البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الفراش : الوطاء الذي يقعد عليه وينام ويتقلب عليه.
البناء : مصدر، وقد يراد به المنقول من بيت أو قبة أو خباء أو طراف وأبنية العرب أخبيتهم.
الماء : معروف، وقال بعضهم : هو جوهر سيال به قوام الحيوان ووزنه فعل وألفه منقلبة من واو وهمزته بدل من هاء يدل عليه : مويه، ومياه، وأمواه.
الثمرة : ما تخرجه الشجرة من مطعوم أو مشموم.
الند : المقاوم المضاهى مثلاً كان أو ضداً أو خلافاً.
وقال أبو عبيدة والمفضل : الند : الضد، قال ابن عطية، وهذا التخصيص تمثيل لا حصر.
وقال غيره : الند : الضد المبغض المناوي من الندود، وقال المهدوي : الند : الكفؤ والمثل، هذا مذهب أهل اللغة سوى أبي عبيدة.
فإنه قال : الضد.
قال الزمخشري : الند : المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف للبارئ، قال جرير :
أتيما تجعلون إلي نداًوما تيم لذي حسب نديد
وناددت الرجل : خالفته ونافرته، من ند ندوداً إذا نفر.
ومعنى قولهم : ليس لله ند ولا ضد، نفى ما يسد مسده ونفي ما ينافيه.
والموصول الثاني في قوله :﴿الذي جعل﴾ يجوز رفعه ونصبه، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، فهو رفع على القطع، إذ هو صفة مدح، قالوا : أو على أنه مبتدأ خبره قوله :﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾، وهو ضعيف لوجهين : أحدهما : أن صلة الذي وما عطف عليها قد مضيا، فلا يناسب دخول الفاء في الخبر.
الثاني : أن ذلك لا يتمشى إلا على مذهب أبي الحسن، لأن من الروابط عنده تكرار المبتدأ بمعناه، فالذي مبتدأ، و ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ جملة خبرية، والرابط لفظ الله من لله كأنه قيل :﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾، وهذا من تكرار المبتدأ بمعناه.
ولا نعرف إجازة ذلك إلا عن أبي الحسن.
أجاز أن تقول : زيد قام أبو عمرو، وإذا كان أبو عمرو كنية لزيد، ونص سيبويه على منع ذلك.
وأما نصبه فيجوز أن يكون على القطع، إذ هو وصف مدح، كما ذكرنا، ويجوز أن يكون وصفاً لما كان له وصفاً ( الذي خلقكم )، وهو ربكم، قالوا : ويجوز نصبه على أن يكون نعتاً لقوله :﴿الذي خلقكم﴾، فيكون نعتاً للنعت ونعت النعت مما يحيل تكرار النعوت.
والذي نختاره أن النعت لا ينعت، بل النعوت كلها راجعة إلى منعوت واحد، إلا إن كان ذلك النعت لا يمكن تبعيته للمنعوت، فيكون إذ ذاك نعتاً للنعت الأول، نحو قولك : يا أيها الفارس ذو الجمة.
وأجاز أبو محمد مكي نصبه بإضمار أعني، وما قبله ليس بملتبس، فيحتاج إلى مفسر له بإضمار أعني، وأجاز أيضاً نصبه بتتقون، وهو إعراب غث ينزه القرآن عن مثله.
وإنما أتى بقوله الذي دون واو لتكون هذه الصفة وما قبلها راجعين إلى موصوف واحد، إذ لو كانت بالواو لأوهم ذلك موصوفاً آخر، لأن العطف أصله المغايرة.
وجعل : بمعنى صير، لذلك نصبت الأرض.
وفراشاً، ولكم متعلق بجعل، وأجاز بعضهم أن ينتصب فراشاً وبناء على الحال، على أن يكون جعل بمعنى خلق، فيتعدى إلى واحد، وغاير اللفظ كما غاير في قوله :﴿خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ لأنه قصد إلى ذكر جملتين، فغاير بين اللفظين لأن التكرار ليس في الفصاحة، كاختلاف اللفظ والمدلول واحد.
وأدغم أبو عمرو لام جعل في لام لكم، والألف واللام في الأرض يجوز أن تكون للجنس الخاص، فيكون المراد أرضاً مخصوصة، وهي كل ما تمهد واستوى من الأرض وصلح أن يكون فراشاً.
ويجوز أن تكون لاستغراق الجنس، ويكون المراد بالفراش مكان الاستقرار واللبث لكل حيوان.
فالوهد مستقر بني آدم وغيرهم من الحيوانات، والجبال والحزون مستقر لبعض الآدميين بيوتاً أو حصوناً ومنازل، أو لبعض الحيوانات وحشاً وطيراً يفترشون منها أوكاراً، ويكون الامتنان على هذا مشتملاً على كل من جعل الأرض له قراراً.
وغلب خطاب من يعقل على من لا يعقل، أو يكون خطاب الامتنان وقع على من يعقل، لأن ما عداهم من الحيوانات معد لمنافعهم ومصالحهم، فخلقها من جملة المنة على من يعقل.
وقرأ يزيد الشامي : بساطاً، وطلحة : مهاداً.
والفراش، والمهاد، والبساط، والقرار، والوطاء نظائر.
وقد استدل بعض المنجمين بقوله :﴿جعل لكم الأرض فراشاً﴾ على أن الأرض مبسوطة لا كرية، وبأنها لو كانت كرية ما استقر ماء البحار فيها.
أما استدلاله بالآية فلا حجة له في ذلك، لأن الآية لا تدل على أن الأرض مسطحة ولا كرية، إنما دلت على أن الناس يفترشونها كما يتقلبون بالمفارش، سواء كانت على شكل السطح أو على شكل الكرة، وأمكن الافتراش فيها لتباعد أقطارها واتساع جرمها.
قال الزمخشري : وإذا كان يعني الافتراش سهلاً في الجبل، وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو أسهل في الأرض ذات الطول والعرض.
وأما استدلاله باستقرار ماء البحار فيها فليس بصحيح، قالوا : لأنه يجوز أن تكون كرية ويكون في جزء منها منسطح يصلح للاستقرار، وماء البحر متماسك بأمر الله تعالى لا بمقتضى الهيئة، انتهى قولهم.
ويجوز أن يكون بعض الشكل الكري مقراً للماء إذا كان الشكل ثابتاً غير دائر، أما إذا كان دائراً فيستحيل عادة قراره في مكان واحد من ذلك الشكل الكريّ.
وهذه مسألة يتكلم عليها في علم الهيئة.
وقوله تعالى :﴿والسماء بناء﴾ : هو تشبيه بما يفهم كقوله تعالى :﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ شبهت بالقبة المبنية على الأرض، ويقال لسقف البيت بناء، والسماء للأرض كالسقف، روي هذا عن ابن عباس وجماعة.
وقيل : سماها بناء، لأن سماء البيت يجوز أن يكون بناء غير بناء، كالخيام والمضارب والقباب، لكن البناء أبلغ في الإحكام وأتقن في الصنعة وأمنع لوصول الأذى إلى من تحته، فوصف السماء بالأبلغ والأتقن والأمنع، ونبه بذلك على إظهار قدرته وعظيم حكمته، إذ المعلوم أن كل بناء مرتفع لا يتهيأ إلا بأساس مستقر على الأرض أو بعمد وأطناب مركوزة فيها، والسماء في غاية ما يكون من العظم، وهي سبع طباق بعضها فوق بعض، وعليها من أثقال الأفلاك وأجناس الأملاك وأجرام الكواكب التي لا يعبر عن عظمها ولا يحصي عددها، وهي مع ذلك بغير أساس يمسكها ولا عمد تقلها ولا أطناب تشدها، وهي لو كانت بعمد وأساس كانت من أعظم المخلوقات وأحكم المبدعات، فكيف وهي عارية عن ذلك ممسكة بالقدرة الإلهية :﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ وقيل : سميت بناء لتماسكها كما يتماسك البناء بعضه ببعض.
وأنزل من السماء : يجوز أن يراد به السحاب، ويجوز أن يراد به السماء المعروفة.
فعلى الأول الجامع بينهما هو القدر المشترك من السمو، ولا يجوز الإضمار لأنه غير الأول، وعلى الثاني فحسن الإظهار دون الإضمار هنا كون السماء الأولى في ضمن جملة، والثانية جملة صالحة بنفسها أن تكون صلة تامة لولا عطفها، ومن متعلقة بأنزل وهي لابتداء الغاية، ويحتمل أن تتعلق بمحذوف على أن تكون في موضع الحال من ماء، لأنه لو تأخر لكان نعتاً فلما تقدم انتصب على الحال، ومعناها إذ ذاك التبعيض، ويكون في الكلام مضاف محذوف أي من مياه السماء ونكر.
ماء لأن المنزل لم يكن عاماً فتدخل عليه الألف واللام وإنما هو ما صدق عليه الاسم.
فأخرج به : والهاء في به عائدة إلى الماء، والباء معناها السببية.
فالماء سبب للخروج، كما أن ماء الفحل سبب في خلق الولد، وهذه السببية مجاز، إذ الباري تعالى قادر على أن ينشىء الأجناس، وقد أنشأ من غير مادة ولا سبب، ولكنه تعالى لما أوجد خلقه في بعض الأشياء عند أمر ما، أجرى ذلك الأمر مجرى السبب لا أنه سبب حقيقيّ.
ولله تعالى في إنشاء الأمور منتقلة من حال إلى حال حكم يستنصر بها، لم يكن في إنشائها دفعة واحدة من غير انتقال أطوار، لأن في كل طور مشاهدة أمر من عجيب التنقل وغريب التدريج تزيد المتأمل تعظيماً للباري.
من الثمرات : من للتبعيض، والألف واللام في الثمرات لتعريف الجنس وجمع لاختلاف أنواعه، ولا ضرورة تدعو إلى ارتكاب أن الثمرات من باب الجموع التي يتفاوت بعضها موضع بعض لالتقائهما في الجمعية، نحو :
﴿كم تركوا من جنات﴾ و ﴿ثلاثة قروء﴾ فقامت الثمرات مقام الثمر أو الثمار على ما ذهب إليه الزمخشري، لأن هذا من الجمع المحلى بالألف واللام، فهو وإن كان جمع قلة، فإن الألف واللام التي للعموم تنقله من الاختصاص لجمع القلة للعموم، فلا فرق بين الثمرات والثمار، إذ الألف واللام للاستغراق فيهما، ولذلك رد المحققون على من نقد على حسان قوله :
لنا الجفنات الغر يل معن في الضحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
بأن هذا جمع قلة، فكان ينبغي على زعمه أن يقول : الجفان وسيوفنا، وهو نقد غير صحيح لما ذكرناه من أن الاستغراق ينقله، وأبعد من جعل من زائدة، وجعل الألف واللام للاستغراق لوجهين : أحدهما : زيادة من في الواجب، وقيل معرفة، وهذا لا يقول به أحد من البصريين والكوفيين إلا الأخفش.
والثاني : أنه يلزم منه أن يكون جميع الثمرات التي أخرجها رزقاً لنا، وكم من شجرة أثمرت شيئاً لا يمكن أن يكون رزقاً لنا، وإن كانت للتبعيض كان بعض الثمار رزقاً لنا وبعضها لا يكون رزقاً لنا، وهو الواقع.
وناسب في الآية تنكير الماء وكون من دالة على التبعيض وتنكير الرزق، إذ المعنى : وأنزل من السماء بعض الماء فأخرج به بعض الثمرات بعض رزق لكم، إذ ليس جميع رزقهم هو بعض الثمرات، إنما ذلك بعض رزقهم، ومن الثمرات يحتمل أن يكون في موضع المفعول به بأخرج، ويكون على هذا رزقاً منصوباً على الحال إن أُريد به المرزوق كالطحن والرعي، أو مفعولاً من أجله إن أريد به المصدر، وشروط المفعول له فيه موجودة، ويحتمل أن يكون متعلقاً بأخرج، ويكون رزقاً مفعولاً بأخرج.
وقرأ ابن السميفع : من الثمرة على التوحيد، يريد به الجمع كقولهم : فلان أدركت ثمرة بستانه، يريدون ثماره.
وقولهم : للقصيدة كلمة، وللقرية مدرة، لا يريدون بذلك الإفراد.
ولكم : إن أريد بالرزق المصدر كانت الكاف مفعولاً به واللام منوية لتعدّي المصدر إليه نحو : ضربت ابني تأديباً له، أي تأديبه، وإن أريد به المرزوق كان في موضع الصفة فتتعلق اللام بمحذوف، أي كائناً لكم، ويحتمل أن تكون لكم متعلقاً بأخرج، أي فأخرج لكم به من الثمرات رزقاً.
وانتهى عند قوله : رزقاً لكم ذكر خمسة أنواع من الدلائل : اثنين من الأنفس خلقهم وخلق من قبلهم، وثلاثة من غير الأنفس كون الأرض فراشاً وكون السماء بناءً، والحاصل من مجموعهما تقدم خلق الإنسان لأنه أقرب إلى معرفته، وثنّى بخلق الآباء، وثلث بالأرض لأنها أقرب إليه من السماء، وقدّم السماء على نزول المطر وإخراج الثمرات، لأن هذا كالأمر المتولد بين السماء والأرض والأثر متأخر عن المؤثر.
وقيل : قدم المكلفين لأن خلقهم أحياء قادرين أصل لجميع النعم.
وأما خلق السماء والأرض والماء والثمر، فإنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة والعقل.
وقد اختلف أيهما أفضل، ومن قال السماء أفضل قال : لأنها متعبد الملائكة وما فيها من بقعة عصى الله فيه، ولأن آدم لما عصاه قال : لا تسكن جواري، ولتقديم السماء على الأرض في أكثر الآيات، ولأن فيها العرش والكرسي واللوح الم
وقد تضمنت هاتان الآيتان من بدائع الصنعة، ودقائق الحكمة، وظهور البراهين، ما اقتضى تعالى أنه المنفرد بالإيجاد، المتكفل للعباد، دون غيره من الأنداد، التي لا تخلق ولا ترزق ولا لها نفع ولا ضر، ألا لله الخلق والأمر.
قال بعض أصحاب الإشارات : لما امتن تعالى عليهم بأنه خلقهم والذين من قبهلم، ضرب لهم مثلاً يرشدهم إلى معرفة كيفية خلقهم، وأنهم وإن كانوا متوالدين بين ذكر وأنثى، مخلوقين ﴿من نطفة إذا تمنى﴾، هو تعالى خالقهم على الحقيقة، ومصوّرهم في الأرحام كيف يشاء، ومخرجهم طفلاً، ومربيهم بما يصلحهم من غذاء وشراب ولباس، إلى غير ذلك من المنافع التي تدعو حاجتهم إليها فجعل الأرض التي هي فراش مثل الأم التي يفترشها الزوج، وهي أيضاً تسمى فراشاً، وشبه السماء التي علت على الأرض بالأب الذي يعلو على الأم ويغشاها، وضرب الماء النازل من السماء مثلاً للنطفة التي تنزل من صلب الأب، وضرب ما يخرج من الأرض من الثمرات بالولد الذي يخرج من بطن الأم، يؤنس تعالى بذلك عقولهم ويرشدها إلى معرفة كيفية التخليق، ويعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج له من بطن أمه، كما أنه الخالق للثمرات ومخرجها من بطون أشجارها، ومخرج أشجارها من بطن الأرض، فإذا أوضح ذلك لهم أفردوه بالإلهية، وخصوه بالعبادة، وحصلت لهم الهداية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى