البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
النكاح : الوطء وهو المجامعة، قال التبريزي : وأصله عند العرب لزوم الشيء الشيء وإكبابه عليه، ومنه قولهم : نكح المطر الأرض.
حكاه ثعلب في ( الامالي ) عن أبي زيد وابن الإِعرابي، وحكى الفراء عن العرب : نكح المرأة، بضم النون، بضعة هي بين القبل والدبر، فإذا قالوا نكحها، فمعناه أصاب نكحها، أي ذلك الموضع منها، وقلما يقال ناكحها كما يقال باضعها، قيل : وقد جاء النكاح في أشعار العرب يراد به العقد خاصة، ومن ذلك قول الشاعر :
فلا تقربن جارة إن سرها***
عليك حرام، فانكحنْ أو تأبدا
أي فاعقد وتزّوج، وإلاَّ فاجتنب النساء وتوحش، لأنه قال : لا تقربن جارة على الوجه الذي يحرم.
وجاء بمعنى المجامعة، كما قال :
الباركين على ظهور نسوتهم***
والناكحين بشاطى دجلة البقرا
وقال أبو علي : فرّقت العرب بين العقد والوطء بفرق لطيف، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة، أرادوا به العقد لا غير، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته فلا يريدون غير المجامعة.
الأمة : المملوكة من النساء، وهي ما حذف لامه، وهو واو يدل على ذلك ظهورها في الجمع قال الكلابي.
أما الإماء فلا يدعونني ولداً***
إذا تداعى بنو الاموات بالعار
وفي المصدر : يقال أمة بينة الأموّة، وأقرّت بالأموّة، أي بالعبودية.
وجمعت أيضاً على : إماء، وأآم، نحو أكمة وآكام وأكم، وأصله أأمو، وجرى فيه ما يقتضيه التصريف، وفي الحديث :« لا تمنعوا إماء الله مساجد الله » وقال الشاعر :
يمشى بها ريد النعا***
م تماشى الآم الدوافر
ووزنها أموة، فحذفت لامها على غير قياس، إذ كان قياسها أن تنقلب ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها كقناة، وزعم أبو الهيثم : أن جمع الأمة أمو، وأن وزنها فعلة بسكون العين، فتكون مثل : نخلة ونخل، وبقلة وبقل، فأصلها : أموة فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين، فلما جمعوها على مثال نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا : أمة وأم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين، وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم، فقدموا الواو، وجعلوه ألفاً ما بين الألف والميم، وما زعمه أبو الهيثم ليس بشيء، إذ لو كان على ما زعم لكان الإعراب على الميم كما كان على لام نخل، ولكنه على الياء المحذوفة التي هي لام، إذ أصله ألامو، ثم عمل فيه ما عمل في قولهم : الأدلو، والأجرو، جمع : دلو، وجرو، وأبدلت الهمزة الثانية ألفاً كما أبدلت في : آدم، ولذلك تقول : جاءت الآمي، ولو كان على ما زعم أبو الهيثم لكان : جاءت الآم، برفع الميم.
﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ قال ابن عباس : نزلت في عبد الله بن رواحة، أعتق أمة وتزوّجها، وكانت مسلمة، فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا : نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في أحسابهم، فنزلت.
وقال مقاتل : نزلت في أبي مرثد الغنوي، واسمه كناز بن الحصين، وفي قول : إنه مرثد بن أبي مرثد، وهو حليف لبني هاشم استأذن أن يتزوّج عناق، وهي امرأة من قريش ذات حظ من جمال، مشركة، وقال : يا رسول الله إنها تعجبني، وروي هذا السبب أيضاً عن ابن عباس بأطول من هذا.
وقيل : نزلت في حسناء وليدة سوداء لحذيفة بن اليمان، أعتقها وتزوّجها، ويحتمل أن يكون السبب جميع هذه الحكايات.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى حكم اليتامى في المخالطة، وكانت تقتضي المناكحة وغيرها مما يسمى مخالطة.
حتى إن بعضهم فسرها بالمصاهرة فقط، ورجح ذلك كما تقدم ذكره، وكان من اليتامى من يكون من أولاد الكفار، نهى الله تعالى عن مناكحة المشركات والمشركين، وأشار إلى العلة المسوّغة للنكاح، وهي : الأخوة الدينية، فنهى عن نكاح من لم تكن فيه هذه الأخوة، واندرج يتامى الكفار في عموم من أشرك.
ومناسبة أخرى : أنه لما تقدم حكم الشرب في الخمر، والأكل في الميسر، وذكر حكم المنكح، فكما حرم الخمر من المشروبات، وما يجر إليه الميسر من المأكولات، حرّم المشركات من المنكوحات.
وقرأ الجمهور : ولا تنكحوا، بفتح التاء من نكح، وهو يطلق بمعنى العقد، وبمعنى الوطء بملك وغيره ؛ وقرأ الأعمش : ولا تنكحوا بضم التاء من انكح، أي : ولا تنكحوا أنفسكم المشركات.
والمشركات هنا : الكفار فتدخل الكتابيات، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، وقيل : لا تدخل الكتابيات، والصحيح دخولهنّ لعبادة اليهود عزيراً، والنصارى عيسى، ولقوله :﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ وهذا القول الثاني هو قول جل المفسرين.
وقيل : المراد مشركات العرب، قاله قتادة.
فعلى قول من قال : إنه تدخل فيهنّ الكتابيات، يحتاج إلى مجوّز نكاحهنّ فروي عن ابن عباس أنه عموم نسخ، وعن مجاهد عموم خص منه الكتابيات، وروي عن ابن عباس : أن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من على غير دين الإسلام، ونكاحهنّ حرام.
والآية محكمة على هذا، ناسخة لآية المائدة.
وآية المائدة متقدمة في النزول على هذه الآية، وإن كانت متأخرة في التلاوة، ويؤكد هذا قول ابن عمر في ( الموطأ ) : ولا أعلم إشراكاً أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى.
وروي أن طلحة بن عبيد الله نكح يهودية، وأن حذيفة نكح نصرانية، وان عمر غضب عليهما غضباً شديداً حتى هَمَّ أن يسطو عليهما، وتزوّج عثمان نائله بنت الفرافصة، وكانت نصرانية.
ويجوز نكاح الكتابيات، قال جمهور الصحابة والتابعين، عمر، وعثمان، وجابر، وطلحة، وحذيفة، وعطاء، وابن المسيب، والحسن، وطاووس، وابن جبير، والزهري، وبه قال الشافعي : وعامة أهل المدينة والكوفة، قيل : أجمع علماء الأمصار على جواز تزويج الكتابيات، غير أن مالكاً وإبن حنبل كرها ذلك مع وجود المسلمات والقدرة على نكاحهن.
واختلف في تزويج المجوسيات، وقد تزوّج حذيفة بمجوسية، وفي كونهم أهل كتاب خلاف، وروي عن جماعة أن لهم نبياً يسمى زرادشت، وكتاباً قديماً رفع، روي حديث الكتاب عن علي، وابن عباس، وذكر لرفعه وتغيير شريعتهم سبب طويل، والله أعلم بصحته.
ودلائل هذه المذاهب مذكورة في كتب الفقه، وظاهر النهي في قوله : ولا تنكحوا التحريم، وقيل : هو نهي كراهة، حتى يؤمن، غاية للمنع من نكاحهنّ، ومعنى إيمانهنّ اقرارهنّ بكلمتي الشهادة التزام شرائع الإسلام.
﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ الظاهر أنه أريد بالأمة الرقيقة، ومعنى : خير من مشركة، أي : من حرة مشركة، فحذف الموصوف لدلالة مقابله عليه، وهو أمة، وقيل : الأمة هنا بمعنى المرأة، فيشمل الحرّة والرقيقة، ومنه :«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ».
وهذا قول الضحاك : ولم يذكر الزمخشري غيره، وفي هذا دليل على جواز نكاح الأمُّة المؤمنة، ومفهوم الصفة يقتضي أنه لا يجوز نكاح الأمة الكافرة، كتابية كانت أو غيرها، وهذا مذهب مالك وغيره ؛ وأجاز أبو حنيفة وأصحابه نكاح الأمة المجوسية، وفي الأمة المجوسية خلاف : مذهب مالك وجماعة أنه لا يجوز أن توطأ بنكاح ولا ملك، وروي عن عطاء، وعمرو بن دينار أنه لا بأس بنكاحها بملك اليمين، وتأولا :﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ على العقد لا على الأمة المشتراة، واحتجَّا بسبي أوطاس، وأن الصحابة نكحوا الإماء منهم بملك اليمين.
قيل : وفي هذه الآية دليل لجواز نكاح القادر على طول الحرّة المسلمة للأمة المسلمة، ووجه الاستدلال أن قوله :﴿خير من مشركة﴾ معناه من : حرة مشركة، وواجد طول الحرة المشركة واجد لطول الحرّة المسلمة، لأنه لا يتفاوت الطولان بالنسبة إلى الإيمان والكفر، فقدر المال المحتاج إليه في أهبة نكاحها سواء، فيلزم من هذا أن واجد طول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة المسلمة وهذا استدلال لطيف.
وأمة : مبتدأ، ومسوّغ جواز الابتداء الوصف، و : خير، خبر.
وقد استدل بقوله : خير، على جواز نكاح المشركة لأن أفعل التفضيل يقتضي التشريك، ويكون النهي أوّلاً على سبيل الكراهة، قالوا : والخيرية إنما تكون بين شيئين جائزين، ولا حجة في ذلك، لأن التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد.
لا على سبيل الوجود، ومنه :﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ و : العسل أحلى من الخل ؛ وقال عمر، في رسالته لأبي موسى : الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويحتمل إبقاء الخيرية على الاشتراك الوجودي، ولا يدل ذلك على جواز النكاح بأن نكاح المشركة يشتمل على منافع دنيوية، ونكاح الأمة المؤمنة على منافع أخروية، فقد اشترك النفعان في مطلق النفع إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى، فالحكم بهذا النفع الدنيوي لا يقتضي التسويغ، كما أن الخمر والميسر فيهما منافع، ولا يقتضي ذلك الإباحة، وما من شيء محرم إلاَّ يكاد يكون فيه نفع مّا.
وهذه التأويلات في أفعل التفضيل هو على مذهب سيبويه والبصريين في أن لفظة : أفعل، التي للتفضيل، لا تصح حيث لا اشتراك، كقولك : الثلج أبرد من النار، والنور أضوء من الظلمة ؛ وقال الفراء وجماعة من الكوفيين : يصح حيث الاشتراك، وحيث لا يكون اشتراك ؛ وقال ابراهيم بن عرفة : لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجاباً للأول، ونفياً عن الثاني، فعلى قول هو لا يصح أن لا يكون خير في المشركة وإنما هو في الأمة المؤمنة.
﴿ولو أعجبتكم﴾ لو : هذه بمعنى إن الشرطية، نحو :«ردّوا السائل ولو بظلف شاة محرق ».
والواو في : ولو، للعطف على حال محذوفة، التقدير : خير من مشركة على كل حال، ولو في هذه الحال، وقد ذكرنا أن هذا يكون لاستقصاء الأحوال، وأن ما بعد لو هذه إنما يأتي وهو مناف لما قبله بوجه مّا، فالإعجاب منافٍ لحكم الخيرية، ومقتضٍ جواز النكاح لرغبة الناكح فيها، وأسند الإعجاب إلى ذات المشركة، ولم يبين ما للمعجب منها، فالمراد مطلق الإعجاب، إما لجمال، أو شرف، أو مال أو غير ذلك مما يقع به الإعجاب.
والمعنى : أن المشركة، وإن كانت فائقة في الجمال والمال والنسب، فالأمة المؤمنة خير منها، لأن ما فاقت به المشركة يتعلق بالدنيا، والإيمان يتعلق بالآخرة، والآخرة خير من الدنيا، فبالتوافق في الدين تكمل المحبة ومنافع الدنيا من الصحبة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد، وبالتباين في الدين لا تحصل المحبة ولا شيء من منافع الدنيا.
﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ القراءة بضم التاء إجماع من القراء، والخطاب للأولياء، والمفعول الثاني محذوف، التقدير : ولا تنكحوا المشركين المؤمنات.
وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه مّا، والنهي هنا للتحريم، وقد استدل بهذا الخطاب على الولاية في النكاح وأن ذلك نص فيها.
﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ : الكلام في هذه الجملة كالكلام في الجملة التي قبلها، والخلاف في المراد بالعبد : أهو بمعنى الرقيق أم بمعنى الرجل ؟ كهو في الأمة هناك، وهل المعنى : خير من حر مشرك، حتى يقابل العبد ؟ أو من مشرك على الإطلاق فيشمل العبد والحر، كما هو في قوله : خير من مشركة ؟
﴿أولئك يدعون إلى النار﴾ هذه إشارة إلى الصنفين، المشركات والمشركين، و : يدعون، يحتمل أن يكون الدعاء با
حكاه ثعلب في ( الامالي ) عن أبي زيد وابن الإِعرابي، وحكى الفراء عن العرب : نكح المرأة، بضم النون، بضعة هي بين القبل والدبر، فإذا قالوا نكحها، فمعناه أصاب نكحها، أي ذلك الموضع منها، وقلما يقال ناكحها كما يقال باضعها، قيل : وقد جاء النكاح في أشعار العرب يراد به العقد خاصة، ومن ذلك قول الشاعر :
فلا تقربن جارة إن سرها***
عليك حرام، فانكحنْ أو تأبدا
أي فاعقد وتزّوج، وإلاَّ فاجتنب النساء وتوحش، لأنه قال : لا تقربن جارة على الوجه الذي يحرم.
وجاء بمعنى المجامعة، كما قال :
الباركين على ظهور نسوتهم***
والناكحين بشاطى دجلة البقرا
وقال أبو علي : فرّقت العرب بين العقد والوطء بفرق لطيف، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة، أرادوا به العقد لا غير، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته فلا يريدون غير المجامعة.
الأمة : المملوكة من النساء، وهي ما حذف لامه، وهو واو يدل على ذلك ظهورها في الجمع قال الكلابي.
أما الإماء فلا يدعونني ولداً***
إذا تداعى بنو الاموات بالعار
وفي المصدر : يقال أمة بينة الأموّة، وأقرّت بالأموّة، أي بالعبودية.
وجمعت أيضاً على : إماء، وأآم، نحو أكمة وآكام وأكم، وأصله أأمو، وجرى فيه ما يقتضيه التصريف، وفي الحديث :« لا تمنعوا إماء الله مساجد الله » وقال الشاعر :
يمشى بها ريد النعا***
م تماشى الآم الدوافر
ووزنها أموة، فحذفت لامها على غير قياس، إذ كان قياسها أن تنقلب ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها كقناة، وزعم أبو الهيثم : أن جمع الأمة أمو، وأن وزنها فعلة بسكون العين، فتكون مثل : نخلة ونخل، وبقلة وبقل، فأصلها : أموة فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين، فلما جمعوها على مثال نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا : أمة وأم، فكرهوا أن يجعلوها حرفين، وكرهوا أن يردوا الواو المحذوفة لما كانت آخر الاسم، فقدموا الواو، وجعلوه ألفاً ما بين الألف والميم، وما زعمه أبو الهيثم ليس بشيء، إذ لو كان على ما زعم لكان الإعراب على الميم كما كان على لام نخل، ولكنه على الياء المحذوفة التي هي لام، إذ أصله ألامو، ثم عمل فيه ما عمل في قولهم : الأدلو، والأجرو، جمع : دلو، وجرو، وأبدلت الهمزة الثانية ألفاً كما أبدلت في : آدم، ولذلك تقول : جاءت الآمي، ولو كان على ما زعم أبو الهيثم لكان : جاءت الآم، برفع الميم.
﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ قال ابن عباس : نزلت في عبد الله بن رواحة، أعتق أمة وتزوّجها، وكانت مسلمة، فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا : نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في أحسابهم، فنزلت.
وقال مقاتل : نزلت في أبي مرثد الغنوي، واسمه كناز بن الحصين، وفي قول : إنه مرثد بن أبي مرثد، وهو حليف لبني هاشم استأذن أن يتزوّج عناق، وهي امرأة من قريش ذات حظ من جمال، مشركة، وقال : يا رسول الله إنها تعجبني، وروي هذا السبب أيضاً عن ابن عباس بأطول من هذا.
وقيل : نزلت في حسناء وليدة سوداء لحذيفة بن اليمان، أعتقها وتزوّجها، ويحتمل أن يكون السبب جميع هذه الحكايات.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى حكم اليتامى في المخالطة، وكانت تقتضي المناكحة وغيرها مما يسمى مخالطة.
حتى إن بعضهم فسرها بالمصاهرة فقط، ورجح ذلك كما تقدم ذكره، وكان من اليتامى من يكون من أولاد الكفار، نهى الله تعالى عن مناكحة المشركات والمشركين، وأشار إلى العلة المسوّغة للنكاح، وهي : الأخوة الدينية، فنهى عن نكاح من لم تكن فيه هذه الأخوة، واندرج يتامى الكفار في عموم من أشرك.
ومناسبة أخرى : أنه لما تقدم حكم الشرب في الخمر، والأكل في الميسر، وذكر حكم المنكح، فكما حرم الخمر من المشروبات، وما يجر إليه الميسر من المأكولات، حرّم المشركات من المنكوحات.
وقرأ الجمهور : ولا تنكحوا، بفتح التاء من نكح، وهو يطلق بمعنى العقد، وبمعنى الوطء بملك وغيره ؛ وقرأ الأعمش : ولا تنكحوا بضم التاء من انكح، أي : ولا تنكحوا أنفسكم المشركات.
والمشركات هنا : الكفار فتدخل الكتابيات، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، وقيل : لا تدخل الكتابيات، والصحيح دخولهنّ لعبادة اليهود عزيراً، والنصارى عيسى، ولقوله :﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ وهذا القول الثاني هو قول جل المفسرين.
وقيل : المراد مشركات العرب، قاله قتادة.
فعلى قول من قال : إنه تدخل فيهنّ الكتابيات، يحتاج إلى مجوّز نكاحهنّ فروي عن ابن عباس أنه عموم نسخ، وعن مجاهد عموم خص منه الكتابيات، وروي عن ابن عباس : أن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من على غير دين الإسلام، ونكاحهنّ حرام.
والآية محكمة على هذا، ناسخة لآية المائدة.
وآية المائدة متقدمة في النزول على هذه الآية، وإن كانت متأخرة في التلاوة، ويؤكد هذا قول ابن عمر في ( الموطأ ) : ولا أعلم إشراكاً أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى.
وروي أن طلحة بن عبيد الله نكح يهودية، وأن حذيفة نكح نصرانية، وان عمر غضب عليهما غضباً شديداً حتى هَمَّ أن يسطو عليهما، وتزوّج عثمان نائله بنت الفرافصة، وكانت نصرانية.
ويجوز نكاح الكتابيات، قال جمهور الصحابة والتابعين، عمر، وعثمان، وجابر، وطلحة، وحذيفة، وعطاء، وابن المسيب، والحسن، وطاووس، وابن جبير، والزهري، وبه قال الشافعي : وعامة أهل المدينة والكوفة، قيل : أجمع علماء الأمصار على جواز تزويج الكتابيات، غير أن مالكاً وإبن حنبل كرها ذلك مع وجود المسلمات والقدرة على نكاحهن.
واختلف في تزويج المجوسيات، وقد تزوّج حذيفة بمجوسية، وفي كونهم أهل كتاب خلاف، وروي عن جماعة أن لهم نبياً يسمى زرادشت، وكتاباً قديماً رفع، روي حديث الكتاب عن علي، وابن عباس، وذكر لرفعه وتغيير شريعتهم سبب طويل، والله أعلم بصحته.
ودلائل هذه المذاهب مذكورة في كتب الفقه، وظاهر النهي في قوله : ولا تنكحوا التحريم، وقيل : هو نهي كراهة، حتى يؤمن، غاية للمنع من نكاحهنّ، ومعنى إيمانهنّ اقرارهنّ بكلمتي الشهادة التزام شرائع الإسلام.
﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ الظاهر أنه أريد بالأمة الرقيقة، ومعنى : خير من مشركة، أي : من حرة مشركة، فحذف الموصوف لدلالة مقابله عليه، وهو أمة، وقيل : الأمة هنا بمعنى المرأة، فيشمل الحرّة والرقيقة، ومنه :«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ».
وهذا قول الضحاك : ولم يذكر الزمخشري غيره، وفي هذا دليل على جواز نكاح الأمُّة المؤمنة، ومفهوم الصفة يقتضي أنه لا يجوز نكاح الأمة الكافرة، كتابية كانت أو غيرها، وهذا مذهب مالك وغيره ؛ وأجاز أبو حنيفة وأصحابه نكاح الأمة المجوسية، وفي الأمة المجوسية خلاف : مذهب مالك وجماعة أنه لا يجوز أن توطأ بنكاح ولا ملك، وروي عن عطاء، وعمرو بن دينار أنه لا بأس بنكاحها بملك اليمين، وتأولا :﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ على العقد لا على الأمة المشتراة، واحتجَّا بسبي أوطاس، وأن الصحابة نكحوا الإماء منهم بملك اليمين.
قيل : وفي هذه الآية دليل لجواز نكاح القادر على طول الحرّة المسلمة للأمة المسلمة، ووجه الاستدلال أن قوله :﴿خير من مشركة﴾ معناه من : حرة مشركة، وواجد طول الحرة المشركة واجد لطول الحرّة المسلمة، لأنه لا يتفاوت الطولان بالنسبة إلى الإيمان والكفر، فقدر المال المحتاج إليه في أهبة نكاحها سواء، فيلزم من هذا أن واجد طول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة المسلمة وهذا استدلال لطيف.
وأمة : مبتدأ، ومسوّغ جواز الابتداء الوصف، و : خير، خبر.
وقد استدل بقوله : خير، على جواز نكاح المشركة لأن أفعل التفضيل يقتضي التشريك، ويكون النهي أوّلاً على سبيل الكراهة، قالوا : والخيرية إنما تكون بين شيئين جائزين، ولا حجة في ذلك، لأن التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد.
لا على سبيل الوجود، ومنه :﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ و : العسل أحلى من الخل ؛ وقال عمر، في رسالته لأبي موسى : الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويحتمل إبقاء الخيرية على الاشتراك الوجودي، ولا يدل ذلك على جواز النكاح بأن نكاح المشركة يشتمل على منافع دنيوية، ونكاح الأمة المؤمنة على منافع أخروية، فقد اشترك النفعان في مطلق النفع إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى، فالحكم بهذا النفع الدنيوي لا يقتضي التسويغ، كما أن الخمر والميسر فيهما منافع، ولا يقتضي ذلك الإباحة، وما من شيء محرم إلاَّ يكاد يكون فيه نفع مّا.
وهذه التأويلات في أفعل التفضيل هو على مذهب سيبويه والبصريين في أن لفظة : أفعل، التي للتفضيل، لا تصح حيث لا اشتراك، كقولك : الثلج أبرد من النار، والنور أضوء من الظلمة ؛ وقال الفراء وجماعة من الكوفيين : يصح حيث الاشتراك، وحيث لا يكون اشتراك ؛ وقال ابراهيم بن عرفة : لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجاباً للأول، ونفياً عن الثاني، فعلى قول هو لا يصح أن لا يكون خير في المشركة وإنما هو في الأمة المؤمنة.
﴿ولو أعجبتكم﴾ لو : هذه بمعنى إن الشرطية، نحو :«ردّوا السائل ولو بظلف شاة محرق ».
والواو في : ولو، للعطف على حال محذوفة، التقدير : خير من مشركة على كل حال، ولو في هذه الحال، وقد ذكرنا أن هذا يكون لاستقصاء الأحوال، وأن ما بعد لو هذه إنما يأتي وهو مناف لما قبله بوجه مّا، فالإعجاب منافٍ لحكم الخيرية، ومقتضٍ جواز النكاح لرغبة الناكح فيها، وأسند الإعجاب إلى ذات المشركة، ولم يبين ما للمعجب منها، فالمراد مطلق الإعجاب، إما لجمال، أو شرف، أو مال أو غير ذلك مما يقع به الإعجاب.
والمعنى : أن المشركة، وإن كانت فائقة في الجمال والمال والنسب، فالأمة المؤمنة خير منها، لأن ما فاقت به المشركة يتعلق بالدنيا، والإيمان يتعلق بالآخرة، والآخرة خير من الدنيا، فبالتوافق في الدين تكمل المحبة ومنافع الدنيا من الصحبة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد، وبالتباين في الدين لا تحصل المحبة ولا شيء من منافع الدنيا.
﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ القراءة بضم التاء إجماع من القراء، والخطاب للأولياء، والمفعول الثاني محذوف، التقدير : ولا تنكحوا المشركين المؤمنات.
وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه مّا، والنهي هنا للتحريم، وقد استدل بهذا الخطاب على الولاية في النكاح وأن ذلك نص فيها.
﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ : الكلام في هذه الجملة كالكلام في الجملة التي قبلها، والخلاف في المراد بالعبد : أهو بمعنى الرقيق أم بمعنى الرجل ؟ كهو في الأمة هناك، وهل المعنى : خير من حر مشرك، حتى يقابل العبد ؟ أو من مشرك على الإطلاق فيشمل العبد والحر، كما هو في قوله : خير من مشركة ؟
﴿أولئك يدعون إلى النار﴾ هذه إشارة إلى الصنفين، المشركات والمشركين، و : يدعون، يحتمل أن يكون الدعاء با