البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
العزم : ما يعقد عليه القلبَ ويصمم، ويقال : عزم عليه يعزم عزماً وعزماً وعزيمة وعزاماً، ويقال : أعزم إعزاماً، وعزمت عليك لتفعلنّ : أقسمت.
الطلاق : انحلال عقد النكاح، يقال منه : طلقت تطلق فهي طالق وطالقة، قال الأعشى.
أيا جارتا بيني فإنك طالقه***
ويقال : طلقت بضم اللام حكاه أحمد بن يحيى، وأنكره الأخفش.
﴿وإن عزموا الطلاق﴾ قرأ ابن عباس : وإن عزموا السراح، وانتصاب الطلاق : إما على إسقاط حرف الجر، وهو على، لأن عزم يتعدى بعلى كما قال :
عزمت على إقامة ذي صباح***
وأما إن تضمن : عزم، معنى : نوى، فيتعدى إلى مفعول به.
ومعنى العزم هنا التصميم على الطلاق، ويظهر أن جواب الشرط محذوف، تقديره : فليوقعوه، أي : الطلاق، وفي قوله في هذا التقسيم :﴿فإن فاؤا﴾ و ﴿إن عزموا الطلاق﴾ دليل على أن الفرقة التي تقع في الإيلاء لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول، بل لا بد من القول لقوله : عزموا الطلاق، لأن العزم على فعل الشيء ليس فعلاً للشيء، ويؤكده :﴿فإن الله سميع عليم﴾ إذ لا يسمع إلاَّ الأقوال، وجاءت هاتان الصفتان باعتبار الشرط وجوابه، إذ قدرناه : فليوقعوه، أي الطلاق، فجاء : سميع، باعتبار إيقاع الطلاق، لأنه من باب المسموعات، وهو جواب الشرط، وجاء : عليم، باعتبار العزم على الطلاق، لأنه من باب النيات، وهو الشرط، ولا تدرك النيات إلاَّ بالعلم.
وتأخر هذا الوصف لمؤاخاة رؤوس الآي، ولأن العلم أعم من السمع، فمتعلقه أعم، ومتعلق السمع أخص، وأبعد من قال : فإن الله سميع لإيلائه، لبعد انتظامه مع الشرط قبله.
وقال الزمخشري : فإن قلت ما تقول في قوله : فإن الله سميع عليم ؟ وعزمهم الطلاق مما لا يعلم ولا يسمع ؟ قلت : الغالب أن العازم للطلاق، وترك الفيئة والفرار لا يخلو من مقارنة ودمدمة، ولا بد من أن يحدث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلاَّ الله، كما يسمع وسوسة الشيطان.
انتهى كلامه.
وقد قدّمنا أن صفة السمع جاءت هنا لأن المعنى : وإن عزموا الطلاق أوقعوه، أي : الطلاق، والإيقاع لا يكون إلاَّ باللفظ، فهو من باب المسموعات، والصفة تتعلق بالجواب لا بالشرط، فلا تحتاج إلى تأويل الزمخشري.
وفي قوله :﴿وإن عزموا الطلاق﴾ دلالة على مطلق الطلاق، فلا يدل على خصوصية طلاق بكونه رجعياً أو بائناً، وقد اختلف في الطلاق الداخل على المولي في ذلك، فقال عثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، والنخعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة : هي طلقة بائنة لا رجعة له فيها وقال ابن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، ومكحول، والزهري، ومالك، وابن شبرمة : هي رجعية.
وفي الحكم للمولي بأحد الأمرين، إما الفيئة، وإما الطلاق دليل على أنه لا يجوز تقديم الكفارة في الإيلاء قبل الفيء على قول من يوجب الكفارة، لأنه لو جاز ذلك لبطل الإيلاء بغير فيء ولا عزيمة طلاق، لأنه إن حنث لم يلزم بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء لم يكن مولياً، ففي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء، قاله محمد بن الحسن، ومذهب أبي حنيفة ومشهور مذهب مالك : أنه يجوز تقديم الكفارة.
وقال الزمخشري : وإن عزموا الطلاق فتربصوا إلى مضي المدة.
فإن الله سميع عليم، وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، وعلى قول الشافعي معناه : فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا بعد مضي المدة. انتهى.
وكان قد تقدّم في تفسير قوله : فإن فاؤوا، ما نصه فإن فاؤوا في الأشهر، بدليل قراءة عبد الله، فإن فاؤوا فيهنّ فإن الله غفور رحيم، يغفر للمؤمنين ما عسى يقدّمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء، وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضى منهن، خوفاً من طلب ضرار النساء بالإيلاء، وهو الغالب.
وإن كان يجوز أن يكون على رضى منهن خوفاً على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة، فنزل الزمخشري الآية على مذهب أبي حنيفة، وغاير بين متعلق الفعلين من الطرفين، إذ جعل بعد : فاؤوا، في مدة الأشهر، وبعد : عزموا، بعد مضي المدة، والذي يدل عليه ظاهر اللفظ أن الفيئة والعزم على الطلاق لا يكونان إلا بعد مضي الأشهر، ولما أحسّ الزمخشري بهذا اعترض على نفسه فقال : فإن قلت : كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدة التربص ؟ قلت : موقع صحيح، لأن قوله : فإن فاؤوا، وإن عزموا، تفصيل لقوله : للذين يؤلون من نسائهم، والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول : أنا نزيلكم هذا الشهر فان أحمدتكم أقمت عندكم، إلى آخره.
وإلاَّ لم أقم إلاَّ ريثما أتحول.
انتهى كلامه.
وليس بصحيح لأن ما مثل به ليس مطابقاً لما في الآية، ألا ترى أن المثال فيه إخبار عن المفصل حاله، وهو قوله : أنا نزيلكم هذا الشهر، وما بعد الشرطين مصرح فيه بالجواب الدال على اختلاف متعلق فعل الجزاء، والآية ليس كذلك التركيب فيها، لأن الذين يؤلون ليس مخبراً عنهم، ولا مسنداً إليهم حكم، وإنما المخبر عنه هو : تربصهم، فالمعنى تربص المولي أربعة أشر مشروع لهم بعد إيلائهم، ثم قال : فإن فاؤوا، وإن عزموا، فالظاهر أنه يعقب تربص المدة المشروعة بأسرها، لأن الفيئة تكون فيها، والعزم بعدها، لأن هذا التقييد المغاير لا يدل عليه اللفظ، وإنما تطابق الآية أن نقول : للضيف اكرام ثلاثة أيام، فإن أقام فنحن كرماء مؤثرون، وإن عزم على الرحيل فله أن يرحل.
فالذي يتبادر إليه الذهن أن الشرطين مقدران بعد إكرامه الثلاثة الأيام، وأما أن يكون المعنى : فإن أقام في مدة الثلاثة الأيام، وإن عزم على الرحيل بعد ذلك، فهذا الاختلاف في الطرفين لا يتبادر إليه الذهن، وإن كان مما يحتمله اللفظ، وفرق بين الظاهر والمحتمل، ولا يفرق بين الآية وتمثيل الزمخشري إلاَّ من ارتاض ذهنه في التراكيب العربية، وعرى من حمل كتاب الله على الفروع المذهبية، باتباعه الحق واجتنابه العصبية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة نهي الله عباده عن ابتذال اسمه تعالى، وجعله كثير الترداد، وعلى ألسنتهم في أقسامهم على بر وتقوى وإصلاح، فدل ذلك على أن مبالغة النهي عن ذلك في أقسامهم على ما ينافي البر والتقوى والصلاح بجهة الأحرى، وأَلاولى، لأن الإكثار من اليمين بالله تعالى فيه عدم مبالاة واكتراث المقسم به، إذ الأيمان معرضة لحنث الإنسان فيها كثيراً، وقل أن يرى كثير الحلف إلاَّ كثير الحنث.
ثم ختم هذه الآية بأنه تعالى سميع لأقوالهم، عليم بنياتهم.
ولما تقدم النهي عن ما ذكرناه، سامحهم الله تعالى بأن ما كان يسبق على ألسنتهم على سبيل اللغو، وعدم القصد لليمين، لا يؤاخذون به، وإنما يؤاخذ بما انطوى عليه الضمير، وكسبه القلب بالتعهد، ثم ختم هذه الآية بما يدل على المسامحة في لغو اليمين من صفة الغفران والحلم.
ولما تقدّم كثير من الأحكام مع النساء ذكر حكم الإيلاء مع النساء، وهو : الحلف على الامتناع من وطئهنّ، فجعل لذلك مدّة، وهو أربعة أشهر أقصى ما تصبر المرأة عن زوجها غالباً، ثم بعد انتظار هذه المدة وانقضائها إن فاء فإن الله غفور لا يؤاخذه بل يسامحه في تلك اليمين، وإن عزم الطلاق أوقعه.
ولما جرى ذكر الطلاق استطرد إلى ذكر جملة من أحكامه فذكر عدّة المطلقة وأنها : ثلاثة قروء، ودل ذكر القرء على أن المراد بالمطلقات هنّ النساء اللواتي يحضن ويطهرن، ولم يطلقن قبل المسيس ولا هنّ حوامل، ودل على إرادة هذه المخصصات آيات أخر، وذكر تعالى أنه لا يحل لهنّ كتمان ما خلق الله في أرحامهنّ، فعمّ الدم والولد لأنهنّ كنّ يكتمن ذلك لأغراض لهنّ، وعلق ذلك على الإيمان بالله وهو الخالق ما في أرحامهنّ، وعلى الإيمان بالله واليوم الآخر وهو الوقت الذي يقع فيه الحساب، والثواب والعقاب على ما يرتكبه الإنسان من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرّم الله، ومخالفته فيما شرع.
ثم ذكر تعالى أن أزواجهنّ الذين طلقوهنّ أحق بردّهنّ في مدّة العدّة، وشرط في الأحقية إرادة إصلاح الأزواج، فدل على أنه إذا قصد برجعتها الضرر لا يكون أحق بالردّ، ثم ذكر تعالى أن للزوجة حقوقاً على الرجل، مثل ما أن للرجل حقوقاً على الزوجة، فكل منهما مطلوب بإيفاء ما يجب عليه، ثم ذكر أن للرّجل مزيد مزية ودرجة على المرأة، فيكون حق الرجل أكثر، وطواعية المرأة له ألزم، ولم يبين الدرجة ما هي، ويظهر أنها ما يؤلف من كثرة الطواعية، والاهتبال بقدره، والتعظيم له، لأن قبله بالمعروف وهو الشيء الذي عرفه الناس في عوائدهم من كثرة تودّد المرأة لزوجها وامتثال ما يأمر به وختم هذه الآية بوصف العزة وهي : الغلبة، والقهر ؛ و : الحكمة، وهي وضع الشيء موضع ما يليق به، وهما الوصفان اللذان يحتاج إليهما التكليف.
ثم ذكر تعالى أن الطلاق الذي يستحق فيه الزوج الرجعة في تلك العدّة، هو مرتان طلقة بعد طلقة وبعد وقوع الطلقتين، إمّا أن يردّها ويمسكها بمعروف، أو يسرحها بإحسان، ثم ذكر عقب هذا حكم الخلع، لأن مشروعيته لا تكون إلاَّ قبل وجود الطلقة الثالثة، وأمّا بعدها فلا ينبغي خلع، فلذلك جاء بين الطلاق الذي له فيه رجعة، وبين الطلاق الذي يبت العصمة.
وذكر من أحكامه أنه : لا يحل أخذ شيء من مال الزوجة إلاَّ بشرط أن يخافا أن لا يقيما حدود الله، ثم أكد ذلك بذكر الخوف أن لا يقيما حدود الله، فجعل ذلك منهما معاً، فلو خاف أحدهما لم يجز الخلع، هذا ظاهر الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى