كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي وإن حقَّقوا الطلاقَ بالإقامةِ على حكمِ اليمين إلى تَمام أربعةِ أشهرٍ؛ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لإيْلائهِم؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ بهم وبنِيَّاتِهِمْ. والعَزْمُ في اللغة: هو العقدُ على فعلٍ في المستقبلِ؛ يقال: عَزَمَ على كذا؛ إذا عَقَدَ قلبَهُ عليه. والعزمُ الشرعيُّ المذكور في هذه الآية على ثلاثةِ أوجهٍ: قال ابنُ عباس: (عَزِيْمَةُ الطَّلاَقِ انْقِضَاءُ الأَرْبَعَةِ أشْهُرٍ قَبْلَ أنْ يَفِيءَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ)، وهو قولُ ابن مسعود وزيدِ بن ثابت وعثمانَ بن عفانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ؛ قالوا: (إنَّهَا تَبيْنُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ بتَطْلِيْقَةٍ)، وبه أخذَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ. وعن عليٍّ وابن عمر وأبي الدرداءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مثلُ القْولِ الأول. وروي عنهُم أيضاً: (أنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَإمَّا أنْ يَفِيءَ وَإمَّا أنْ يُطَلِّقَ) وهذا قولُ عائشة وآخرين. وبه قال مالكُ والشافعيُّ؛ فَإنِ امْتَنَعَ عَنْهُمَا؛ فللشافعيِّ قولان؛ أحدُهما: يَحْبسُهُ الْحَاكِمُ وَلاَ يُجْبرُهُ عَلَى أحَدِ الأَمْرَيْنِ. والثانِي: يُطَلِّقُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ. وقال ابنُ جبير وسالم والزهريُّ وعطاء وطاووسُ: (إذَا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ). فإن قيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أنَّ عزيْمةَ الطلاق مسموعةٌ ولا يكون كذلك إلا بقولٍ من الزوجِ بعدَ الإيلاء؟ قُلْنَا: هذا القولُ لا يصحُّ؛ لأن اللهَ تعالى لم يَزَلْ سميعاً ولا مسموعَ وقد قال تعالى:﴿ وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[البقرة: ٢٤٤] وليس هناكَ قولٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى