تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
استئناف ابتدائي ثني به العِنان إلى موعظة كل فريق من الفرق الأربع المتقدم ذكرها موعظة تليق بحاله بعد أن قضى حق وصف كل فريق منهم بخلاله، ومثلت حال كل فريق وضربت له أمثاله فإنه لما استوفى أحوالاً للمؤمنين وأضدادِهم من المشركين والمنافقين لا جرم تهيأ المقام لخطاب عمومهم بما ينفعهم إرشاداً لهم ورحمة بهم لأنه لا يرضى لهم الضلال ولم يكن ما ذكر آنفاً من سوء صنعهم حائلاً دون إعادة إرشادهم والإقبال عليهم بالخطاب ففيه تأنيس لأنفسهم بعد أن هددهم ولامهم وذم صنعهم ليعلموا أن الإغلاظ عليهم ليس إلا حرصاً على صلاحهم وأنه غني عنهم كما يفعله المربي الناصح حين يزجر أو يوبخ فيرى انكسار نفس مرباه فيجبر خاطره بكلمة لينة ليريه أنه إنما أساء إليه استصلاحاً وحباً لخيره فلم يترك من رحمته لخلقه حتى في حال عتوهم وضلالهم وفي حال حملهم إلى مصالحهم.
وبعد فهذا الاستئناس وجبر الخواطر يزداد به المحسنون إحساناً وينكف به المجرمون عن سوء صنعهم فيأخذ كل فريق من الذين ذكروا فيما سلف حظَّه منه. فالمقصود بالنداء من قوله :﴿يأيها الناس﴾ الإقبال على موعظة نبذ الشرك وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في الخطاب بيأيها الناس، وقرينة ذلك هنا قوله :﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٢] وافتتح الخطاب بالنداء تنويهاً به.
و ﴿يا﴾ حرف للنداء وهو أكثر حروف النداء استعمالاً فهو أصل حروف النداء ولذلك لا يقدر غيره عند حذف حرف النداء ولكونه أصلاً كان مشتركاً لنداء القريب والبعيد كما في « القاموس ». قال الرضي في « شرح الكافية » : إن استعمال يا في القريب والبعيد على السواء ودعوى المجاز في أحدهما أو التأويل خلافُ الأصل، وهو يريد بذلك الرد على الزمخشري إذ قال في « الكشاف » :« ويا حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة من سها أو غفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة من بعد » وكذلك فعل في كتاب « المفصل ».
و ( أيٌّ ) في الأصل نكرة تدل على فرد من جنس اسم يتصل بها بطريق الإضافة، نحو أيُّ رجل أو بطريق الإبدال نحو يأيها الرجل، ومنه ما في الاختصاص كقولك لجليسك أنا كفيت مهمك أيها الجالس عندك وقد ينادون المنادى باسم جنسه أو بوصفه لأنه طريق معرفته أو لأنه أشمل لإحضاره كما هنا فربما يؤتى بالمنادى حينئذٍ نكرة مقصودة أو غير مقصودة، وربما يأتون باسم الجنس أو الوصف معرفاً باللام الجنسية إشارة إلى تطرق التعريف إليه على الجملة تفنناً فجرى استعمالهم أن يأتوا حينئذٍ مع اللام باسم إشارة إغراقاً في تعريفه(١) ويفصلوا بين حرف النداء والاسم المنادى حينئذٍ بكلمة أيّ وهو تركيب غير جار على قياس اللغة ولعله من بقايا استعمال عتيق.
وقد اختصروا اسم الإشارة فأبقوا ( هَا ) التنبيهية وحذفوا اسم الإشارة، فأصل يأيها الناس يأيهؤلاء وقد صرحوا بذلك في بعض كلامهم كقول الشاعر الذي لا نعرفه :
* أيهذَانِ كُلا زاديكما *
وربما أرادوا نداء المجهول الحاضر الذات أيضاً بما يدل على طريق إحضاره من حالة قائمة به باعتبار كونه فرداً من جنس فتوصلوا لذلك باسم الموصول الدال على الحالة بصلته والدال على الجنسية لأن الموصول يأتي لما تأتي له اللام فيقحمون أيًّا كذلك نحو :﴿يأيها الذي نزل عليه الذكر﴾ [الحجر: ٦].
و ﴿الناس﴾ تقدم الكلام في اشتقاقه عند قوله تعالى :﴿ومن الناس﴾ [البقرة: ٨] وهو اسم جمع نودي هنا وعرف بأل يشمل كل أفراد مسماه لأن الجموع المعرفة باللام للعموم ما لم يتحقق عهد كما تقرر في الأصول واحتمالها العهد ضعيف إذ الشأن عهد الأفراد فلذلك كانت في العموم أنص من عموم المفرد المحلى بأل.
فإن نظرت إلى صورة الخطاب فهو إنما واجه به ناساً سامعين فعمومه لمن لم يحضر وقت سماع هذه الآية، ولمن سيوجد من بعد يكون بقرينة عموم التكليف وعدم قصد تخصيص الحاضرين وذلك أمر قد تواتر نقلاً ومعنى فلا جرم أن يعم الجميع من غير حاجة إلى القياس، وإن نظرت إلى أن هذا من أضرب الخطاب الذي لا يكون لمعين فيترك فيه التعيين ليعم كل من يصلح للمخاطبة بذلك وهذا شأن الخطاب الصادر من الدعاة والأمراء والمؤلفين في كتبهم من نحو قولهم يا قوم، ويا فتى، وأنتَ ترى، وبهذا تعلم، ونحو ذلك فما ظنك بخطاب الرسل وخطاب هو نازل من الله تعالى كان ذلك عاماً لكل من يشمله اللفظ من غير استعانة بدليل آخر. وهذا هو تحقيق المسألة التي يفرضها الأصوليون ويعبرون عنها بخطاب المشافهة والمواجهة هل يعم أم لا ؟ والجمهور وإن قالوا إنه يتناول الموجودين دون مَن بعدهم بناء على أن ذلك هو مقتضى المخاطبة حتى قال العضد إن إنكار ذلك مكابرة، وبحث فيه التفتزاني، فهم قالوا إن شمول الحكم لمن يأتي بعدهم هو مما تواتر من عموم البعثة وأن أحكامها شاملة للخلق في جميع العصور كما أشار إليه البيضاوي.
قلت : الظاهر أن خطابات التشريع ونحوها غير جارية على المعروف في توجه الخطاب في أصل اللغات لأن المشرع لا يقصد لفريق معين، وكذلك خطاب الخلفاء والولاة في الظهائر والتقاليد، فقرينة عدم قصد الحاضرين ثابتة واضحة، غاية ما في الباب أن تعلقه بالحاضرين تعلق أصلي إلزامي وتعلقه بالذين يأتون من بعد تعلق معنوي إعلامي على نحو ما تقرر في تعلق الأمر في علم أصول الفقه فنفرض مثلَه في توجه الخطاب.
والعبادة في الأصل التذلل والخضوع وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى :﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥] ولما كان التذلل والخضوع إنما يحصل عن صدق اليقين كان الإيمان بالله وتوحيده بالإلهية مبدأ العبادة لأن من أشرك مع المستحق ما ليس بمستحق فقد تباعد عن التذلل والخضوع له.
فالمخاطب بالأمر بالعبادة المشركون من العرب والدهريون منهم وأهل الكتاب والمؤمنون كل بما عليه من واجب العبادة من إثبات الخالق ومن توحيده، ومن الإيمان بالرسول، والإسلام للدين والامتثال لما شرعه إلى ما وراء ذلك كله حتى منتهى العبادة ولو بالدوام والمواظبة بالنسبة إلى الرسول ﷺ والمؤمنين معه فإنهم مشمولون للخطاب على ما تقرر في الأصول، فالمأمورية هو القدر المشترك حتى لا يلزم استعمال المشترك في معانيه عند من يأبى ذلك الاستعمال وإن كنا لا نأباه إذا صلح له السياق بدليل تفريع قوله بعد ذلك :﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ [البقرة: ٢٢] على قوله :﴿اعبدوا ربكم﴾ الآية. فليس في هذه الآية حجة للقول بخطاب الكفار بفروع الشريعة لأن الأمر بالعبادة بالنسبة إليهم إنما يُعنَى به الإيمان والتوحيد وتصديق الرسول، وخطابهم بذلك متفق عليه وهي مسألة سمجة.
وقد مضى القول في معنى الرب عند قوله تعالى :﴿الحمد لله رب العالمين﴾ في سورة الفاتحة ( ٢ ). ووجه العدول عن غير طريق الإضافة من طرق التعريف نحو العلمية إذ لم يقل اعبدوا الله، لأن في الإتيان بلفظ الرب إيذاناً بأحقية الأمر بعبادته فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة لأن فيها معنى الشكر وإظهار الاحتياج.
وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله، فإن المشركين وإن أشركوا مع الله آلهة إلا أن بعض القبائل كان لها مزيد اختصاص ببعض الأصنام، كما كان لثقيف مزيد اختصاص باللات كما تقدم في سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج كما سيأتي في تفسير قوله تعالى :﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾ [البقرة: ١٥٨] في هذه السورة فالعدول إلى الإضافة هنا لأنها أخصر طريق في الدلالة على هذا المقصد فهي أخصر من الموصُول فلو أريد غير الله لقيل اعبدوا أربابكم فلا جرم كان قوله :﴿اعبدوا ربكم﴾ صريحاً في أنه دعوة إلى توحيد الله ولذلك فقوله :﴿الذي خلقكم﴾ زيادة بيان لموجب العبادة، أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة.
وقوله :﴿والذين من قبلكم﴾ يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ﴿نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] فكان قوله :﴿والذين من قبلكم﴾ تذكيراً لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى. ولعل هذا هو وجه التأكيد بزيادة حرف ( من ) في قوله :﴿من قبلكم﴾ الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على ﴿قبلكم﴾، لأن ﴿من﴾ في الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول الموصوفين بالقبْلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع معنى التأكيد الغالب عليها إذا وقعت مع قبل وبعد.
والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه خلَق الأديمَ إذا هيأه ليقطعه ويخرزه، قال جبير في هرم بن سنان :
وأطلق الخلق في القرآن وكلام الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة فهو إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجاً لا صنعة فيه للبشر فإن إيجاد البشر بصنعتهم أشياء إنما هو تصويرها بتركيب متفرق أجزائها وتقدير مقادير مطلوبة منها كصانع الخزف فالخلق وإيجاد العوالم وأجناس الموجودات وأنواعها وتولد بعضها عن بعض بما أودعت الخلقة الإلهية فيها من نظام الإيجاد مثل تكوين الأجنة في الحيوان في بطونه وبيضه وتكوين الزرع في حبوب الزريعة وتكوين الماء في الأسحبة فذلك كله خلق وهو من تكوين الله تعالى ولا عبرة بما قد يقارن بعض ذلك الإيجاد من علاج الناس كالتزوج وإلقاء الحب والنوى في الأرض للإنبات، فالإيجاد الذي هو الإخراج من العدم إلى الوجود بدون عمل بشري خص باسم الخلق في اصطلاح الشرع، لأن لفظ الخلق هو أقرب الألفاظ في اللغة العربية دلالة على معنى الإيجاد من العدم الذي هو صفة الله تعالى وصار ذلك مدلول مادة خلق في اصطلاح أهل الإسلام فلذلك خص إطلاقه في لسان الإسلام بالله تعالى :﴿أفمن يخلُق كمن لا يخلُق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] وقال :﴿هل من خالق غير الله﴾ [فاطر: ٣] وخص اسم الخالق به تعالى فلا يطلق على غيره ولو أطلقه أحد على غير الله تعالى بناء على الحقيقة اللغوية لكان إطلاقه عجرفة فيجب أن ينبه على تركه.
وقال الغزالي في « المقصد الأسنى » : لا حظ للعبد في اسمه تعالى الخالق إلا بوجه من المجاز بعيد فإذا بلغ في سياسة نفسه وسياسة الخلق مبلغاً ينفرد فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم ( أي الخالق ) عليه مجازاً ا هـ. فجعل جواز إطلاق فعل الخلق على اختراع بعض العباد مشروطاً بهذه الحالة النادرة ومع ذلك جعله مجازاً بعيداً فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى عليه السلام :﴿إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله﴾ [آل عمران: ٤٩] وقول الله تعالى :﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني﴾ [المائدة: ١١٠] فإن ذلك مراعىً فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى. ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك قال الله تعالى :﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤].
وجملة :﴿لعلكم تتقون﴾ تعليل للأمر باعبدوا فلذلك فصلت، أي أمرتكم بعبادته لرجاء منكم أن تتقوا.
« ولعل » حرف يدل على الرجاء، والرجا
وبعد فهذا الاستئناس وجبر الخواطر يزداد به المحسنون إحساناً وينكف به المجرمون عن سوء صنعهم فيأخذ كل فريق من الذين ذكروا فيما سلف حظَّه منه. فالمقصود بالنداء من قوله :﴿يأيها الناس﴾ الإقبال على موعظة نبذ الشرك وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في الخطاب بيأيها الناس، وقرينة ذلك هنا قوله :﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٢] وافتتح الخطاب بالنداء تنويهاً به.
و ﴿يا﴾ حرف للنداء وهو أكثر حروف النداء استعمالاً فهو أصل حروف النداء ولذلك لا يقدر غيره عند حذف حرف النداء ولكونه أصلاً كان مشتركاً لنداء القريب والبعيد كما في « القاموس ». قال الرضي في « شرح الكافية » : إن استعمال يا في القريب والبعيد على السواء ودعوى المجاز في أحدهما أو التأويل خلافُ الأصل، وهو يريد بذلك الرد على الزمخشري إذ قال في « الكشاف » :« ويا حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة من سها أو غفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة من بعد » وكذلك فعل في كتاب « المفصل ».
و ( أيٌّ ) في الأصل نكرة تدل على فرد من جنس اسم يتصل بها بطريق الإضافة، نحو أيُّ رجل أو بطريق الإبدال نحو يأيها الرجل، ومنه ما في الاختصاص كقولك لجليسك أنا كفيت مهمك أيها الجالس عندك وقد ينادون المنادى باسم جنسه أو بوصفه لأنه طريق معرفته أو لأنه أشمل لإحضاره كما هنا فربما يؤتى بالمنادى حينئذٍ نكرة مقصودة أو غير مقصودة، وربما يأتون باسم الجنس أو الوصف معرفاً باللام الجنسية إشارة إلى تطرق التعريف إليه على الجملة تفنناً فجرى استعمالهم أن يأتوا حينئذٍ مع اللام باسم إشارة إغراقاً في تعريفه(١) ويفصلوا بين حرف النداء والاسم المنادى حينئذٍ بكلمة أيّ وهو تركيب غير جار على قياس اللغة ولعله من بقايا استعمال عتيق.
وقد اختصروا اسم الإشارة فأبقوا ( هَا ) التنبيهية وحذفوا اسم الإشارة، فأصل يأيها الناس يأيهؤلاء وقد صرحوا بذلك في بعض كلامهم كقول الشاعر الذي لا نعرفه :
* أيهذَانِ كُلا زاديكما *
وربما أرادوا نداء المجهول الحاضر الذات أيضاً بما يدل على طريق إحضاره من حالة قائمة به باعتبار كونه فرداً من جنس فتوصلوا لذلك باسم الموصول الدال على الحالة بصلته والدال على الجنسية لأن الموصول يأتي لما تأتي له اللام فيقحمون أيًّا كذلك نحو :﴿يأيها الذي نزل عليه الذكر﴾ [الحجر: ٦].
و ﴿الناس﴾ تقدم الكلام في اشتقاقه عند قوله تعالى :﴿ومن الناس﴾ [البقرة: ٨] وهو اسم جمع نودي هنا وعرف بأل يشمل كل أفراد مسماه لأن الجموع المعرفة باللام للعموم ما لم يتحقق عهد كما تقرر في الأصول واحتمالها العهد ضعيف إذ الشأن عهد الأفراد فلذلك كانت في العموم أنص من عموم المفرد المحلى بأل.
فإن نظرت إلى صورة الخطاب فهو إنما واجه به ناساً سامعين فعمومه لمن لم يحضر وقت سماع هذه الآية، ولمن سيوجد من بعد يكون بقرينة عموم التكليف وعدم قصد تخصيص الحاضرين وذلك أمر قد تواتر نقلاً ومعنى فلا جرم أن يعم الجميع من غير حاجة إلى القياس، وإن نظرت إلى أن هذا من أضرب الخطاب الذي لا يكون لمعين فيترك فيه التعيين ليعم كل من يصلح للمخاطبة بذلك وهذا شأن الخطاب الصادر من الدعاة والأمراء والمؤلفين في كتبهم من نحو قولهم يا قوم، ويا فتى، وأنتَ ترى، وبهذا تعلم، ونحو ذلك فما ظنك بخطاب الرسل وخطاب هو نازل من الله تعالى كان ذلك عاماً لكل من يشمله اللفظ من غير استعانة بدليل آخر. وهذا هو تحقيق المسألة التي يفرضها الأصوليون ويعبرون عنها بخطاب المشافهة والمواجهة هل يعم أم لا ؟ والجمهور وإن قالوا إنه يتناول الموجودين دون مَن بعدهم بناء على أن ذلك هو مقتضى المخاطبة حتى قال العضد إن إنكار ذلك مكابرة، وبحث فيه التفتزاني، فهم قالوا إن شمول الحكم لمن يأتي بعدهم هو مما تواتر من عموم البعثة وأن أحكامها شاملة للخلق في جميع العصور كما أشار إليه البيضاوي.
قلت : الظاهر أن خطابات التشريع ونحوها غير جارية على المعروف في توجه الخطاب في أصل اللغات لأن المشرع لا يقصد لفريق معين، وكذلك خطاب الخلفاء والولاة في الظهائر والتقاليد، فقرينة عدم قصد الحاضرين ثابتة واضحة، غاية ما في الباب أن تعلقه بالحاضرين تعلق أصلي إلزامي وتعلقه بالذين يأتون من بعد تعلق معنوي إعلامي على نحو ما تقرر في تعلق الأمر في علم أصول الفقه فنفرض مثلَه في توجه الخطاب.
والعبادة في الأصل التذلل والخضوع وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى :﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥] ولما كان التذلل والخضوع إنما يحصل عن صدق اليقين كان الإيمان بالله وتوحيده بالإلهية مبدأ العبادة لأن من أشرك مع المستحق ما ليس بمستحق فقد تباعد عن التذلل والخضوع له.
فالمخاطب بالأمر بالعبادة المشركون من العرب والدهريون منهم وأهل الكتاب والمؤمنون كل بما عليه من واجب العبادة من إثبات الخالق ومن توحيده، ومن الإيمان بالرسول، والإسلام للدين والامتثال لما شرعه إلى ما وراء ذلك كله حتى منتهى العبادة ولو بالدوام والمواظبة بالنسبة إلى الرسول ﷺ والمؤمنين معه فإنهم مشمولون للخطاب على ما تقرر في الأصول، فالمأمورية هو القدر المشترك حتى لا يلزم استعمال المشترك في معانيه عند من يأبى ذلك الاستعمال وإن كنا لا نأباه إذا صلح له السياق بدليل تفريع قوله بعد ذلك :﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ [البقرة: ٢٢] على قوله :﴿اعبدوا ربكم﴾ الآية. فليس في هذه الآية حجة للقول بخطاب الكفار بفروع الشريعة لأن الأمر بالعبادة بالنسبة إليهم إنما يُعنَى به الإيمان والتوحيد وتصديق الرسول، وخطابهم بذلك متفق عليه وهي مسألة سمجة.
وقد مضى القول في معنى الرب عند قوله تعالى :﴿الحمد لله رب العالمين﴾ في سورة الفاتحة ( ٢ ). ووجه العدول عن غير طريق الإضافة من طرق التعريف نحو العلمية إذ لم يقل اعبدوا الله، لأن في الإتيان بلفظ الرب إيذاناً بأحقية الأمر بعبادته فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة لأن فيها معنى الشكر وإظهار الاحتياج.
وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله، فإن المشركين وإن أشركوا مع الله آلهة إلا أن بعض القبائل كان لها مزيد اختصاص ببعض الأصنام، كما كان لثقيف مزيد اختصاص باللات كما تقدم في سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج كما سيأتي في تفسير قوله تعالى :﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾ [البقرة: ١٥٨] في هذه السورة فالعدول إلى الإضافة هنا لأنها أخصر طريق في الدلالة على هذا المقصد فهي أخصر من الموصُول فلو أريد غير الله لقيل اعبدوا أربابكم فلا جرم كان قوله :﴿اعبدوا ربكم﴾ صريحاً في أنه دعوة إلى توحيد الله ولذلك فقوله :﴿الذي خلقكم﴾ زيادة بيان لموجب العبادة، أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة.
وقوله :﴿والذين من قبلكم﴾ يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ﴿نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] فكان قوله :﴿والذين من قبلكم﴾ تذكيراً لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى. ولعل هذا هو وجه التأكيد بزيادة حرف ( من ) في قوله :﴿من قبلكم﴾ الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على ﴿قبلكم﴾، لأن ﴿من﴾ في الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول الموصوفين بالقبْلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع معنى التأكيد الغالب عليها إذا وقعت مع قبل وبعد.
والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه خلَق الأديمَ إذا هيأه ليقطعه ويخرزه، قال جبير في هرم بن سنان :
| ولأَنْتَ تفري ما خَلَقْتَ وبَعْ | ض القوم يَخْلقُ ثم لا يفري |
وقال الغزالي في « المقصد الأسنى » : لا حظ للعبد في اسمه تعالى الخالق إلا بوجه من المجاز بعيد فإذا بلغ في سياسة نفسه وسياسة الخلق مبلغاً ينفرد فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم ( أي الخالق ) عليه مجازاً ا هـ. فجعل جواز إطلاق فعل الخلق على اختراع بعض العباد مشروطاً بهذه الحالة النادرة ومع ذلك جعله مجازاً بعيداً فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى عليه السلام :﴿إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله﴾ [آل عمران: ٤٩] وقول الله تعالى :﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني﴾ [المائدة: ١١٠] فإن ذلك مراعىً فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى. ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك قال الله تعالى :﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤].
وجملة :﴿لعلكم تتقون﴾ تعليل للأمر باعبدوا فلذلك فصلت، أي أمرتكم بعبادته لرجاء منكم أن تتقوا.
« ولعل » حرف يدل على الرجاء، والرجا
١ - علله كثير من النحويين بأنه لكراهية اجتماع حرفي تعريف، ورده الرضى بأنه لا يستنكر اجتماع حرفين في أحدهما من الفائدة ما في الآخر وزيادة كما في لقد، وإلا، وقالوا يا هذا، ويا أنت. والذي يختار في تعليله أنه كراهية اجتماع أداتي تعريف وهما حرف النداء وأ المعرفة..