غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿إثم كبير﴾ بالثاء المثلثة : حمزة وعلي. الباقون : بالباء. ﴿قل العفو﴾ بالرفع أبو عمرو. الباقون : بالنصب. ﴿لأعنتكم﴾ بغير همز : روى أبو ربيعة عن أصحابه. وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل الكلمة.
الوقوف :﴿والميسر﴾ ط ﴿للناس﴾ ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيهاً على أن بيان الثانية أهم من الأولى ﴿من نفعهما﴾ ط ﴿ينفقون﴾ ط ﴿العفو﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ لا لتعلق الجار. ﴿والآخرة﴾ ط ﴿اليتامى﴾ ط ﴿خير﴾ ط ﴿فإخوانكم﴾ ط ﴿المصلح﴾ ط ﴿لأعنتكم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿يؤمنّ﴾ ط لأجل لام الابتداء بعده ﴿أعجبتكم﴾ ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان ﴿يؤمنوا﴾ ط ﴿أعجبكم﴾ ط ﴿إلى النار﴾ ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل ﴿بإذنه﴾ ج لأن جملة " والله يدعو " تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله ﴿ويبين آياته﴾ من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل ﴿يتذكرون﴾ ( ه ).
الحكم الخامس :﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ [النساء: ١٠] عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت. وعنه عن ابن عباس قال : لما أنزل الله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾
[الأنعام: ١٥٢] وقوله ﴿إن الذين يأكلون﴾ [النساء: ١٠] نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت. ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي. أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه. وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل : الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً، وقيل : عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه. ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ أي فهم إخوانكم في الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز. قيل : المراد وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة. وقيل : المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ذلك العمل، وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى تفسير قوله تعالى ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] وقيل : المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله. وأيضاً الشركة داخلة في قوله ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب.
وأيضاً إنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ﴾ فكان المعنى إن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك ﴿والله يعلم المفسد﴾ لأمورهم ﴿من المصلح﴾ لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح فيجاوزيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال : أنا المتكفل بالحقيقة لأمر اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر. ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم. وعن ابن عباس : لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها، أو يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده. وقد يستدل بالآية على أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعانات ما جاز أن يقول " ولو شاء لأعنت " ولهذا قال :﴿إن الله عزيز﴾ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه ﴿حكيم﴾ لا يكلف إلا ما يتسع فيه طاقتهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها. وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط التكليف فلهذا حرمت في عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه ﴿ومنافع للناس﴾ وملاذ لأهل القرب والاستئناس.
قوم أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي.
الكأس والشراب والساقي و المسقي ههنا واحد كما قيل :
وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية. أما الميسر فإثمه كبير عند الأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين في فردانية نقش الكعبتين. ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، والعوام أكثر من الخواص. وبعبارة أخرى الإثم في الخمر الظاهر والميسر الظاهر، والنفع في الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل الباطن والله أعلم.
الوقوف :﴿والميسر﴾ ط ﴿للناس﴾ ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيهاً على أن بيان الثانية أهم من الأولى ﴿من نفعهما﴾ ط ﴿ينفقون﴾ ط ﴿العفو﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ لا لتعلق الجار. ﴿والآخرة﴾ ط ﴿اليتامى﴾ ط ﴿خير﴾ ط ﴿فإخوانكم﴾ ط ﴿المصلح﴾ ط ﴿لأعنتكم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿يؤمنّ﴾ ط لأجل لام الابتداء بعده ﴿أعجبتكم﴾ ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان ﴿يؤمنوا﴾ ط ﴿أعجبكم﴾ ط ﴿إلى النار﴾ ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل ﴿بإذنه﴾ ج لأن جملة " والله يدعو " تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله ﴿ويبين آياته﴾ من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل ﴿يتذكرون﴾ ( ه ).
الحكم الخامس :﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ [النساء: ١٠] عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت. وعنه عن ابن عباس قال : لما أنزل الله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾
[الأنعام: ١٥٢] وقوله ﴿إن الذين يأكلون﴾ [النساء: ١٠] نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت. ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي. أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه. وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل : الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً، وقيل : عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه. ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ أي فهم إخوانكم في الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز. قيل : المراد وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة. وقيل : المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ذلك العمل، وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى تفسير قوله تعالى ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] وقيل : المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله. وأيضاً الشركة داخلة في قوله ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب.
وأيضاً إنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ﴾ فكان المعنى إن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك ﴿والله يعلم المفسد﴾ لأمورهم ﴿من المصلح﴾ لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح فيجاوزيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال : أنا المتكفل بالحقيقة لأمر اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر. ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم. وعن ابن عباس : لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها، أو يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده. وقد يستدل بالآية على أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعانات ما جاز أن يقول " ولو شاء لأعنت " ولهذا قال :﴿إن الله عزيز﴾ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه ﴿حكيم﴾ لا يكلف إلا ما يتسع فيه طاقتهم.
| فصحوك من لفظي هو الوصل كله | وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا |
| فمـا مـل سـاقيهـا ومـا مـل شـارب | عقـار لحـاظ كـأسـه يسـكـر اللبـا |
| فـأسـكـر القـوم دور كـأس | وكـان سـكـري مـن المـديـر |
| رق الـزجـاج وراقـت الخمـر | فتشـابهـا وتشـاكـل الأمـر |
| فكـأنمـا خمـر ولا قـدح | وكـأنمـا قـدح ولا خمـر |