السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
﴿ولا تنكحوا﴾ أي : لا تتزوّجوا أيها المسلمون ﴿المشركات﴾ أي : الكافرات ﴿حتى يؤمنّ﴾.
روي ( أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناساً من المسلمين سرّاً، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها : عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت : يا مرثد ألا تخلو فقال لها : ويحك يا عناق، إنّ الإسلام قد حال بيننا وبينك، فقالت : هل لك أن تتزوّج بي ؟ فقال : نعم ولكن أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع إليه قال : يا رسول الله أيحلّ لي أن أتزوّج بها ؟ فأنزلت هذه الآية )، هذا ما أورده الواحدي وغيره، ولكن الذي رواه أبو داود وغيره أنه سبب في نزول آية النور :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ ( النور، ٣ ) الآية، والآية وإن كانت شاملة للكتابيات، لكنها مخصوصة بغيرهنّ بقوله :﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ ( المائدة، ٤٥ ) وقد تزوّج عثمان بنصرانية فأسلمت وتزوّج حذيفة بيهودية، وطلحة بن عبيد الله بنصرانية.
فإن قيل : كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو الحسن بن فارس : لأنه يقول : القرآن كلام غير الله، ومن يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غير الله انتهى.
وقال تعالى :﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ إلى قوله :﴿سبحانه عما يشركون﴾ ( التوبة، ٣١ ).
﴿ولأمة مؤمنة خير من﴾ أي : من حرّة ﴿مشركة ولو أعجبتكم﴾ لجمالها ومالها، نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك، فأعتقها وتزوّج بها. وقال السديّ : نزلت في عبد الله بن رواحة، كان له أمة فأعتقها، وتزوّج بها فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : أتنكح أمة وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ أي : ولا تزوّجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا، وهذا على عمومه بإجماع ﴿ولعبد مؤمن خير من﴾ أي : حرّ ﴿مشرك ولو أعجبكم﴾ لماله وجماله وقيل : المراد بالأمة والعبد المرأة والرجل، حرّين كانا أو رقيقين ؛ لأنّ الناس عبيد الله وإماؤه ﴿أولئك﴾ أي : أهل الشرك ﴿يدعون إلى النار﴾ أي : إلى الكفر المؤدّي إلى النار، فلا تليق مصاهرتهم وموالاتهم ﴿والله يدعو﴾ أي : أولياءه المؤمنون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، تفخيماً لشأنهم، أو يدعو على لسان رسله، وهذا كما قال أبو حيان : أبلغ في التباعد من المشركين إجراءً للفظ على ظاهره، والأوّل ذكر لطلب المعادلة بين المشركين والمؤمنين ﴿إلى الجنة والمغفرة﴾ أي : العمل الصالح الموصل إليها، فهم الأحقاء بالمواصلة ﴿بإذنه﴾ أي : بأمر الله ورضاه على التفسير الأول، أو بقضائه وإرادته على التفسير الثاني فتجب إجابته بتزويج أوليائه ﴿ويبين﴾ أي : الله ﴿آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ أي : لكي يتذكروا فيتعظوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى