بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
﴿يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ﴾، أي أطيعوا ربكم ويقال : وحّدوا ربكم. وهذه الآية عامة، وقد تكون كلمة ﴿يا أيها الناس﴾ خاصة لأهل مكة وقد تكون عامة لجميع الخلق، فهاهنا ﴿يا أَيُّهَا الناس﴾ لجميع الخلق. يقول للكفار : وحدوا ربكم، ويقول للعصاة : أطيعوا ربكم، ويقول للمنافقين : أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم، ويقول للمطيعين : اثبتوا على طاعة ربكم. واللفظ يحتمل هذه الوجوه كلها، وهو من جوامع الكلم. واعلم أن النداء في القرآن على ست مراتب : نداء مدح، ونداء ذم، ونداء تنبيه، ونداء إضافة، ونداء نسبة، ونداء تسمية. فأما نداء المدح فمثل قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ﴿يا أيها النبي﴾ ﴿يا أيها الرسل﴾. ونداء الذم مثل قوله تعالى :﴿يا أيهالذين كَفَرُواْ﴾ ﴿يا أيها الذين هَادُواْ﴾. ونداء التنبيه مثل قوله تعالى :﴿يا أيها الإنسان﴾ ﴿يا أَيُّهَا الناس﴾. ونداء الإضافة مثل قوله تعالى :﴿يا عِبَادِي﴾ ونداء النسبة مثل قوله :﴿يا بني آدم﴾ ﴿يا بَنِي إسرائيل﴾ ونداء التسمية مثل قوله تعالى :﴿يا دَاوُودُ﴾ ﴿يا إِبْرَاهِيمَ﴾ والنداء السابع : نداء التعنيف مثل قوله تعالى :﴿يا اهل الكتاب﴾ فهاهنا ذكر نداء التنبيه فقال :﴿يا أَيُّهَا الناس﴾، أخبر بالنداء أنه يريد أن يأمر أمراً أو ينهى عن شيء. ثم بيّن الأمر فقال :﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾، يعني وحدوا وأطيعوا ﴿الذى خَلَقَكُمْ﴾، معناه : أطيعوا ربكم الذي هو خالقكم، فخلقكم ولم تكونوا شيئاً ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾، يعني وخلق الذين من قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ المعصية وتنجون من العقوبة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى