك فهي والظرف من مطلوب : يبين، وتقدّم أحد المطلوبين، وتأخر الآخر، لا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير.
ويحتمل أن تكون : لعلكم تتفكرون، جملة اعتراضية، فلا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير، لأن شرط جملة الإعتراض أن تكون فاصلة بين متقاضيين.
قال ابن عطية، وقال مكي : معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة، يدل عليهما وعلى منزلتهما، لعلكم تتفكرون في تلك الآيات.
قال ابن عطية : فقوله : في الدنيا، متعلق على هذا التأويل : بالآيات، انتهى كلامه.
وشرح مكي الآية بأن جعل الآيات منكرة، حتى يجعل الظرفين صفة للآيات، والمعنى عنده : آيات كائنة في الدنيا والآخرة، وهو شرح معنى لا شرح إعراب، وما ذكره ابن عطية من أنه متعلق على هذا التأويل بالآيات ؛ إن عنى ظاهر ما يريده النحاة بالتعلق فهو فاسد، لأن الآيات لا يتعلق بها جار ومجرور، ولا تعمل في شيء البتة، وإن عنى أنه يكون الظرف من تمام الآيات، وذلك لا يتأتى إلاَّ باعتقاد أن تكون في موضع الحال، أي : كائنة في الدنيا والآخرة، ولذلك فسره مكي بما يقتضي أن تكون صفة، إذ قدّر الآيات منكرة، والحال والصفة سواء في أن العامل فيهما محذوف إذا كانا ظرفين أو مجرورين، فعلى هذا تكون : في الدنيا، متعلقاً بمحذوف لا بالآيات، وعلى رأي الكوفيين، تكون الآيات موصولاً وصل بالظرف ؛ ولتقرير مذهبهم ورده موضع غير هذا.
﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ : سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يتحرجون من مخالطة اليتامى في مأكل ومشرب وغيرهما، ويتجنبون أموالهم، قاله الضحاك، والسدي.
وقيل : لما نزلت ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾ تجنبوا اليتامى وأموالهم، وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت، قاله ابن عباس، وابن المسيب.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر، وكان تركهما مدعاة إلى تنمية المال، وذكر السؤال عن النفقة، وأجيبوا بأنهم ينفقون ما سهل عليهم، ناسب ذلك النظر في حال اليتيم، وحفظ ماله، وتنميته، وإصلاح اليتيم بالنظر في تربيته، فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوالهم أنفسهم، وفي النظر في حال اليتامى إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه، فيكون قد جمعوا بين النفع لأنفسهم ولغيرهم.
والظاهر أن السائل جمع الإثنين بواو الجمع وهي للجمع به وقيل به.
وقال مقاتل : السائل ثابت بن رفاعة الأنصاري، وقيل : عبد الله بن رواحة، وقيل : السائل من كان بحضرة النبي ﷺ من المؤمنين، فإن العرب كانت تتشاءم بخلط أموال اليتامى بأموالهم، فأعلم تعالى المؤمنين أنما كانت مخالطتهم مشؤومة لتصرفهم في أموالهم تصرفاً غير سديد، كانوا يضعون الهزيلة مكان السمينة، ويعوضون التافه عن النفيس، فقال تعالى :﴿قل إصلاح لهم خير﴾ الإصلاح لليتيم يتناول إصلاحه بالتعليم والتأديب، وإصلاح ماله بالتنمية والحفظ.
وإصلاح : مبتدأ وهو نكرة، ومسوغ جواز الابتداء بالنكرة هنا هو التقييد بالمجرور الذي هو : لهم، فإما أن يكون على سبيل الوصف، أو على سبيل المعمول للمصدر، و : خير، خبر عن إصلاح، وإصلاح كما ذكرنا مصدر حذف فاعله، فيكون : خير، شاملاً للإصلاح المتعلق بالفاعل والمفعول، فتكون الخيرية للجانبين معاً، أي إن إصلاحهم لليتامى خير للمصلح والمصلح، فيتناول حال اليتيم، والكفيل، وقيل : خير للولي، والمعنى : إصلاحه من غير عوض ولا أجرة خير له وأعظم أجراً، وقيل : خير، عائد لليتيم، أي : إصلاح الولي لليتيم، ومخالطته له، خير لليتيم من إعراض الولي عنه، وتفرده عنه، ولفظ : خير، مطلق فتخصيصه بأحد الجانبين يحتاج إلى مرجح، والحمل على الإطلاق أحسن.
وقرأ طاووس : قل إصلاح إليهم، أي : في رعاية المال وغيره خير من تحرجكم، أو خير في الثواب من إصلاح أموالكم.
﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ هذا التفات من غيبة إلى خطاب لأن قبله و : يسألونك، فالواو ضمير للغائب، وحكمة هذا الالتفات ما في الإقبال بالخطاب على المخاطب ليتهيأ لسماع ما يلقى إليه وقبوله والتحرز فيه، فالواو ضمير الكفلاء، وهم ضمير اليتامى، والمعنى : أنهم إخوانكم في الدين، فينبغي أن تنظروا لهم كما تنظرون لإخوانكم من النسب من الشفقة والتلطف والإصلاح لذواتهم وأموالهم.
والمخالطة مفاعلة من الخلط وهو الامتزاج، والمعنى : في المأكل، فتجعل نفقة اليتيم مع نفقة عياله بالتحري، إذ يشق عليه إفراده وحده بطعامه، فلا يجد بداً من خلطه بماله لعياله، فجاءت الآية بالرخصة في ذلك، قاله أبو عبيد.
أو : المشاركة في الأموال والمتاجرة لهم فيها، فتتناولون من الربح ما يختص بكم، وتتركون لهم ما يختص بهم.
أو : المصاهرة فإن كان اليتيم غلاماً زوجه ابنته، أو جارية زوجها ابنه، ورجح هذا القول بأن هذا خلطة لليتيم نفسه، والشركة خلطة لماله، ولأن الشركة داخلة في قوله :﴿قل إصلاح له خير﴾ ولم يدخل فيه الخلط من جهة النكاح، فحمله على هذا الخلط أقرب.
وبقوله : فإخوانكم في الدين، فإن اليتيم إذا كان من أولاد الكفار وجب أن يتحرى صلاح ماله كما يتحرى في المسلم، فوجب أن تكون الإشارة بقوله : فإخوانكم، إلى نوع آخر من المخالطة، وبقوله بعد : ولا تنكحوا المشركات، فكأن المعنى : إن المخالطة المندوب إليها في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام.
أو الشرب من لبنه وشربه من لبنك، وأكلك في قصعته وأكله في قصعتك، قاله ابن عباس.
أو : خلط المال بالمال في النفقة والمطعم والمسكن والخدم والدواب، فيتناولون من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم، بقدر ما يكون أجرة مثل ذلك في العمل، والقائلون بهذا منهم من جوّز له ذلك، سواء كان القيم غنياً أو فقيراً، ومنهم من قال : إذا كان غنياً لم يأكل من ماله.
أو : المضاربة التي يحصل بها تنمية أموالهم.
والذي يظهر أن المخالطة لم تقيد بشيء لم يقل في كذا فتحمل على أي : مخالطة كانت مما فيه إصلاح لليتيم، ولذلك قال : فإخوانكم، أي : تنظرون لهم نظركم إلى إخوانكم مما فيه إصلاحهم.
وقد اكتنف هذه المخالطة الإصلاح قبل وبعد، فقبل بقوله :﴿قل إصلاح له خير﴾ وبعد بقوله :﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ فالأولى أن يراد بالمخالطة ما فيه إصلاح لليتيم بأي طريق كان، من مخالطة في مطعم أو مسكن أو متاجرة أو مشاركة أو مضاربة أو مصاهرة أو غير ذلك.
وجواب الشرط : فإخوانكم، وهو خبر مبتدأ محذوف أي : فهم إخوانكم، وقرأ أبو مجلز : فإخوانكم على إضمار فعل التقدير : فتخالطون إخوانكم، وجاء جواب السؤال بجملتين : إحداهما : منعقدة من مبتدأ وخبر ؛ والثانية : من شرط وجزاء.
فالأولى : تتضمن إصلاح اليتامى وأنه خير، وأبرزت ثبوتية منكراً مبتدأها ليدل على تناوله كل إصلاح على طريق البدلية، ولو أضيف لعم، أو لكان معهوداً في إصلاح خاص، فالعموم لا يمكن وقوعه، والمعهود لا يتناول غيره، فلذلك جاء التنكير الدال على عموم البدل، وأخبر عنه : بخير، الدال على تحصيل الثواب، ليبادر المسلم إلى فعل ما فيه الخير طلباً لثواب الله تعالى.
وأبرزت الثانية : شرطية لأنها أتت لجواز الوقوع لا لطلبه وندبته.
ودل الجواب الأول على ضروب من الأحكام مما فيه مصلحة اليتيم، لجواز تعليمه أمر دين وأدب، والاستيجار له على ذلك، وكالإنفاق عليه من ماله، وقبول ما يوهب له، وتزويجه ومؤاجرته، وبيعه ماله لليتيم، وتصرفه في ماله بالبيع والشراء، وفي عمله فيه بنفسه مضاربة، ودفعه إلى غيره مضاربة، وغير ذلك من التصرفات المنوطة بالإصلاح.
ودل الجواب الثاني على جواز مخالطة اليتامى بما فيه إصلاح لهم، فيخلطه بنفسه في مناكحه وماله بماله في مؤونة وتجارة وغيرهما.
قيل : وقد انتظمت الآية على جواز المخالطة، فدلت على جواز المناهدة التي يفعلها المسافرون في الأسفار، وهي أن يخرج هذا شيئاً من ماله، وهذا شيئاً من ماله فيخلط وينفق ويأكل الناس، وإن اختلف مقدار ما يأكلون، وإذا أبيح لك في مال اليتيم فهو في مال البالغ بطيب نفسه أجوز.
ونظير جواز المناهدة قصة أهل الكهف :﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ الآية، وقد اختلف في بعض الأحكام التي قدمناها، فمن ذلك : شراء الوصي من مال اليتيم، والمضاربة فيه، وإنكاح الوصي بيتيمته من نفسه، وإنكاح اليتيم لابنته، وهذا مذكور في كتب الفقه.
قيل : وجعلهم إخواناً لوجهين : أحدهما : أخوة الدين، والثاني : لانتفاعهم بهم، إما في الثواب من الله تعالى وإما بما يأخذونه من أجرة عملهم في أموالهم، وكل من نفعك فهو أخوك.
وقال الباقر لشخص : رأيتك في قوم لم أعرفهم، فقال : هم إخواني، فقال : أفيهم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى