غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿حتى يطهرن﴾ بالتشديد والأصل " يتطهرن " فأدغم التاء في الطاء : حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص. الباقون ﴿يطهرن﴾ بالتخفيف من الطهارة. ﴿أنى﴾ بالإمالة المفرطة : حمزة وعلي وخلف. وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن. الباقون بالتفخيم ﴿لا يؤاخذكم﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿يؤخر﴾ و﴿يؤده﴾ وأشباه ذلك بغير همز : يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف :﴿عن المحيض﴾ ط ﴿أذى﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿في المحيض﴾ لا للعطف. ﴿حتى يطهرن﴾ ج لأن " إذا " متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿أمركم الله﴾ ط ﴿المتطهرين﴾ ه ﴿حرث لكم﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿شئتم﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض. ﴿لأنفسكم﴾ ط ﴿ملاقوه﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿بين الناس﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿قلوبكم﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿رحيم﴾ ه ﴿عليم﴾ ه.
الحكم التاسع :﴿ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال : فلا تجعلوني عرضة للوائم. وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله
﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ [القلم: ١٠] والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة. وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وقوله ﴿أن تبرّوا﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلّحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم. ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة " فعلة " بمعنى " مفعول " كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه " عرض العود على الإناء " وتقول " فلان عرضة دون الخير ". وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل :﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه. وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمان بن سمرة :" إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " أي على شيء مما يحلف عليه. فيكون قوله ﴿أن تبروا﴾ عطف بيان ﴿لأيمانكم﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿لأيمانكم﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق ب ﴿عرضة﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر. ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿أن تبروا﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿والله سميع﴾ إن حلفتم به ﴿عليم﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس. وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى. وقد قيل : قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا. ولذلك نودي من سرادقات الجلال : يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿حتى يطهرن﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿فإذا تطهرن﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿إن الله يحب التوابين﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ويحب المتطهرين﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه. فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ [التكوير: ٢٩] فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته تعالى وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿لا يؤاخذكم الله﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر. فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة. أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره. ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك " إلى آخره ﴿فإن فاءوا﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿فإن الله سميع﴾ لمقالتهم ﴿عليم﴾ بحالتهم وهو حسبي.
الوقوف :﴿عن المحيض﴾ ط ﴿أذى﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿في المحيض﴾ لا للعطف. ﴿حتى يطهرن﴾ ج لأن " إذا " متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿أمركم الله﴾ ط ﴿المتطهرين﴾ ه ﴿حرث لكم﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿شئتم﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض. ﴿لأنفسكم﴾ ط ﴿ملاقوه﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿بين الناس﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿قلوبكم﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿رحيم﴾ ه ﴿عليم﴾ ه.
الحكم التاسع :﴿ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال : فلا تجعلوني عرضة للوائم. وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله
﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ [القلم: ١٠] والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة. وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وقوله ﴿أن تبرّوا﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلّحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم. ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة " فعلة " بمعنى " مفعول " كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه " عرض العود على الإناء " وتقول " فلان عرضة دون الخير ". وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل :﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه. وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمان بن سمرة :" إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " أي على شيء مما يحلف عليه. فيكون قوله ﴿أن تبروا﴾ عطف بيان ﴿لأيمانكم﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿لأيمانكم﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق ب ﴿عرضة﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر. ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿أن تبروا﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿والله سميع﴾ إن حلفتم به ﴿عليم﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.