الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ﴾ : هذه جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وعلى رأي الأخفش من بابِ الفعلِ والفاعلِ لأنه لا يَشْتَرِط الاعتماد. و " من نسائهم " في هذا الجارِّ ثمانيةُ أوجهٍ، أحدُها : أنْ يتعَلَّقَ بيُؤْلُون، قال الزمخشري :" فإنْ قلت : كيف عُدِّي بمِنْ وهو مُعَدَّى ب " على " ؟ قلت : قد ضُمِّنَ في القَسَم المخصوص معنى البُعْد، فكأنه قيل : يَبْعُدُون من نسائِهم مُؤْلين أو مُقْسِمينَ ". الثاني : أنَّ " آلى " يتَعَدَّى بعلى وبمن، قاله أبو البقاء نقلاً عن غيرِه أنهُ يقال : آلى من امرأتِهِ وعلى امرأتِه. والثالث : أنَّ " مِنْ " قائمةٌ مقامَ " على "، وهذا رأيٌ الكوفيين. والرابع : أنها قائمةٌ مقامَ " في "، ويكونُ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي : على تَرْكِ وَطْءِ نسائِهم أو في تركِ وطءِ نسائِهم. والخامس : أنَّ " مِنْ " زائدةٌ والتقديرَ : يُؤْلُون أَنْ يَعْتَزِلوا نساءَهم. والسادسُ : أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفِ، والتقديرُ : والذين يُؤْلُون لهم من نسائِهم تربُّص أربعةِ، فتتعلَّقَ بما يتعلق به " لهم " المحذوفُ، هكذا قَدَّره الشيخ وعَزاه للزمخشري، وفيه نظرٌ، فإنَّ الزمخشري قال :" ويجوزُ أن يُراد : لهم من نسائهم تربُّصُ، كقولك :" لي منك كذا " فقوله " لهم " لم يُرد به أن ثَمَّ شيئاً محذوفاً وهو لفظُ " لهم " إنما أرادَ أَنْ يعلِّق " مِنْ " بالاستقرار الذي تعلَّقَ به " للذين " غايةُ ما فيه أنه أتى بضمير " الذين " تبييناً للمعنى. وإلى هذا المنحى نحا أبو البقاء فإنه قال :" وقيل : الأصلُ " على " ولا يَجُوزُ أن تقومَ " مِنْ " مقامَ " على "، فعندَ ذلك تتعلَّقُ " مِنْ " بمعنى الاستقرار، يريدُ الاستقرارَ الذي تعلَّقَ به قولُه " للذين "، وعلى تقدير تسليمِ أنَّ لَفظةَ " لهم " مقدرةٌ وهي مُرادةٌ فحينئذٍ إنما تكونُ بدلاً من " للذين " بإعادةِ العاملِ، وإلاَّ يبقَ قولُه " للذين يُؤْلُون " مُفْلَتاً. وبالجملةِ فتعلُّقه بالاستقرار غيرُ ظاهرٍ. وأمَّا تقديرُ الشيخِ :" والذين يُؤْلون لهم من نسائهم تربُّصُ " فليس كذلك، لأنَّ " الذين لو جاء كذلك غيرَ مجرورِ باللام سَهُل الأمرُ الذي ادَّعاه، ولكن إنما جاءَ كما تراه مجروراً باللام. ثم قال الشيخ :" وهذا كلَّه ضعيفٌ يُنَزَّه القرآنُ عنه، وإنما يتعلَّق بيُؤْلُون علَى أحدِ وجهين : إمَّا أنْ تكونَ " مِنْ " للسبب، أي يَحْلِفون بسببِ نسائِهم، وإمَّا أَنْ يُضَمَّنَ معنى الامتناع، فيتعدَّى ب " مِنْ "، فكأنه قيل : للذين يمتنعون من نسائِهم بالإِيلاءِ، فهذان وَجْهان مع الستة المتقدمة، فتكونُ ثمانيةً، وإن اعتَبَرْتَ مطلقَ التضمينِ فتجيءُ سبعةً.
والإِيلاءُ : الحَلْف، مصدرُ آلى يُولي نحو : أَكْرم يُكرِم إكراماً، والأصل : إإلاء، فأُبْدِلت الهمزةُ الثانيةُ ياءً لسكونِها وانكسار ما قبلها نحو :" إيمان ".
ويقال تَأَلَّى وايتَلى على افْتَعل، والأصلُ : اإتَلْى، فَقُلِبَتْ الثانيةُ لِما تقدَّم.
والحَلْفَةُ : يُقال لها الأَلِيَّة والأَلُوَّة والأَلْوَةِ والإِلْوَة، وتُجْمَعُ الأَلِيَّةُ على " ألايا " كعَشِيَّة وعَشايا، ويجوزُ أن تُجْمَعَ الأَلُوَّة أيضاً على " ألايا " كرَكُوبة ورَكائب. قال كُثَيِّر عزة :
وقد تقدَّم كيف تصريفُ أَلِيَّة وأَلايا عند قولِه :﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾
[البقرة: ٥٨] جمع خطيئة.
والتَّرَبُّصُ : الانتظارُ، وهو مقلوبُ التصبُّر. قال :
وإضافةُ التربُّصِ إلى الأشهرِ فيها قولان، أحدهُما : أنَّه من بابِ إضافةِ المصدر لمفعولِه على الاتساع في الظَّرْفِ حتى صارَ مفعولاً به فأُضيفَ إليه والحالةُ هذه. والثاني : أنه أضيفَ الحَدَثُ إلى الظرفِ من غيرِ اتِّساعِ. فتكونُ الإِضافةُ بمعنى " في " وهو مذهبٌ كوفي، والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه : تربُّصُهم أربعةُ أشهرٍ.
قوله :﴿فَآءُوا﴾ ألفُ " فاء " منقلبةٌ عن ياءِ لقولِهم : فاء يفيءُ فَيْئَةً. رجَع. والفَيءُ : الظِلُّ لرجوعِه من بعد الزوال. وقال علقمة :
والإِيلاءُ : الحَلْف، مصدرُ آلى يُولي نحو : أَكْرم يُكرِم إكراماً، والأصل : إإلاء، فأُبْدِلت الهمزةُ الثانيةُ ياءً لسكونِها وانكسار ما قبلها نحو :" إيمان ".
ويقال تَأَلَّى وايتَلى على افْتَعل، والأصلُ : اإتَلْى، فَقُلِبَتْ الثانيةُ لِما تقدَّم.
والحَلْفَةُ : يُقال لها الأَلِيَّة والأَلُوَّة والأَلْوَةِ والإِلْوَة، وتُجْمَعُ الأَلِيَّةُ على " ألايا " كعَشِيَّة وعَشايا، ويجوزُ أن تُجْمَعَ الأَلُوَّة أيضاً على " ألايا " كرَكُوبة ورَكائب. قال كُثَيِّر عزة :
| قليلُ الأَلايا حافظٌ ليمينِه | إذا صَدَرَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ |
[البقرة: ٥٨] جمع خطيئة.
والتَّرَبُّصُ : الانتظارُ، وهو مقلوبُ التصبُّر. قال :
| تَرَبَّصْ بها رَيْب المنونِ لعلَّها | تُطَلَّقُ يوماً أو يموتُ حليلُها |
قوله :﴿فَآءُوا﴾ ألفُ " فاء " منقلبةٌ عن ياءِ لقولِهم : فاء يفيءُ فَيْئَةً. رجَع. والفَيءُ : الظِلُّ لرجوعِه من بعد الزوال. وقال علقمة :
| فقلتُ لها فِيئي فما تَسْتَفِزُّني | ذَواتُ العيونِ والبنانِ المُخَضَّبِ |