تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يا أيها الناس اعبدوا ربكم. . . ) الآية، قال ابن عباس : كل ما ورد في القرآن من قوله ( يا أيها الناس ) فإنما نزل بمكة، وكل ما ورد من قوله :( يا أيها الذين آمنوا ) فإنما نزل بالمدينة.
وقوله :( يا أيها الناس ) يعنى : يا هؤلاء الناس. وهذا وإن عمت صيغته ولكن دخله الخصوص ؛ فإنه لا يتناول الصغار والمجانين. ( اعبدوا ) أي : وحدوا.
قال ابن عباس : كل ما ورد في القرآن من العبادة فهو بمعنى التوحيد، وكل ما ورد في القرآن من التسبيح والسبحة فهو بمعنى الصلاة.
وقوله :( اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) أي : وحدوا الله الذي خلقكم. وإنما خاطبهم به ؛ لأن الكفار مُقِرّون أن الله خالقهم، والخلق : هو اختراع الشيء على غير مثال سبق.
( والذين من قبلكم ) أي : وخلق الذين من قبلكم. فإن قيل : أي فائدة في قوله :( والذين من قبلكم ) فإن من عرف أن الله خالقه فقد عرف أنه خالق غيره من قبله ؟ قيل : فائدته المبالغة في البيان، أو يقال : فائدته المبالغة في الدعوة، يعنى : إذا كان الله خالقكم وخالق من قبلكم فلا تعبدوا إلا إياه. وفيه إشارة لأنه خلق الأولين وأماتهم وابتلاهم في الدنيا والآخرة ؛ فأشار بهذا إلى أنى أفعل بكم ما فعلت بهم.
( لعلكم تتقون ) قيل معناه : لكي تتقوا، قاله أبو عبيدة، وقيل معناه : كونوا على رجاء التقوى. فإن قال قائل : التقوى [ هي ] (١) العبادة، فأي شيء معنى قوله : اعبدوا لكي تعبدوا ؟ قلنا معناه : اعبدوه وكونوا على حذر منه، وهذا دأب العابد أن يعبد الله ويكون على حذر منه. وقيل معناه : اعبدوه وكونوا على رجاء التقوى ؛ بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله تعالى، وحكم الله من ورائكم يفعل بكم ما يشاء ؛ وهذا مثل قوله تعالى :( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) (٢) أي : ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر والخشية منه. وحكم الله وراءه يفعل به ما يشاء.
١ - في "الأصل" : هو..
٢ - طه: ٤٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى