البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
العرضة : فعلة من العرض وهو بمعنى المفعول، كالفرقة والقبضة، يقال : فلان عرضة لكذا والمرأة عرضة للنكاح، أي : معرضة له، قال كعب :
عرضتها طامس الاعلام مجهول***
وقال حسان :
( وقال الله قد يسرن جندا***
هم الانصار ) عرضتها اللقاء
وقال حبيب :
متى كان سمعي عرضة للوائمي***
وكيف صفت للعاذلين عزائمي
ويقال جعله عرضة للبلاء أي : معرضاً، وقال أوس بن حجر :
وأدماء مثل الفحل يوماً عرضتها***
لرحلي وفيها جرأة وتقاذف
وقيل : هو اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الإناء، فيعترض دونه، ويصير حاجزاً ومانعاً.
وقيل : أصل العرضة القوة، ومنه يقال للجمل : القوي : هذا عرضة للسفر، أي : قوي عليه، وللفرس الشديد الجري عرضة لارتحالنا.
اليمين : أصلها العضو، واستعمل للحلف لما جرت العادة في تصافح المتعاقدين، وتجمع على، أيمان، وعلى : أيمن، وفي العضو والحلف، وتستعمل : اليمين، للجهة التي تكون للعضو المسمى باليمين، فتنصب على الظرف، تقول : زيد يمين عمرو، وهي في العضو مشتقة من اليمين، ويقال : فلان ميمون الطلعة، وميمون النقيبة، وميمون الطائر.
﴿ولا تجعلوا الله عرضه لأيمانكم﴾ قال ابن عباس : نزلت في عبد الله بن رواحة وختنه بشير بن النعمان، كان بينهما شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته، وجعل يقول : حلفت بالله، فلا يحل لي إلاَّ برّ يميني.
وقال الربيع : نزلت في الرجل يحلف أن لا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس ؛ وقال ابن جريج : في أبي بكر حين حلف لا ينفق على مسطح حين تكلم في الإفك، وقال المقاتلان ابن حيان وابن سليمان : حلف لا ينفق على ابنه عبد الرحمن حتى يسلم ؛ وقيل : حلف أن لا يأكل مع الأضياف حين أخر ولده عنهم العشاء، وغضب هو على ولده.
وقالت عائشة : نزلت في تكرير الأيمان بالله، فنهى أن يحلف به براً، فكيف فاجراً.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه تعالى لما أمر بتقوى بالله تعالى، وحذرهم يوم الميعاد، نهاهم عن إبتذال اسمه، وجعله معرضاً لما يحلفون عليه دائماً، لأن من يتقي ويحذر تجب صيانة اسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه، من قليل أو كثير، عظيم أو حقير، لأن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمحلوف به.
وقد تكون المناسبة بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من : الخمر، والميسر، وإنفاق العفو، وأمر اليتامى، ونكاح من أشرك، وحال وطء الحائض، أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم، فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال.
واختلفوا في فهم هذه الجملة من قوله ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ وهو خلاف مبنى على الاختلاف في اشتقاق العرضة، فقيل : نهوا عن أن يجعلوا الله معداً لايمانهم فيحلفوا به في البر والفجور، فإن الحنث مع الإكثار فيه قلة رعي بحق الله تعالى، كما روي عن عائشة أنها نزلت في تكثير اليمين بالله، نهى أن يحلف الرجل به براً فكيف فاجراً ؟ وقد ذم الله من أكثر الحلف بقوله :﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ وقال :﴿واحفظوا أيمانكم﴾ والعرب تمدح بالإقلال من الحلف قال كثير :
قليل ألالايا حافظ ليمينه***
إذا صدرت منه الألية برت
والحكمة في النهي عن تكثير الأيمان بالله أن ذلك لا يبقي لليمين في قلبه وقعاً، ولا يؤمن من إقدامه على اليمين الكاذبة، وذكر الله أجل من أن يستشهد به في الأعراض الدنيوية.
وقيل : المعنى : ولا تجعلوا الله قوة لأيمانكم، وتوكيداً لها، وروي عن قريب من هذا المعنى عن : ابن عباس، وابراهيم، ومجاهد، والربيع، وغيرهم قال : المعنى : فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم، والبر والإصلاح، وقيل : المعنى : ولا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً من البر والإصلاح، ويؤكده قول من قال : نزلت في عبد الله بن رواحة، أو في أبي بكر على ما تقدم في سبب النزول، فيكون المعنى : أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم، وإصلاح ذات بين، أو إحسان الى أحد، أو عبادة، ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني، فيترك البر في يمينه، فنهوا أن يجعلوا الله حاجزاً لما حلفوا عليه.
﴿لأيمانكم﴾ تحتمل اللام أن تكون متعلقة، بعرضة، فتكون كالمقوية للتعدي، أو معداً ومرصداً لأيمانكم، ويحتمل أن تكون متعلقة بقوله :﴿ولا تجعلوا﴾ فتكون للتعليل، أي : لا تجعلوا الله عرضة لأجل أيمانكم.
والظاهر أن المراد بالأيمان هنا الاقتسام، لا المقسم عليه، وقال الزمخشري : أي : حاجزاً لما حلفتم عليه، وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة :« إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك » أي : على شيء مما يحلف عليه.
انتهى كلامه.
ولا حاجة هنا للخروج عن الظاهر وإنما احتيج في الحديث إلى أنه أطلق اليمين، ويراد بها متعلقها، لأنه قال : إذا حلفت على يمين، فعدى حلفت بعلى، فاحتيج إلى هذا التأويل، وليس في الآية ما يحوج إلى هذا التأويل، لكن الزمخشري لما حمل : عرضة، على أن معناه حاجزاً ومانعاً، اضطر إلى هذا التأويل.
﴿أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ قال الزجاج، وتبعه التبريزي : أن تبروا، في موضع رفع بالابتداء، قال الزجاج والمعنى : بركم وتقواكم وإصلاحكم أمثل وأولى، وجعل الكلام منتهياً عند قوله : لأيمانكم، ومعنى الجملة التي فيها النهي عنده أنها في الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله، فقال : علي يمين، وهو لم يحلف، وقدر التيريزي خبر المبتدأ المحذوف بأن المعنى : أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس خير لكم من أن تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، وهذا الذي ذهب إليه الزجاج والتبريزي ضعيف، لأن فيه اقتطاع : أن تبروا، مما قبله، والظلم هو اتصاله به، ولأن فيه حذفاً لا دليل عليه وقال الزمخشري : أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، عطف بيان لأيمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي : البر والتقوى والإصلاح بين الناس.
انتهى كلامه.
وهو ضعيف، لأن فيه مخالفة للظاهر، لأن الظاهر من الأيمان هي الأقسام، والبر والتقوى والإصلاح هي المقسم عليها، فهما متباينان، فلا يجوز أن يكون عطف بيان على الإيمان، لكنه لما تأول الأيمان على أنها المحلوف عليها، ساغ له ذلك، وقد بينا أنه لا حاجة تدعونا إلى تأويل الأيمان بالأشياء المحلوف عليها، وعلى مذهبه تكون : أن تبروا، في موضع جر، ولو أدعى أن يكون : أن تبروا، وما بعده بدلاً من : أيمانكم، لكان أولى، لأن عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام.
وذهب الجمهور إلى أن قوله : أن تبروا، مفعول من أجله، ثم اختلفوا في التقدير، فقيل : كراهة أن تبروا، قاله المهدوى، أو لترك أن تبروا، قاله المبرد، وقيل : لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا، قال أبو عبيدة، والطبري كقوله :
فخالف فلا والله تهبط تلعة***
أي : لا تهبط، وقيل : ارادة أن تبروا، والتقادير الأول متلاقية من حيث المعنى، وروي هذا المعنى عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن جريج، وابراهيم، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج، في آخر من روي عنهم أن المعنى : لا تحلفوا بالله أن لا تبروا، فيتعلق بقوله : ولا تجعلوا، ولا يظهر هذا المعنى لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر، بل وقوع الحلف معلل بانتفاء البر، ولا ينعقد منه شرط وجزاء لو قلت في معنى هذا النهي وعلته : إن حلفت بالله بررت، لم يصح وذلك كما تقول : لا تضرب زيداً لئلا يؤذيك، فانتفت الاذاية للامتناع من الضرب، والمعنى : إن لم تضربه لم يؤذيك، وإن ضربته أذاك، فلا يترتب على الامتناع من الحلف انتفاء البر، ولا على وجوده، بل يترتب على الامتناع من الحلف وجود البر، وعلى وقوع الحلف انتفاء البر، وهذا الذي ذكرناه يؤيد القول بان التقدير : إرادة أن تبروا، لأنه يعلل الامتناع من الحلف بإرادة وجود البر، ويتعلق منه الشرط والجزاء، تقول : إن حلفت لم تبر، وإن لم تحلف بررت.
وقد شرح بعض العلماء هذا المعنى فقال : إن تبروا وتتقوا وتصلحوا علة لهذا النهي، أي : إرادة أن تبروا، والمعنى إنما نهيكم عن هذا لما في توقي ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون معاشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين، فإن قلت : كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟ قلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تبارك وتعالى، أعظم وأجل أن يستشهد باسمه المعظم في طلب الدنيا، إن هذا من أعظم أبواب البر.
وأما معنى التقوى فظاهر، لأنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله تعالى وأما الإصلاح بين الناس، فلأن الناس متى اعتقدوا فيه كونه معظماً لله تعالى إلى هذا الحد، محترزاً عن الإخلال بواجب حقه، اعتقدوا فيه كونه معظماً لله، وكونه صادقاً بعيداً من الأغراض الفاسدة، فيتقبلون قوله، فيحصل الصلح يتوسطه.
انتهى هذا الكلام.
وفي ( المنتخب ) وهو بسط ما قاله الزمخشري قال : ومعناها على الأخرى يزيد على أن يكون عرضة، بمعنى معرضاً للأمر، قال : ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتتبذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم من أنزل فيه :﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ باشنع المذام، وجعل الحلاف مقدمتها، وأن تبروا، علة للنهي أي : إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا لأن الحلاف مجترىء، على الله، غير معظم له، فلا يكون براً متقياً، ولا يتق به الناس، فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم.
وقيل : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين، لتبروا المحلوف لهم، وتتقوهم وتصلحوا بينهم بالكذب.
روي هذا المعنى عن ابن عباس، فقيد المعلوم بالكذب، وقيد العلة بالناس، والإصلاح بالكذب، وهو خلاف الظاهر.
وقال الزمخشري : ويتعلق : أن تبروا، بالفعل و : بالعرضة، أي : ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا. انتهى.
ولا يصح هذا التقدير، لأن فيه فصلاً بين العامل والمعمول بأجنبي، لأنه علق : لأيمانكم، بتجعلوا، وعلق : لأن تبروا بعرضة، فقد فصل بين : عرضة، وبين : لأن تبروا بقوله : لأيمانكم، وهو أجنبي منهما، لأنه معمول عنده لتجعلوا، وذلك لا يجوز، ونظير ما أجازه أن تقول : أمرر وأضرب بزيد هنداً، فهذا لا يجوز ونصوا على انه لا يجوز : جاءني رجل ذو فرس راكب أبلق، لما فيه من الفصل بالأجنبي.
والذي يظهر لي أن تبروا، وفي موضع نصب على إسقاط الخافض، والعمل فيه قوله : لأيمانكم، التقدير : لأقسامكم على أن تبروا، فنهوا عن ابتذال اسم الله تعالى، وجعله معرضاً لأقسامهم على البر والتقوى والإصلاح اللاتي هن أوصاف جميلة، لما نخاف في ذلك من الحنث، فكيف إذا كانت أقساماً على ما تنافى البر والتقوى والإصلاح ؟ وعلى هذا يكون الكلام منتظماً واقعاً كل لفظ منه مكانه الذي يليق به، فصار في موضع : أن تبروا، ثلاثة أقوال الرفع على الابتداء، والخلاف في تقدير الجر، والجر على وجهين : عطف البيان والبدل، والنصب ع
عرضتها طامس الاعلام مجهول***
وقال حسان :
( وقال الله قد يسرن جندا***
هم الانصار ) عرضتها اللقاء
وقال حبيب :
متى كان سمعي عرضة للوائمي***
وكيف صفت للعاذلين عزائمي
ويقال جعله عرضة للبلاء أي : معرضاً، وقال أوس بن حجر :
وأدماء مثل الفحل يوماً عرضتها***
لرحلي وفيها جرأة وتقاذف
وقيل : هو اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الإناء، فيعترض دونه، ويصير حاجزاً ومانعاً.
وقيل : أصل العرضة القوة، ومنه يقال للجمل : القوي : هذا عرضة للسفر، أي : قوي عليه، وللفرس الشديد الجري عرضة لارتحالنا.
اليمين : أصلها العضو، واستعمل للحلف لما جرت العادة في تصافح المتعاقدين، وتجمع على، أيمان، وعلى : أيمن، وفي العضو والحلف، وتستعمل : اليمين، للجهة التي تكون للعضو المسمى باليمين، فتنصب على الظرف، تقول : زيد يمين عمرو، وهي في العضو مشتقة من اليمين، ويقال : فلان ميمون الطلعة، وميمون النقيبة، وميمون الطائر.
﴿ولا تجعلوا الله عرضه لأيمانكم﴾ قال ابن عباس : نزلت في عبد الله بن رواحة وختنه بشير بن النعمان، كان بينهما شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته، وجعل يقول : حلفت بالله، فلا يحل لي إلاَّ برّ يميني.
وقال الربيع : نزلت في الرجل يحلف أن لا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس ؛ وقال ابن جريج : في أبي بكر حين حلف لا ينفق على مسطح حين تكلم في الإفك، وقال المقاتلان ابن حيان وابن سليمان : حلف لا ينفق على ابنه عبد الرحمن حتى يسلم ؛ وقيل : حلف أن لا يأكل مع الأضياف حين أخر ولده عنهم العشاء، وغضب هو على ولده.
وقالت عائشة : نزلت في تكرير الأيمان بالله، فنهى أن يحلف به براً، فكيف فاجراً.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه تعالى لما أمر بتقوى بالله تعالى، وحذرهم يوم الميعاد، نهاهم عن إبتذال اسمه، وجعله معرضاً لما يحلفون عليه دائماً، لأن من يتقي ويحذر تجب صيانة اسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه، من قليل أو كثير، عظيم أو حقير، لأن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمحلوف به.
وقد تكون المناسبة بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من : الخمر، والميسر، وإنفاق العفو، وأمر اليتامى، ونكاح من أشرك، وحال وطء الحائض، أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم، فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال.
واختلفوا في فهم هذه الجملة من قوله ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ وهو خلاف مبنى على الاختلاف في اشتقاق العرضة، فقيل : نهوا عن أن يجعلوا الله معداً لايمانهم فيحلفوا به في البر والفجور، فإن الحنث مع الإكثار فيه قلة رعي بحق الله تعالى، كما روي عن عائشة أنها نزلت في تكثير اليمين بالله، نهى أن يحلف الرجل به براً فكيف فاجراً ؟ وقد ذم الله من أكثر الحلف بقوله :﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ وقال :﴿واحفظوا أيمانكم﴾ والعرب تمدح بالإقلال من الحلف قال كثير :
قليل ألالايا حافظ ليمينه***
إذا صدرت منه الألية برت
والحكمة في النهي عن تكثير الأيمان بالله أن ذلك لا يبقي لليمين في قلبه وقعاً، ولا يؤمن من إقدامه على اليمين الكاذبة، وذكر الله أجل من أن يستشهد به في الأعراض الدنيوية.
وقيل : المعنى : ولا تجعلوا الله قوة لأيمانكم، وتوكيداً لها، وروي عن قريب من هذا المعنى عن : ابن عباس، وابراهيم، ومجاهد، والربيع، وغيرهم قال : المعنى : فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم، والبر والإصلاح، وقيل : المعنى : ولا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً من البر والإصلاح، ويؤكده قول من قال : نزلت في عبد الله بن رواحة، أو في أبي بكر على ما تقدم في سبب النزول، فيكون المعنى : أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم، وإصلاح ذات بين، أو إحسان الى أحد، أو عبادة، ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني، فيترك البر في يمينه، فنهوا أن يجعلوا الله حاجزاً لما حلفوا عليه.
﴿لأيمانكم﴾ تحتمل اللام أن تكون متعلقة، بعرضة، فتكون كالمقوية للتعدي، أو معداً ومرصداً لأيمانكم، ويحتمل أن تكون متعلقة بقوله :﴿ولا تجعلوا﴾ فتكون للتعليل، أي : لا تجعلوا الله عرضة لأجل أيمانكم.
والظاهر أن المراد بالأيمان هنا الاقتسام، لا المقسم عليه، وقال الزمخشري : أي : حاجزاً لما حلفتم عليه، وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة :« إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك » أي : على شيء مما يحلف عليه.
انتهى كلامه.
ولا حاجة هنا للخروج عن الظاهر وإنما احتيج في الحديث إلى أنه أطلق اليمين، ويراد بها متعلقها، لأنه قال : إذا حلفت على يمين، فعدى حلفت بعلى، فاحتيج إلى هذا التأويل، وليس في الآية ما يحوج إلى هذا التأويل، لكن الزمخشري لما حمل : عرضة، على أن معناه حاجزاً ومانعاً، اضطر إلى هذا التأويل.
﴿أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ قال الزجاج، وتبعه التبريزي : أن تبروا، في موضع رفع بالابتداء، قال الزجاج والمعنى : بركم وتقواكم وإصلاحكم أمثل وأولى، وجعل الكلام منتهياً عند قوله : لأيمانكم، ومعنى الجملة التي فيها النهي عنده أنها في الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله، فقال : علي يمين، وهو لم يحلف، وقدر التيريزي خبر المبتدأ المحذوف بأن المعنى : أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس خير لكم من أن تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، وهذا الذي ذهب إليه الزجاج والتبريزي ضعيف، لأن فيه اقتطاع : أن تبروا، مما قبله، والظلم هو اتصاله به، ولأن فيه حذفاً لا دليل عليه وقال الزمخشري : أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، عطف بيان لأيمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي : البر والتقوى والإصلاح بين الناس.
انتهى كلامه.
وهو ضعيف، لأن فيه مخالفة للظاهر، لأن الظاهر من الأيمان هي الأقسام، والبر والتقوى والإصلاح هي المقسم عليها، فهما متباينان، فلا يجوز أن يكون عطف بيان على الإيمان، لكنه لما تأول الأيمان على أنها المحلوف عليها، ساغ له ذلك، وقد بينا أنه لا حاجة تدعونا إلى تأويل الأيمان بالأشياء المحلوف عليها، وعلى مذهبه تكون : أن تبروا، في موضع جر، ولو أدعى أن يكون : أن تبروا، وما بعده بدلاً من : أيمانكم، لكان أولى، لأن عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام.
وذهب الجمهور إلى أن قوله : أن تبروا، مفعول من أجله، ثم اختلفوا في التقدير، فقيل : كراهة أن تبروا، قاله المهدوى، أو لترك أن تبروا، قاله المبرد، وقيل : لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا، قال أبو عبيدة، والطبري كقوله :
فخالف فلا والله تهبط تلعة***
أي : لا تهبط، وقيل : ارادة أن تبروا، والتقادير الأول متلاقية من حيث المعنى، وروي هذا المعنى عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن جريج، وابراهيم، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج، في آخر من روي عنهم أن المعنى : لا تحلفوا بالله أن لا تبروا، فيتعلق بقوله : ولا تجعلوا، ولا يظهر هذا المعنى لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر، بل وقوع الحلف معلل بانتفاء البر، ولا ينعقد منه شرط وجزاء لو قلت في معنى هذا النهي وعلته : إن حلفت بالله بررت، لم يصح وذلك كما تقول : لا تضرب زيداً لئلا يؤذيك، فانتفت الاذاية للامتناع من الضرب، والمعنى : إن لم تضربه لم يؤذيك، وإن ضربته أذاك، فلا يترتب على الامتناع من الحلف انتفاء البر، ولا على وجوده، بل يترتب على الامتناع من الحلف وجود البر، وعلى وقوع الحلف انتفاء البر، وهذا الذي ذكرناه يؤيد القول بان التقدير : إرادة أن تبروا، لأنه يعلل الامتناع من الحلف بإرادة وجود البر، ويتعلق منه الشرط والجزاء، تقول : إن حلفت لم تبر، وإن لم تحلف بررت.
وقد شرح بعض العلماء هذا المعنى فقال : إن تبروا وتتقوا وتصلحوا علة لهذا النهي، أي : إرادة أن تبروا، والمعنى إنما نهيكم عن هذا لما في توقي ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون معاشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين، فإن قلت : كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟ قلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تبارك وتعالى، أعظم وأجل أن يستشهد باسمه المعظم في طلب الدنيا، إن هذا من أعظم أبواب البر.
وأما معنى التقوى فظاهر، لأنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله تعالى وأما الإصلاح بين الناس، فلأن الناس متى اعتقدوا فيه كونه معظماً لله تعالى إلى هذا الحد، محترزاً عن الإخلال بواجب حقه، اعتقدوا فيه كونه معظماً لله، وكونه صادقاً بعيداً من الأغراض الفاسدة، فيتقبلون قوله، فيحصل الصلح يتوسطه.
انتهى هذا الكلام.
وفي ( المنتخب ) وهو بسط ما قاله الزمخشري قال : ومعناها على الأخرى يزيد على أن يكون عرضة، بمعنى معرضاً للأمر، قال : ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتتبذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم من أنزل فيه :﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ باشنع المذام، وجعل الحلاف مقدمتها، وأن تبروا، علة للنهي أي : إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا لأن الحلاف مجترىء، على الله، غير معظم له، فلا يكون براً متقياً، ولا يتق به الناس، فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم.
وقيل : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين، لتبروا المحلوف لهم، وتتقوهم وتصلحوا بينهم بالكذب.
روي هذا المعنى عن ابن عباس، فقيد المعلوم بالكذب، وقيد العلة بالناس، والإصلاح بالكذب، وهو خلاف الظاهر.
وقال الزمخشري : ويتعلق : أن تبروا، بالفعل و : بالعرضة، أي : ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا. انتهى.
ولا يصح هذا التقدير، لأن فيه فصلاً بين العامل والمعمول بأجنبي، لأنه علق : لأيمانكم، بتجعلوا، وعلق : لأن تبروا بعرضة، فقد فصل بين : عرضة، وبين : لأن تبروا بقوله : لأيمانكم، وهو أجنبي منهما، لأنه معمول عنده لتجعلوا، وذلك لا يجوز، ونظير ما أجازه أن تقول : أمرر وأضرب بزيد هنداً، فهذا لا يجوز ونصوا على انه لا يجوز : جاءني رجل ذو فرس راكب أبلق، لما فيه من الفصل بالأجنبي.
والذي يظهر لي أن تبروا، وفي موضع نصب على إسقاط الخافض، والعمل فيه قوله : لأيمانكم، التقدير : لأقسامكم على أن تبروا، فنهوا عن ابتذال اسم الله تعالى، وجعله معرضاً لأقسامهم على البر والتقوى والإصلاح اللاتي هن أوصاف جميلة، لما نخاف في ذلك من الحنث، فكيف إذا كانت أقساماً على ما تنافى البر والتقوى والإصلاح ؟ وعلى هذا يكون الكلام منتظماً واقعاً كل لفظ منه مكانه الذي يليق به، فصار في موضع : أن تبروا، ثلاثة أقوال الرفع على الابتداء، والخلاف في تقدير الجر، والجر على وجهين : عطف البيان والبدل، والنصب ع