تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ٢٢١ وقوله تعالى :( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) اختلف [ أهل التأويل ](١). في تأويل [ هذه ](٢) الآية ؛ فقال قائلون : الحظر على كل مشرك ومشركة كتابيا أو غير كتابي، ثم نسخ بقوله :( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) بالمائدة : ٥ ] ؛ فالإماء على الحظر لأنه إ نما استثنى الحرائر دون الإماء بقوله :( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ).
وقال آخرون : هو على المشركات خاصة دون الكتابيات، والكتابيات مستثنيات، فدخلت كل كتابية : حرة كانت أو أمة [ تحت الاستثناء ](٣) لأن الاستثناء إذا كان عن جملة الأديان سوى دين الكتابيات لم يحتمل دخول بعض أهل ذلك الدين دون بعض. والذي يدل عليه قوله :( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) فجعل الأمة المؤمنة خيرا بالنكاح من المشركة، ومن قوله : أنه(٤) بالقدرة على طول الحرة الكافرة لا يباح له نكاح الأمة المؤمنة، فبان أن موقع الآية ليس على التناسخ على ما يقوله : على [ أن ](٥) الإماء يدخلن تحت قوله عز وجل :( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) [النساء: ٢٤] ؛ [ دليله ](٦) قوله تعالى :( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) [النساء: ٢٥]، فثبت أنهن قد يتعففن، فيستوجبن اسم الإحصان، وقد جعل شرط الحل هو ذكر الإحصان، وقوله أيضا :( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) [النور: ٣٣]، وقوله :( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمناكم ) [النساء: ٢٤] مستثنيا(٧) الإماء من جملة المحصنات، دل أنهم دخلن في الخطاب، وقد أجمع على أنهن حل لنا بالسبي، وكل مذكور في الكتاب يستوي الحل فيه إلا من جهة العدو ؛ فإذا أبيح لنا تزويج المسبيات منهن بالحرائر ثبت أنه محكوم بحكمهن في النكاح، فبطل قول من أبطل نكاح الإماء، إذ ثبت أن الآية بخلاف ما قال، وبالله التوفيق.
ثم الآية تضمنت أحكاما :
أحدها(٨) : أن من قول أصحابنا، رحمهم الله : إن المناهي بحق(٩) النهي، لا توجب الحرمة.
والثاني : أن الآية كيف كان حملها على الخصوص في بعض أحق والعموم في بعض، ومخرج الخطابين واحد.
والثالث : أن في الآية ذكر المنع لعلة، وهو الدعوة إلى النار، فكيف لم يلزم حفظ ما لأجله وجبت الحرمة على وجوده ؟ وهذا هو الأصل /٣٥-ب/ أن يحفظ الأحكام بالعلل، مادامت توجد العلل.
والرابع : البيان في تولي النكاح، إذ للأولياء خرج الخطاب بقوله :( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ).
وأما قولنا في النهي فإن النهي يوجب الانتهاء، ولكن لا يوجب الحرمة إلا بدليل يقوم على مراد الحرمة في النهي، لما رأينا من المناهي كثيرة لم توجب الحرمة. فلو كان نفس النهي موجبا ذلك لوجب أن يوجب في كل ذلك، فلما لم يوجب ذلك دل أن نفسه، لا يوجب الحرمة، ولكن الدليل، هو الموجب للحرمة.
وأما قولهم وسؤالهم عن الخصوص والعموم فذلك جائز عندنا : خروج الآية على العموم يعقل بها الخصوص، وهو كثير في القرآن مما لا يحتاج إلى ذكره وشرحه ؛ ومن ذلك قوله :[ عز وجل ](١٠) :( لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ) [المائدة: ١٢] عقل إيجاب تعظيم الرسل والأنبياء [ والإيمان لهم على العموم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في حق البعض دون البعض ](١١)، وكذا قوله :( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) [التوبة: ١٢٠] فالتخلف غير موجود في بعض الأحايين(١٢)، وإن حق النهي عن الرغبة عن نفسه أخذ الجميع، فعلى ذلك ههنا يجوز خروجه عاما يخص بالعقول.
وأما قولهم : وجوب الحكمة لعلة، وهو الدعاء إلى النار فله وجهان :
أحدهما : أن الكتابي أقر بكتاب، يقدر على إلزام الدين بالدعاء إليه، ففيه رجاء الإسلام، وغيرهم من أهل الشرك لا طمع بمثله.
والثاني : أن علة الحظر قوله :( أولئك يدعون إلى النار ) والزوجات لا يدعون أزواجهن إلى ذلك، بل الأزواج هم الأصل في الدعاء، وهم الأمراء [ على ](١٣) الزوجات، والزوجات بين الأتباع للأزواج والمذللات في أيديهم، لذلك أبيح.
ثم الأصل بأن النكاح جعل لأمرين : إما لإبقاء النسل وإما للتحصن والتعفف عن السفاح، قد ينكح من لا نسل فيه، فما بقي إلا وجه المنع عن السفاح. ثم الدعاء إلى النار أعظم من السفاح، بهذا لم يبح النكاح.
ثم الدلالة على تخصيصها وجهان :
أحدهما : قول(١٤) الخصوم بالنسخ : إنه ورد على بعض دون بعض، وما ذلك إلا الخصوص.
والثاني : أن ذكر ذلك في الكتابيات لم يجز بحيث إظهار ما يحل وما يحرم، إذ شرط نكاحهن إما هو عند العجز عن الحرائر، فجرى الذكر فيهن، إذ هن الأصل في عقود النكاح، وإن الإماء دخيلات في حق النكاح، وإنما جرى الذكر في حلهن(١٥) بملك اليمين. لذلك ترك ذكرهن مع ما يجوز دخول الإماء في قوله :( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) [المائدة: ٥] لما(١٦) أوجب لهن العفة والتحصن بقوله :( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) [النساء: ٢٥] وبقوله :( محصنات غير مسافحات ) [النساء: ٢٥].
وأما قولهم : خاطب الأولياء [ في النهي بقوله :( ولا تنكحوا المشركين )، وخاطب ](١٧) الأولياء أيضا في الأمر بالنكاح الأيامى بقوله :( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) [النور: ٣٢]، فدل أن [ شهادة ](١٨) الولي شرط في جواز النكاح.
فجوابنا أنه إنما خاطب الأولياء في النهي عن النكاح لما العرف في الأمة ألا يتولى النساء بأنفسهن، بل الأولياء هم الذين يتولون عليهن النكاح برضاهن وأمرهن وتدبيرهن، لذلك خرج الخطاب للأولياء مع ما ليس في تخصيص بالخطاب دليل إخراج النساء عن ولاية النكاح.
ألا ترى أنه ذكر في الآية الصلاح بقوله :( والصالحين من عبادكم وإمائكم ) [ النور ٣٢ ]، لم يصر ذلك شرطا في الجواز ؟ فعلى ذلك الأول، وهذا يدل أيضا على أن ليس في تخصيص المحصنات من الكتابيات حظر نكاح الإماء منهن. والثاني أن قوله :( ولا تنكحوا المشركات )، يحتمل أن يكون في الصغار خاصة ؛ نهى الأولياء عن تزويج الصغار من المسلمين والمشركات من غير الكتابيات. فإذا كان محتملا ما ذكرنا لم يكن لمخالفنا الاحتجاج به علينا في إبطال نكاح المرأة نفسها دون وليها، والله أعلم.
وقوله :( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) اختلف في تأويله : قال قوم هو في غير الكائنات ؛ يبين ذلك قوله :( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ) [المائدة: ٥] فنسق الكتابيات بالإحلال على ما تختلف أحوال الحل من أول الإسلام إلى الأبد، ولا من قبل(١٩) ذلك، نحو الطيبات من الطعام من طعام المؤمنين وأهل الكتاب، ونحو المحصنات من المؤمنات، ومثله الكتابيات ؛ إذ يسبق نكاحهن على من ذكر. ولو كان التأويل هذا كانت الآية نطقت بألا تنكحوا المشركات غير الكتابيات، فلا يكون في الآية تحريم الإماء من أهل الكتاب ولا النهي عن ذلك، وإنما يعرف إن كان يجوز أو لا بدليل آخر سوى هذه الآية.
فإن قيل : على ذلك لم لا كانت آية الإحلال في التخصيص بذكر المحصنات دليلا على حرمة نكاح الإماء ؟ قيل : يكون الجواب لأوجه.
أحدها : أن ذكر الحل في حال لا يدل على الحرمة في غيرها، كذلك الحل في صنف لا يدل على حرمة في غيره، ولو كان ذا يدل لكان يجيء أن يكون حكم ما لا يرد فيه السمع مخالفا لما يرد فيه، وذلك فاسدؤؤء ؛ إذ السمع هو دليل الحكم في ما لا سمع فيه بالمعنى الذي ضمن فيه، والله أعلم. وأيد ذلك قوله :( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) [المائدة: ٥]، ثم هن يحللن، وإن لم يؤتين أجورهن، فمثله الأول.
والثاني : أنه مسوق على مثله في المؤمنات، ثم لم يكن ذلك في المؤمنات على تحريم الإماء، فمثله في الكتابيات. فإن قيل : لم بين في إماء المؤمنات ؟ قيل لهم : لم يزعم أحد أن ذلك على نسخ هذه الآية، فثبت أنه ليس في الذكر في المحصنات تحريم الغير، فكذلك في المنسوق على ذلك مع ما لو كان في مثل هذا لكان في قوله :( ولا تنكحوا المشركات )، إذ وقع على غير الكتابيات دليل على الإحلال، فيكون ذكر الحرمة في نوع دليل الحل في غيره(٢٠) على مثل ذكر الحل في نوع، وفي ذلك تناقض الأدلة، والله أعلم.
ووجه آخر : أن المحصنات يحتمل أن يريد به العفائف وأهل الصلاح، والإماء قد يستحققن هذا الاسم كقوله :( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ) [النساء: ٢٥] وقوله :( محصنات غير مسافحات ) [النساء: ٢٥] وقوله :( والمحصنات من النساء ) الآية(٢١) [النساء: ٢٤]، وإذا استحققن الاسم فهن في الآية حتى يظهر الإخراج، والله أعلم.
وبعد فإنا نقول : أكثر ما في ذلك أن يكون في ذلك النهي عن تزوج الإماء من أهل الكتاب، فإن النهي في ذلك لا يدل على الحرمة لأنه معلوم المعنى الذي له يقع النهي عن نكاح الإماء : أنه لمكان رق الأولاد ولمكان مخالطة الإماء الرجال وخلوتهن بالمولى، وذلك مما ينفر عنه الطباع، ثم كانت النساء الزانيات، جميع ذلك فيهن موجود، والنهي قائم، وقد يلحق أولادهن أعظم الشين الذي يضعف على الرق. ثم لم يمنع النهي جواز نكاحهن بما هو نهي نفار الطباع، لا معنى له في ذلك له بكون الحرمة، فمثله أمر الإماء، والله الموفق.
ثم دليل حلهن أن كل امرأة حرمت لنفسها ؛ فسواء وجه الحل بهن في ملك اليمين والنكاح، وكل امرأة كانت حرمتها بالحق فيختلف فيها الملكان ؛ فإذا كانت هذه محللة بملك اليمين ثبت أنها لم تحرم لنفسها، فهي تحل بالنكاح كما تحل بملك اليمين. على هذا الأصل أمر المجوسيات والمحارم ونحوها، والله أعلم.
وقال قوم : الآية في جميع المشركات والكتابيات، ثم نسخت الكتابيات بالآية التي في سورة المائدة(٢٢)، وكان النسخ بشرط الإحصان، فبقيت الإماء على الحرمة، دليل ذلك وجهان :
أحدهما : قوله :( ولا تنكحوا المشركين ) إنه يدخل في ذلك الكتابي وغيره، فكذا في الأول.
والثاني : قوله :( أولئك يدعون إلى النار ) / ٣٦-أ/ الآية ؛ إن الكتابي مشرك في الحقيقة، إذ هو بما لا يغفر والكتابي في الدعاء إليها وغيره سواء، فلذلك كان على ما ذكرت.
فنحن نقول في ذلك، وبالله التوفيق : ليس في ما ذكر دليل على ما ادعى ؛ لأنه جائز خروج آية واحدة في أمرين، يختلف موقعهما من الخصوص والعموم بالدليل ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم )(٢٣) الآية [التوبة: ١١٩] ؛ أنه قد يجوز التخلف عنه لعذر، ولا تجوز الرغبة عنه بحال. وقال في قوله :( لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ) الآية (٢٤) [المائدة: ١٢]، أن ليس كل ذلك مما يقتضي عموم الخلق، وإن كان الظاهر في الكل بالمخرج واحدا(٢٥). ثم ما ذكرت من الآية دليل الفصل.
والثاني أنه يجوز أن تكون الآية في غير أهل الكتاب ؛ دليل ذلك الأمر بالمعروف من التفريق في التسمية، وإن كانوا في الشرك مجتمعين ؛ قال الله تعالى :( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) [البقرة: ١٠٥]، وقال :( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ) [ الآية ](٢٦) [البينة: ٦]، وغير ذلك مما فضل الله بينهم في النسبة،
وقال آخرون : هو على المشركات خاصة دون الكتابيات، والكتابيات مستثنيات، فدخلت كل كتابية : حرة كانت أو أمة [ تحت الاستثناء ](٣) لأن الاستثناء إذا كان عن جملة الأديان سوى دين الكتابيات لم يحتمل دخول بعض أهل ذلك الدين دون بعض. والذي يدل عليه قوله :( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) فجعل الأمة المؤمنة خيرا بالنكاح من المشركة، ومن قوله : أنه(٤) بالقدرة على طول الحرة الكافرة لا يباح له نكاح الأمة المؤمنة، فبان أن موقع الآية ليس على التناسخ على ما يقوله : على [ أن ](٥) الإماء يدخلن تحت قوله عز وجل :( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) [النساء: ٢٤] ؛ [ دليله ](٦) قوله تعالى :( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) [النساء: ٢٥]، فثبت أنهن قد يتعففن، فيستوجبن اسم الإحصان، وقد جعل شرط الحل هو ذكر الإحصان، وقوله أيضا :( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) [النور: ٣٣]، وقوله :( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمناكم ) [النساء: ٢٤] مستثنيا(٧) الإماء من جملة المحصنات، دل أنهم دخلن في الخطاب، وقد أجمع على أنهن حل لنا بالسبي، وكل مذكور في الكتاب يستوي الحل فيه إلا من جهة العدو ؛ فإذا أبيح لنا تزويج المسبيات منهن بالحرائر ثبت أنه محكوم بحكمهن في النكاح، فبطل قول من أبطل نكاح الإماء، إذ ثبت أن الآية بخلاف ما قال، وبالله التوفيق.
ثم الآية تضمنت أحكاما :
أحدها(٨) : أن من قول أصحابنا، رحمهم الله : إن المناهي بحق(٩) النهي، لا توجب الحرمة.
والثاني : أن الآية كيف كان حملها على الخصوص في بعض أحق والعموم في بعض، ومخرج الخطابين واحد.
والثالث : أن في الآية ذكر المنع لعلة، وهو الدعوة إلى النار، فكيف لم يلزم حفظ ما لأجله وجبت الحرمة على وجوده ؟ وهذا هو الأصل /٣٥-ب/ أن يحفظ الأحكام بالعلل، مادامت توجد العلل.
والرابع : البيان في تولي النكاح، إذ للأولياء خرج الخطاب بقوله :( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ).
وأما قولنا في النهي فإن النهي يوجب الانتهاء، ولكن لا يوجب الحرمة إلا بدليل يقوم على مراد الحرمة في النهي، لما رأينا من المناهي كثيرة لم توجب الحرمة. فلو كان نفس النهي موجبا ذلك لوجب أن يوجب في كل ذلك، فلما لم يوجب ذلك دل أن نفسه، لا يوجب الحرمة، ولكن الدليل، هو الموجب للحرمة.
وأما قولهم وسؤالهم عن الخصوص والعموم فذلك جائز عندنا : خروج الآية على العموم يعقل بها الخصوص، وهو كثير في القرآن مما لا يحتاج إلى ذكره وشرحه ؛ ومن ذلك قوله :[ عز وجل ](١٠) :( لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ) [المائدة: ١٢] عقل إيجاب تعظيم الرسل والأنبياء [ والإيمان لهم على العموم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في حق البعض دون البعض ](١١)، وكذا قوله :( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) [التوبة: ١٢٠] فالتخلف غير موجود في بعض الأحايين(١٢)، وإن حق النهي عن الرغبة عن نفسه أخذ الجميع، فعلى ذلك ههنا يجوز خروجه عاما يخص بالعقول.
وأما قولهم : وجوب الحكمة لعلة، وهو الدعاء إلى النار فله وجهان :
أحدهما : أن الكتابي أقر بكتاب، يقدر على إلزام الدين بالدعاء إليه، ففيه رجاء الإسلام، وغيرهم من أهل الشرك لا طمع بمثله.
والثاني : أن علة الحظر قوله :( أولئك يدعون إلى النار ) والزوجات لا يدعون أزواجهن إلى ذلك، بل الأزواج هم الأصل في الدعاء، وهم الأمراء [ على ](١٣) الزوجات، والزوجات بين الأتباع للأزواج والمذللات في أيديهم، لذلك أبيح.
ثم الأصل بأن النكاح جعل لأمرين : إما لإبقاء النسل وإما للتحصن والتعفف عن السفاح، قد ينكح من لا نسل فيه، فما بقي إلا وجه المنع عن السفاح. ثم الدعاء إلى النار أعظم من السفاح، بهذا لم يبح النكاح.
ثم الدلالة على تخصيصها وجهان :
أحدهما : قول(١٤) الخصوم بالنسخ : إنه ورد على بعض دون بعض، وما ذلك إلا الخصوص.
والثاني : أن ذكر ذلك في الكتابيات لم يجز بحيث إظهار ما يحل وما يحرم، إذ شرط نكاحهن إما هو عند العجز عن الحرائر، فجرى الذكر فيهن، إذ هن الأصل في عقود النكاح، وإن الإماء دخيلات في حق النكاح، وإنما جرى الذكر في حلهن(١٥) بملك اليمين. لذلك ترك ذكرهن مع ما يجوز دخول الإماء في قوله :( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) [المائدة: ٥] لما(١٦) أوجب لهن العفة والتحصن بقوله :( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) [النساء: ٢٥] وبقوله :( محصنات غير مسافحات ) [النساء: ٢٥].
وأما قولهم : خاطب الأولياء [ في النهي بقوله :( ولا تنكحوا المشركين )، وخاطب ](١٧) الأولياء أيضا في الأمر بالنكاح الأيامى بقوله :( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) [النور: ٣٢]، فدل أن [ شهادة ](١٨) الولي شرط في جواز النكاح.
فجوابنا أنه إنما خاطب الأولياء في النهي عن النكاح لما العرف في الأمة ألا يتولى النساء بأنفسهن، بل الأولياء هم الذين يتولون عليهن النكاح برضاهن وأمرهن وتدبيرهن، لذلك خرج الخطاب للأولياء مع ما ليس في تخصيص بالخطاب دليل إخراج النساء عن ولاية النكاح.
ألا ترى أنه ذكر في الآية الصلاح بقوله :( والصالحين من عبادكم وإمائكم ) [ النور ٣٢ ]، لم يصر ذلك شرطا في الجواز ؟ فعلى ذلك الأول، وهذا يدل أيضا على أن ليس في تخصيص المحصنات من الكتابيات حظر نكاح الإماء منهن. والثاني أن قوله :( ولا تنكحوا المشركات )، يحتمل أن يكون في الصغار خاصة ؛ نهى الأولياء عن تزويج الصغار من المسلمين والمشركات من غير الكتابيات. فإذا كان محتملا ما ذكرنا لم يكن لمخالفنا الاحتجاج به علينا في إبطال نكاح المرأة نفسها دون وليها، والله أعلم.
وقوله :( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) اختلف في تأويله : قال قوم هو في غير الكائنات ؛ يبين ذلك قوله :( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ) [المائدة: ٥] فنسق الكتابيات بالإحلال على ما تختلف أحوال الحل من أول الإسلام إلى الأبد، ولا من قبل(١٩) ذلك، نحو الطيبات من الطعام من طعام المؤمنين وأهل الكتاب، ونحو المحصنات من المؤمنات، ومثله الكتابيات ؛ إذ يسبق نكاحهن على من ذكر. ولو كان التأويل هذا كانت الآية نطقت بألا تنكحوا المشركات غير الكتابيات، فلا يكون في الآية تحريم الإماء من أهل الكتاب ولا النهي عن ذلك، وإنما يعرف إن كان يجوز أو لا بدليل آخر سوى هذه الآية.
فإن قيل : على ذلك لم لا كانت آية الإحلال في التخصيص بذكر المحصنات دليلا على حرمة نكاح الإماء ؟ قيل : يكون الجواب لأوجه.
أحدها : أن ذكر الحل في حال لا يدل على الحرمة في غيرها، كذلك الحل في صنف لا يدل على حرمة في غيره، ولو كان ذا يدل لكان يجيء أن يكون حكم ما لا يرد فيه السمع مخالفا لما يرد فيه، وذلك فاسدؤؤء ؛ إذ السمع هو دليل الحكم في ما لا سمع فيه بالمعنى الذي ضمن فيه، والله أعلم. وأيد ذلك قوله :( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) [المائدة: ٥]، ثم هن يحللن، وإن لم يؤتين أجورهن، فمثله الأول.
والثاني : أنه مسوق على مثله في المؤمنات، ثم لم يكن ذلك في المؤمنات على تحريم الإماء، فمثله في الكتابيات. فإن قيل : لم بين في إماء المؤمنات ؟ قيل لهم : لم يزعم أحد أن ذلك على نسخ هذه الآية، فثبت أنه ليس في الذكر في المحصنات تحريم الغير، فكذلك في المنسوق على ذلك مع ما لو كان في مثل هذا لكان في قوله :( ولا تنكحوا المشركات )، إذ وقع على غير الكتابيات دليل على الإحلال، فيكون ذكر الحرمة في نوع دليل الحل في غيره(٢٠) على مثل ذكر الحل في نوع، وفي ذلك تناقض الأدلة، والله أعلم.
ووجه آخر : أن المحصنات يحتمل أن يريد به العفائف وأهل الصلاح، والإماء قد يستحققن هذا الاسم كقوله :( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ) [النساء: ٢٥] وقوله :( محصنات غير مسافحات ) [النساء: ٢٥] وقوله :( والمحصنات من النساء ) الآية(٢١) [النساء: ٢٤]، وإذا استحققن الاسم فهن في الآية حتى يظهر الإخراج، والله أعلم.
وبعد فإنا نقول : أكثر ما في ذلك أن يكون في ذلك النهي عن تزوج الإماء من أهل الكتاب، فإن النهي في ذلك لا يدل على الحرمة لأنه معلوم المعنى الذي له يقع النهي عن نكاح الإماء : أنه لمكان رق الأولاد ولمكان مخالطة الإماء الرجال وخلوتهن بالمولى، وذلك مما ينفر عنه الطباع، ثم كانت النساء الزانيات، جميع ذلك فيهن موجود، والنهي قائم، وقد يلحق أولادهن أعظم الشين الذي يضعف على الرق. ثم لم يمنع النهي جواز نكاحهن بما هو نهي نفار الطباع، لا معنى له في ذلك له بكون الحرمة، فمثله أمر الإماء، والله الموفق.
ثم دليل حلهن أن كل امرأة حرمت لنفسها ؛ فسواء وجه الحل بهن في ملك اليمين والنكاح، وكل امرأة كانت حرمتها بالحق فيختلف فيها الملكان ؛ فإذا كانت هذه محللة بملك اليمين ثبت أنها لم تحرم لنفسها، فهي تحل بالنكاح كما تحل بملك اليمين. على هذا الأصل أمر المجوسيات والمحارم ونحوها، والله أعلم.
وقال قوم : الآية في جميع المشركات والكتابيات، ثم نسخت الكتابيات بالآية التي في سورة المائدة(٢٢)، وكان النسخ بشرط الإحصان، فبقيت الإماء على الحرمة، دليل ذلك وجهان :
أحدهما : قوله :( ولا تنكحوا المشركين ) إنه يدخل في ذلك الكتابي وغيره، فكذا في الأول.
والثاني : قوله :( أولئك يدعون إلى النار ) / ٣٦-أ/ الآية ؛ إن الكتابي مشرك في الحقيقة، إذ هو بما لا يغفر والكتابي في الدعاء إليها وغيره سواء، فلذلك كان على ما ذكرت.
فنحن نقول في ذلك، وبالله التوفيق : ليس في ما ذكر دليل على ما ادعى ؛ لأنه جائز خروج آية واحدة في أمرين، يختلف موقعهما من الخصوص والعموم بالدليل ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم )(٢٣) الآية [التوبة: ١١٩] ؛ أنه قد يجوز التخلف عنه لعذر، ولا تجوز الرغبة عنه بحال. وقال في قوله :( لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ) الآية (٢٤) [المائدة: ١٢]، أن ليس كل ذلك مما يقتضي عموم الخلق، وإن كان الظاهر في الكل بالمخرج واحدا(٢٥). ثم ما ذكرت من الآية دليل الفصل.
والثاني أنه يجوز أن تكون الآية في غير أهل الكتاب ؛ دليل ذلك الأمر بالمعروف من التفريق في التسمية، وإن كانوا في الشرك مجتمعين ؛ قال الله تعالى :( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) [البقرة: ١٠٥]، وقال :( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ) [ الآية ](٢٦) [البينة: ٦]، وغير ذلك مما فضل الله بينهم في النسبة،
١ - من ط ع..
٢ - من ط ع..
٣ - من ط ع..
٤ - في النسخ الثلاث: آية..
٥ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
٦ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
٧ - في النسخ الثلاث: مستثنى..
٨ - في انسخ الثلاث: منها..
٩ - في النسخ الثلاث: بحيث..
١٠ - من ط ع..
١١ - من ط ع و م، في الأصل: للكل وبعضها للخاص..
١٢ - ساقطة من ط ع..
١٣ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
١٤ - من ط ع و م، في الأصل: قوم..
١٥ - في ط ع: حلمهن..
١٦ - من ط ع، في الأصل و م: لا..
١٧ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
١٨ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٩ - ساقطة من ط ع..
٢٠ - من ط ع، في الأصل و م: غير..
٢١ - أدرجت في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٢٢ - المقصود الآية الخامسة (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)..
٢٣ - أدرج بعدها في ط ع: (من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه)..
٢٤ - أدرجت تتمة الآية في ط ع بدلا منها..
٢٥ - في النسخ الثلاث: واحد..
٢٦ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٢ - من ط ع..
٣ - من ط ع..
٤ - في النسخ الثلاث: آية..
٥ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
٦ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
٧ - في النسخ الثلاث: مستثنى..
٨ - في انسخ الثلاث: منها..
٩ - في النسخ الثلاث: بحيث..
١٠ - من ط ع..
١١ - من ط ع و م، في الأصل: للكل وبعضها للخاص..
١٢ - ساقطة من ط ع..
١٣ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
١٤ - من ط ع و م، في الأصل: قوم..
١٥ - في ط ع: حلمهن..
١٦ - من ط ع، في الأصل و م: لا..
١٧ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
١٨ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٩ - ساقطة من ط ع..
٢٠ - من ط ع، في الأصل و م: غير..
٢١ - أدرجت في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٢٢ - المقصود الآية الخامسة (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)..
٢٣ - أدرج بعدها في ط ع: (من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه)..
٢٤ - أدرجت تتمة الآية في ط ع بدلا منها..
٢٥ - في النسخ الثلاث: واحد..
٢٦ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..