جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً وَالسماء بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
وقوله : الّذِي جعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشا مردود على «الذي » الأولى في قوله : اعْبُدُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ وهما جميعا من نعت «ربكم »، فكأنه قال : اعبدوا ربكم الخالقكم، والخالق الذي من قبلكم، الجاعل لكم الأرض فراشا. يعني بذلك أنه جعل لكم الأرض مهادا وموطئا وقرارا يستقرّ عليها. يذكّر ربنا جل ذكره بذلك من قيله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، ليذكروا أياديه عندهم فينيبوا إلى طاعته، تعطفا منه بذلك عليهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون. كما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : الّذِي جَعَلَ لَكُمُ أَلارْضَ فِرَاشا فهي فراش يُمْشَى عليها، وهي المهاد والقرار.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة : الّذِي جَعَلَ لَكُمُ أَلارْضَ فِرَاشا قال : مهادا لكم.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس : الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشا : أي مهادا.
القول في تأويل قوله تعالى : وَالسّماءَ بِناءً.
قال أبو جعفر : وإنما سميت السماء سماءً لعلوّها على الأرض وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت سماؤه، لأنه فوقه مرتفع عليه، ولذلك قيل : سما فلان لفلان : إذا أشرف له وقصد نحوه عاليا عليه، كما قال الفرزدق :
سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ اليَمانِي وأهْلِهِ وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيّثْ مَقاوِلُه
وكما قال نابغة بني ذبيان :
| سَمَتْ لي نَظْرَةٌ فَرأيْتُ مِنْهَا | تُحَيْتَ الخِدْرِ وَاضِعَةَ القِرَامِ |
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : وَالسّماءَ بِناءً، فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قول الله وَالسّمَاءَ بِنَاءً قال : جعل السماء سقفا لك.
وإنما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة دون الأصنام والأوثان التي لا تضرّ ولا تنفع.
القول في تأويل قوله تعالى : وأنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ ماءً فأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقا لَكُمْ.
يعني بذلك أنه أنزل من السماء مطرا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقا لهم غذاءً وأقواتا. فنبههم بذلك على قدرته وسلطانه، وذكرهم به آلاءه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له نِدّا وعِدْلاً من الأوثان والآلهة، ثم زجرهم عن أن يجعلوا له ندّا مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا ندّ له ولا عدل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارّ ولا خالقٌ ولا رازق سواه.
القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا.
قال أبو جعفر : والأنداد، جمع ندّ، والندّ : العِدْل والمثل، كما قال حسان بن ثابت :
| أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدَ | فَشَرّكما لخَيْرِكُما الفِداءُ |
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة : فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا أي عدلاء.
وحدثني المثنى، قال : حدثني أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا أي عدلاء.
وحدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي عن خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا قال : أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله : فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا قال : الأنداد : الاَلهة التي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.
وحدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله : فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا قال : أشباها.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو عاصم عن شبيب عن عكرمة : فلا تجعلوا لله أندادا أي تقولوا : لولا كلبنا لدخل علينا اللصّ الدار، لولا كلبنا صاح في الدار ونحو ذلك.
فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندا وعدلاً في الطاعة، فقال : كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي التي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا وندّا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم منّي.
القول في تأويل قوله تعالى : وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بهذه الآية، فقال بعضهم : عني بها جميع المشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب. وقال بعضهم : عني بذلك أهل الكتابين : التوراة، والإنجيل.
ذكر من قال : عني بها جميع عبدة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين :
حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : نزل ذلك في الفريقين جميعا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنَى بقوله : فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحقّ لا شك فيه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة في قوله : وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السموات والأرض، ثم تجعلون له أندادا.
ذكر من قال : عَنَى بذلك أهْلَ الكتابين :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد : فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا قبيصة، قال : حدثنا سفيان عن مجاهد مثله.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ يقول : وأنتم تعلمون أنه لا ندّ له في التوراة والإنجيل.
قال أبو جعفر : وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظنّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإن ذلك لقولٌ ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقرّ بوحدانيته، غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جل ثناؤه : وَلِئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنّ اللّهُ، وقال : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السّمَاءِ والأرْضِ أمْ مَنْ يَمْلِكُ السّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيّ مِنَ المَيّتِ ويُخْرِجُ المَيّتَ مِنَ الحَيّ وَمَنْ يُدَبّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أفَلا تَتّقُونَ.
فالذي هو أولى بتأويل قوله : وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين. ولم يكن في الآية دلالة على أن الله جل ثناؤه عنى بقوله : وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أحد الحزبين، بل مخرج الخطاب بذلك عام للناس كافة لهم، لأنه تحدّى الناس كلهم بقوله : يا أيّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمْ أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره، كائنا من كان من الناس، عربيا كان أو أعجميا، كاتبا أو أميا، وإن كان الخطاب لكفار أهل الكتاب الذين كانوا حوالي دار هجرة رسول الله ﷺ، وأهل النفاق منهم وممن بين ظهرانيهم ممن كان مشركا فانتقل إلى النفاق بمقدم رسول الله ﷺ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا﴾
وقوله:"الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا" مردود على"الذي" الأولى في قوله"اعبدُوا ربكم الذي خَلقَكم"، وهما جميعًا من نَعت"ربكم"، فكأنّه قال: اعبدُوا ربكم الخالقكُم، والخالقَ الذين من قبلكم، الجاعلَ لكم الأرض فراشًا. يعني بذلك أنّه جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً (١) وقرارًا يُستقرّ عليها. يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره -بذلك من قِيله- عبادَهُ نعمَه عندهم وآلاءه لديهم (٢) ليذْكروا أياديَه عندهم، فينيبوا إلى طاعته -تعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليُتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون.
٤٧٥- كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة (٣)، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"الذي جعل لكم الأرض فراشًا" فهي فراشٌ يُمشى عليها، وهي المهاد والقرار (٤).
٤٧٦- حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة:"الذي جَعل لكم الأرض فراشًا"، قال: مهادًا لكم.
(٢) في المطبوعة"زيادة نعمه عندهم، وآلائه لديهم"، والصواب ما في المخطوطة. وقوله"عباده" مفعول: "يذكر ربنا.. ".
(٣) قوله"وعن مرة"، ساقطة من المطبوعة، وهذا هو الصواب.
(٤) الخبر ٤٧٥- في الدر المنثور ١: ٣٤، والشوكاني ١: ٣٨.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾
قال أبو جعفر: وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوةٌ (١)، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه. ولذلك قيل: سَمَا فلان لفلان، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه، كما قال الفرزدق:
| سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ | وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ (٢) |
| سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ، فَرَأيتُ مِنْهَا | تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ (٣) |
(٢) ديوانه: ٧٣٥، والنقائض: ٦٠٠. ونجران: أرض في مخاليف اليمن من ناحية مكة. وذكر نجران، على لفظه وأصل معناه، والنجران في كلام العرب: الخشبة التي يدور عليها رتاج الباب. وديث البعير: ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته. والمقاول: جمع مقول. والمقول والقيل: الملك من ملوك حمير. يقول: هي أرض عز عزيز، لم يلق ملوكها ضيما يذلهم ويحني هاماتهم.
(٣) ديوانه: ٨٦، وروايته: "صفحت بنظرة". وقوله"صفحت"، أي تصفحت الوجوه بنظرة، أو رميت بنظرة متصفحًا. والقرام: ستر رقيق فيه رقم ونقوش. والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهو الهودج. ووضع الشيء: ألقاه. وتحيت: تصغير"تحت"، وصغر"تحت"، لأنه أراد أن ستر الخدر بعد وضع القرام لا يبدى منها إلا قليلا، وهذا البيت متعلق بما قبله وما بعده. وقبله:
| فَلَوْ كَانَتْ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَنَّتْ | وَقَدْ رَفَعُوا الْخُدُورَ عَلَى الْخِيَامِ |
| صَفَحْتُ بنظرةٍ.... | .................... |
| تَرَائِبَ يستضئُ الحليُ فيها | كَجمْرِ النارِ بُذِّرَ فِي الظَّلامِ |
٤٧٩- حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قول الله:"والسماءَ بناءً"، قال: جعل السماء سَقفًا لكَ.
وإنما ذكر تعالى ذكره السماءَ والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوامُ دُنياهم. فأعلمهم أن الذي خَلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم، هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دون الأصنام والأوثان، التي لا تضرُّ ولا تنفع.
* * *
القول في تأويل قول الله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك أنه أنزل من السماء مطرًا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات (٢) - رزقًا لهم، غذاءً وأقواتًا. فنبههم بذلك على قدرته وسُلطانه، وذكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة.
(٢) في المخطوطة: "زرعهم وغروسهم"، وهما سواء.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾
قال أبو جعفر: والأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، كما قال حسان بن ثابت:
| أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ؟ | فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ (١) |
٤٨٠- كما حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أي عُدَلاء (٣).
٤٨١- حدثني المثنى، قال: حدثني أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبل، عن ابن أبي نَحيح، عن مجاهد:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أي عُدَلاء (٤).
٤٨٢- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، قال: أكفاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله (٥).
(٢) في المطبوعة: "كان نظيرًا لشيء وشبيهًا".
(٣) الأثر ٤٨١- في الدر المنثور ١: ٣٥، والعدلاء: جمع عديل، وهو النظير والمثيل، كالعدل.
(٤) الأثر- ٤٨١- في الدر المنثور ١: ٣٥، والعدلاء: جمع عديل، وهو النظير والمثيل، كالعدل.
(٥) الخبر ٤٨٢- في الدر المنثور ١: ٣٤ - ٣٥، والشوكاني ١: ٣٩.
٤٨٤- حُدِّثت عن المنجاب، قال: حدثنا بِشر، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، قال: أشباهًا (٢).
٤٨٥- حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَبيب، عن عكرمة:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أن تقولوا: لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ، لولا كلبنا صَاح في الدار، ونحو ذلك (٣).
فنهاهم الله تعالى أن يُشركوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيرَه، أو يتخذوا له نِدًّا وَعِدلا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم، ونعمي التي أنعمتها عليكم (٤) - فكذلك فأفردوا ليَ الطاعة،
(٢) الخبر ٤٨٤- في الدر المنثور ١: ٣٤، والشوكاني ١: ٣٩.
(٣) الأثر ٤٨٥- جاء مثله في خبر عن ابن عباس في ابن كثير ١: ١٠٥، والشوكاني ١: ٣٩. وفي المطبوعة: "أي تقولوا: لولا كلبنا.. "، وليست بشيء. وفي المخطوطة"ونحو هذا" مكان"ونحو ذلك". والخبر الذي في ابن كثير، ساقه مطولا بالإسناد من تفسير ابن أبي حاتم، من طريق الضحاك بن مخلد، وهو أبو عاصم النبيل الذي في هذا الإسناد، عن شبيب، وهو ابن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولعل الطبري قصر بهذا الإسناد، لأنه يروي مثل هذه الروايات، بهذا الإسناد إلى عكرمة، عن ابن عباس، كما مضى برقم: ١٥٧. وعن ذلك إعراض ابن كثير عن نقل رواية الطبري، واختياره رواية ابن أبي حاتم. وسياق رواية ابن أبي حاتم -عن ابن عباس- فيها فوائد جمة. ولفظها: "قال: الأنداد، هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها"فلان". هذا كله به شرك". ثم قال ابن كثير: "وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت! قال: أجعلتني لله ندًّا؟! ". والحديث الذي يشير إليه ابن كثير، رواه أحمد في المسند بأسانيد صحاح، عن ابن عباس: ١٨٣٩، ١٩٦٤، ٢٥٦١، ٣٢٤٧. وكذلك رواه البخاري في الأدب المفرد ص: ١١٦ ونسبه الحافظ ابن حجر في الفتح ١١: ٤٧٠ للنسائي وابن ماجه.
(٤) في المطبوعة: "ونعمتي" بالإفراد.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية:
فقال بعضهم: عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب.
وقال بعضهم: عنى بذَلك أهلَ الكتابين، أهلَ التوراة والإنجيل (٢).
ذكر من قال: عنى بها جميعَ عبَدَة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين:
٤٨٦- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نَزَل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنى تعالى ذكره بقوله:"فلا تَجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"، أي لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه (٣).
٤٨٧- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قوله:"وأنتمْ تعلمون" أي تعلمون أنّ الله خَلقكم وخلق السموات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا (٤).
(٢) في المطبوعة: "أهل الكتابين التوراة والإنجيل".
(٣) الخبر ٤٨٦- مضى صدره في رقم: ٤٧٢، وتمامه في ابن كثير ١: ١٠٥، والدر المنثور ١: ٣٤، والشوكاني ١: ٣٩.
(٤) الأثر ٤٨٧- في الدر المنثور ١: ٣٥.
٤٨٨- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد:"فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"، أنه إله واحدٌ في التوراة والإنجيل.
٤٨٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا قَبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد، مثله (١).
٤٩٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"وأنتم تعلمون"، يقول: وأنتم تعلمون أنّه لا ندّ له في التوراة والإنجيل (٢).
قال أبو جعفر: وأحسَِب أن الذي دَعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دُون غيرهم - الظنُّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أنّ اللهَ خالقها ورازقها، بجحودها وحدانيةَ ربِّها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإنّ ذلك لَقولٌ! ولكنّ الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ في كتابه عنها أنها كانت تُقر بوحدانيته، غير أنها كانت تُشرك في عبادته ما كانت تُشرك فيها، فقال جل ثناؤه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [سورة الزخرف: ٨٧]، وقال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) [سورة يونس: ٣١].
(٢) الأثر ٤٩٠- ذكره ابن كثير ١: ١٠٥، والدر المنثور ١: ٣٥، بنحوه.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
" أتدري ما حق الله على عباده ؟ أن يعبدوه لا(٤) يشركوا به شيئًا " الحديث(٥) وفي الحديث الآخر :«لا يقولن أحدكم : ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل(٦) ما شاء الله، ثم شاء فلان " (٧).
وقال حماد بن سلمة : حدثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، عن الطفيل بن سَخْبَرَة، أخى عائشة أم المؤمنين لأمها، قال : رأيت فيما يرى النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : نحن اليهود، قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عُزَير ابن الله. قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد. قال : ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت : من أنتم ؟ قالوا : نحن النصارى. قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : المسيح ابن الله. قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال :«هل أخبرت بها أحدًا » فقلت : نعم. فقام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :" أما بعد، فإن طُفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا : ما شاء الله وحده ". هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به(٨). وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه(٩).
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال : قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت. فقال :«أجعلتني لله ندا(١٠) ؟ قل : ما شاء الله وحده ». رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح، به(١١).
وهذا كله صيانة، وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : قال الله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي : وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
وبه عن ابن عباس :﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي : لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه
الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله، عز وجل(١٢) ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ](١٣)﴾ قال : الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل : لولا الله وفلان. لا تجعل فيها " فلان ". هذا(١٤) كله به شرك.
وفي الحديث : أن رجلا قال لرسول الله ﷺ ما شاء الله وشئت، فقال :«أجعلتني لله ندا ». وفي الحديث الآخر :«نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون، تقولون : ما شاء الله، وشاء فلان ».
قال(١٥) أبو العالية :﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسُّدي، وأبو مالك : وإسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد :﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال : تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة :
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعَد من البُدَلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله ﷺ قال :«إن الله عز وجل، أمر يحيى بن زكريا، عليه السلام، بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكان يبطئ بها، فقال له عيسى، عليه السلام : إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال : يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي ». قال :«فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن : أن تعبدوا الله(١٦) لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته(١٧) إلى غير سيده فأيكم يسره(١٨) أن يكون عبده كذلك ؟ وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب(١٩) من ريح المسك. وأمركم بالصدقة ؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم : هل لكم أن أفتدي نفسي(٢٠) ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا ؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعا في أثره، فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله ».
قال : وقال رسول الله ﷺ :«وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله ؛ فإنه من خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم ». قالوا : يا رسول الله، وإن صام وصلى(٢١) ؟ فقال :" وإن صلى وصام(٢٢) وزعم أنه مسلم ؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم(٢٣) الله عز وجل : المسلمين المؤمنين عباد الله " (٢٤).
هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله :" وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ".
وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال : وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل : ما الدليل على وجود الرب تعالى ؟ فقال : يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير ؟
وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم : دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا : هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال : ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع ! ! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي : أنه سئل عن وجود الصانع، فقال : هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال : هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.
وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد :
| تأمل في نبات الأرض وانظر | إلى آثار ما صنع المليك |
| عيون من لجين شاخصات | بأحداق هي الذهب السبيك |
| على قضب الزبرجد شاهدات | بأن الله ليس له شريك |
وقال ابن المعتز :
| فيا عجبًا كيف يعصى الإله | أم كيف يجحده الجاحد |
| وفي كل شيء له آية | تدل على أنه واحد |
٢ في جـ: "فراشا" وهو خطأ..
٣ صحيح البخاري برقم (٤٧٦١) وصحيح مسلم برقم (٦٨)..
٤ في جـ: "ولا"..
٥ رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٣٧٣) ومسلم في صحيحه برقم (٣٠)..
٦ في جـ: "ليقول"..
٧ رواه أبو داود في السنن برقم (٤٩٨٠) من حديث حذيفة رضي الله عنه..
٨ ورواه الإمام أحمد في المسند (٥/٧٢) من طريق بهز وعفان عن حماد بن سلمة به..
٩ رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢١١٨) عن هشام بن عمار، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير به، وقال البوصيري في الزوائد (٢/١٥١): "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط البخاري لكنه منقطع بين سفيان وبين عبد الملك بن عمير"..
١٠ في جـ: "أندادا"..
١١ سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٨٢٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢١١٧) وقال البوصيري في الزوائد (١/١٥٠): "هذا فيه الأجلح بن عبد الله، مختلف فيه".
.
١٢ في جـ: "تعالى"..
١٣ زيادة من جـ، ط..
١٤ في جـ: "لأن هذا"..
١٥ في جـ: "وقال"..
١٦ في جـ: "الله وحده"..
١٧ في جـ، أ: "عمله"..
١٨ في جـ: "سره"..
١٩ في ب: "أطيب عند الله".
.
٢٠ في جـ، ب، أ، و: "نفسي منكم"..
٢١ في جـ: "وصلى وزعم أنه مسلم"..
٢٢ في أ: "وإن صلى وإن صام"..
٢٣ في جـ، ط: "بل بما سماهم"..
٢٤ المسند (٤/١٣٠).
.
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
هذا أمر عام لكل(١) الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى :﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
ثم استدل على وجوب عبادته وحده، بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم، فخلقكم بعد العدم، وخلق الذين من قبلكم، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها، وتنتفعون بالأبنية، والزراعة، والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع(٢) الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم، وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم، كالشمس، والقمر، والنجوم.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والسماء :[ هو ] كل ما علا فوقك فهو سماء، ولهذا قال المفسرون : المراد بالسماء هاهنا : السحاب، فأنزل منه تعالى ماء، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ كالحبوب، والثمار، من نخيل، وفواكه، [ وزروع ] وغيرها ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ به ترتزقون، وتقوتون وتعيشون وتفكهون.
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي : نظراء وأشباها من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبون الله، وهم مثلكم، مخلوقون، مرزوقون مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن الله ليس له شريك، ولا نظير، لا في الخلق، والرزق، والتدبير، ولا في العبادة(٣) فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك ؟ هذا من أعجب العجب، وأسفه السفه.
وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته، وبطلان عبادة من سواه، وهو [ ذكر ] توحيد الربوبية، المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرا بأنه ليس له شريك في ذلك، فكذلك فليكن إقراره بأن [ الله ] لا شريك له في العبادة، وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك.
وقوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يحتمل أن المعنى : أنكم إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أن يكون المعنى : أنكم إذا عبدتم الله، صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى، وكلا المعنيين صحيح، وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة، كان من المتقين، ومن كان من المتقين، حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه.
٢ - في ب: وجوه..
٣ - في ب: ولا في الألوهية والكمال..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
-[٤٥]-
{٢١ - ٢٢} ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
هذا أمر عام لكل (١) الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾.
ثم استدل على وجوب عبادته وحده، بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم، فخلقكم بعد العدم، وخلق الذين من قبلكم، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها، وتنتفعون بالأبنية، والزراعة، والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع (٢) الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم، وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم، كالشمس، والقمر، والنجوم.
﴿وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والسماء: [هو] كل ما علا فوقك فهو سماء، ولهذا قال المفسرون: المراد بالسماء هاهنا: السحاب، فأنزل منه تعالى ماء، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ كالحبوب، والثمار، من نخيل، وفواكه، [وزروع] وغيرها ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ به ترتزقون، وتقوتون وتعيشون وتفكهون.
﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: نظراء وأشباها من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبون الله، وهم مثلكم، مخلوقون، مرزوقون مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن الله ليس له شريك، ولا نظير، لا في الخلق، والرزق، والتدبير، ولا في العبادة (٣) فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب، وأسفه السفه.
وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته، وبطلان عبادة من سواه، وهو [ذكر] توحيد الربوبية، المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرا بأنه ليس له شريك في ذلك، فكذلك فليكن إقراره بأن [الله] لا شريك له في العبادة، وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يحتمل أن المعنى: أنكم إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إذا عبدتم الله، صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى، وكلا المعنيين صحيح، وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة، كان من المتقين، ومن كان من المتقين، حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه. ثم قال تعالى:
(٢) في ب: وجوه.
(٣) في ب: ولا في الألوهية والكمال.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢١ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- أَندَادًا
- نُظَرَاءَ، وَأَمْثَالًا.
إعراب الآية ٢٢ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٢]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً... الَّذِي: نعت لربكم وإن شئت كان نعتا للذي خلقكم، وصلح أن يقال نعت للنعت لأن النعت هو المنعوت في المعنى، ويجوز أن يكون منصوبا بتتقون، ويجوز أن يكون بمعنى أعني، وأن يكون في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف ويجوز «جعل لكم» «٢» مدغما لأن الحرفين مثلان قد كثرت الحركات، وترك الإدغام أجود لأنها من كلمتين. الْأَرْضَ فِراشاً مفعولان لجعل.
وَالسَّماءَ بِناءً عطف، والسماء تكون جمعا لسماوة وسماءة، وتكون واحدة مؤنّثة مثل عناق وتذكيرها شاذّ، وجمعها سماوات وسماءات وأسم وسمايا، وَالسَّماءَ: المطر، مذكّر، وكذلك السقف في المستعمل، وجمعها أسمية وسميّ وسميّ «٣». «وبناء» يقصر على أنه جمع بنية ومصدر، ويقال: بنيّ جمع بنية وفي الممدود في الوقف خمس لغات: أجودها و «السماء بناء» بهمزة بين ألفين ويجوز تخفيف الهمزة حتى تضعف، ويجوز حذفها لقربها من الساكن وهي بين ساكنين فإذا حذفتها حذفت الألف بعدها فقلت: «بنا» لفظه كلفظ المقصور، ومن العرب من يزيد بعده في صورته مدّة، ومنهم من يعوض من الهمزة ياء فيقول: بنيت بنايا، والبصريون يقولون: هو مشبّه بخطايا، والفراء يقول: ردت الهمزة إلى أصلها لأن أصلها الياء. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً والأصل في ماء موه قلبت الواو ألفا لتحرّكها وتحرّك ما قبلها فقلت: ماه، فالتقى حرفان خفيّان فأبدلت من الهاء همزة لأنها أجلد وهي بالألف أشبه فقلت: ماء فالألف الأولى عين الفعل وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو
(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٢٣٧.
(٣) اللسان (سما).
القراءات في الآية ٢٢ من سورة البقرة
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
جَعَلَ لَكُمُ
ادغام اللام في اللام ادغاماً كبيراً
اظهار اللام الأولى مفتوحة
الموضوعات القرآنية للآية ٢٢ من سورة البقرة
١٦ موضوعًا تتناولها هذه الآية
- إستقرار الأرض
- إنزاله من االسماء
- الإنبات به
- تحريم الشرك باللّه
- تسخيرهما وما فيهما لصالح الإنسان
- الثمر
- الثمار نعمة توجب شكر الخالق وتنزيهه
- سنن الله في خلقه [التمكين للإنسان في عمارة الأرض]
- ضرورة العمل بموجبات العلم
- عمومية المنفعة بالمال لأن ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض مسخّر لكل عباد الله
- الفرش
- الله [الرزّاق وباسط الرزق ومقدِّره]
- موجبات التفكر [لا ترى في خلق الرحمن من تفاوت]
- مرسل الرياح ومنزل الغيث
- النهي القاطع عن الشّرك بالله
- هكذا ييسّر الله الرزق للأحياء
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٤٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٢٨ قولًاعن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيّ، والسدي، والربيع بن أنس، وإسماعيل بن أبي خالد، نحو ذلك١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، أي: عِدْلًا١
عن عكرمة -من طريق شَبِيبٍ- ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾: أن تقولوا: لولا كلبُنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ، لولا كلبنا في الدار. ونحو هذا١
عن قتادة، في قوله: ﴿أنْدادًا﴾، قال: شُرَكاء١
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، أي: عِدْلًا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، يقول: لا تجعلوا مع الله شركاء١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قول الله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، قال: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مِثْلَ ما جعلوا له١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: ﴿وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنّه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم الذي يدعوكم إليه الرسولُ من توحيده هو الحقُّ لا يُشَكُّ فيه١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نجيح، وغيره- في قوله: ﴿وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال: تعلمون أنّه إلهٌ واحد في التوراة والإنجيل، لا نِدَّ له١٢
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال: أنّ الله خلقكم، وخلق السموات والأرض١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنّ هذا الذي ذَكَرَ كُلَّه من صنعه؛ فكيف تعبدون غيره؟!١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يعني: المطر، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ يقول: فأخرج بالمطر من الأرض أنواعًا من الثَّمرات ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾١
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، قال: أكْفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: نَزَل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنى -تعالى ذِكْرُه- بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، أي: لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿أندادًا﴾، قال: أشْباهًا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، قال: الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صَفاةٍ١ سوداء، في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك٢
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قول الله عز وجل: ﴿أندادًا﴾. قال: الأشباه، والأمثال. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لَبِيد: أحمد الله فلا نِدَّ له بِيَدَيْهِ الخيرُ ما شاء فَعَلْ١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿أندادًا﴾، أي: عِدْلًا؛ شِرْكًا١
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشًا﴾: فهي فراشٌ يُمشى عليها، وهي المهاد والقَرار١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، مثله١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشًا﴾، قال: مِهادًا١
عن قتادة -من طريق سعيد- ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشًا﴾، قال: مِهادًا لكم١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشًا﴾، أي: مِهادًا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشًا﴾، يعني: بِساطًا١
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾، قال: بَنى السماء على الأرض كهَيْئَةِ القُبَّة، وهي سَقْفٌ على الأرض١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، مثله١
عن قتادة، مثله١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾، يعني: سَقْفًا١
آثار متعلقة بالآية
١٢ قولًاعن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: «جعلتَني لله نِدًّا، بل: ما شاء الله وحده»١
عن عَوْن بن عبد الله١، قال: خرج النبي ﷺ ذات ليلة من المدينة، فسمع مُنادِيًا يُنادِي للصلاة، فقال: الله أكبر، الله أكبر. فقال رسول الله ﷺ: «على الفطرة». فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: «خَلَع الأنداد»٢
عن قُتَيْلَةَ بنت صَيْفِيٍّ، قالت: جاء حَبْرٌ من الأَحْبار إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد، نِعْمَ القومُ أنتم، لولا أنكم تشركون. قال: «وكيف؟». قال: يقول أحدكم: لا، والكعبةِ. فقال النبي ﷺ: «إنّه قد قال: فمن حلف فلْيَحْلِف برب الكعبة». فقال: يا محمد، نِعْمَ القومُ أنتم، لولا أنكم تجعلون لله أندادًا. قال: «وكيف ذلك؟». قال: يقول أحدكم: ما شاء الله وشئتَ. فقال النبي ﷺ للحَبْر: «إنه قد قال، فمن قال منكم فليقل: ما شاء ثم شئتَ»١
عن جُبَيْر بن مُطْعِم، قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، جَهَدَت١ الأنفس، وضاعت العيال، ونَهَكَت٢ الأموال، وهلكت المواشي، اسْتَسْقِ لنا ربك، فإنّا نستشفع بالله عليك، وبك على الله، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله!». فما زال يُسَبِّح حتى عُرِف ذلك في وجوه أصحابه، فقال: «ويحك، أتدري ما الله؟! إنّ شأنه أعظمُ من ذاك، وإنه لا يُسْتَشْفَعُ به على أحد، وإنه لفوق سماواته على عرشه، وعرشه على سمواته، وسمواته على أرضيه هكذا -وقال بأصابعه مثل القُبَّة-، وإنه لَيَئِطُّ٣ به أطِيطَ الرَّحْلِ بالراكب»٤
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: شيء من أطراف السماء مُحْدِقٌ بالأرَضين والبحار، كأَطْراف الفُسْطاط١
عن القاسم بن أبي بَزَّة، قال: ليست السماءُ مُرَبَّعَةً، ولكنها مَقْبُوَّة١، يراها الناس خضراء٢
عن إياس بن معاوية -من طريق حماد بن سلمة- قال: السماء مُقَبَّبة على الأرض، مِثْل القُبَّة١
عن المُطَّلِب بن حَنطَب، أنّ النبي ﷺ قال: «ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تُمْطِرُ فيها، يصرفه الله حيث يشاء»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الجُمَحِي، عن شيخ من أهل مكة- قال: المطر مِزاجُه من الجنة، فإذا كَثُر المِزاج عظُمت البركة وإن قَلَّ المطر، وإذا قَلَّ المِزاج قَلَّت البركة وإن كَثُر المطر١
عن الحسن البصري -من طريق عمران القَطّان- أنه سُئِل: المطرُ من السماء أم من السحاب؟ قال: من السماء، إنّما السحاب عَلَمٌ١ ينزل عليه الماء من السماء٢
عن الحسن البصري -من طريق إسماعيل- قال: ما من عام بأَمْطَرَ من عام، ولكن الله يُصَرِّفه حيث يشاء، وينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة، يكتبون حيث يقع ذلك المطر، ومَن يُرْزَقُه، وما يخرج منه مع كل قَطْرَة١
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: لا أدري المطر أُنزِل قَطْرُه من السماء في السحاب، أم خُلِق في السحاب فأمطر؟١
وقفات تدبرية في الآية ٢٢ من سورة البقرة
١٣ وقفةً في هذه الآية
-
ثم أتبع الآية السابقة بقوله : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً ..﴾ وهنا برهان آخر على البعث أعظم من خلق الإنسان وهو خلق الكون.
— فرائد قرآنية
-
﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل .
— عبدالله بن عباس
-
(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:23) الإعجاز في معنى القرآن أعظم من الإعجاز في لفظه، وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه!
— بدون مصدر
-
تربية العقل على التأمل والتفكر من أهم القضايا التي استفتح الله بها كتابه.. "الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء.."
— محاسن التاويل
-
مجالس في تدبر القران تدبر أية 22 سورة البقرة
— خالد السبت
-
سورة البقرة (22)
— محمد الربيعة
-
سورة البقرة (22) الجزء الثاني
— محمد الربيعة
-
تأملات فى تفسير ابن كثير (يلعب به صبيان أهل المدينة)
— سعود بن خالد آل سعود الكبير
-
آية (٢٢) : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) * الفرق بين البناء والبنيان: كلمة بناء تطلق على عملية بناء الدار أو المسجد ، وكذلك تطلق على المبني الذي ليس له شهرة أو ميزة وقابل للتغيير والتحوير ككل بيوتنا العادية، أما إذا كان المبنى ثابتاً وتاريخياً وله مدلول وله شهرة وطويل أمد بالقرون وغير قابل للتحوير يسمى بنيان. ولذلك رب العالمين قال (وَالسَّمَاء بِنَاء) ما قال بنياناً لأن بنيان السماء يتغير وهذا ثابت علمياً.
— مختصر لمسات بيانية
-
* قال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء (22) البقرة) – (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) الصافات) .ما الفرق بين البناء والبنيان؟ في سورة البقرة كلمة بناء (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء (22)) وتأتي في مكان آخر بتعبير بنيان (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) الصافات) (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ (110) التوبة) لماذا مرة بناء ومرة بنيان؟ وفي هذا كلام عظيم يدل على أن هذا القرآن معجز بلفظه وبمعناه. كلمة بناء تطلق على ساعة عملية كم تستغرق عملية بناء الدار أو بناء الدار أو بناء العمارة أو بناء المسجد ما دمت أثناء إنشاء المبنى فهذا بناء هذا واحد ثم كلمة بناء تخصص أو تطلق على المبني الذي ليس له شهرة وليس له ميزة وقابل للتغيير والتحوير ككل بيوتنا التي عشنا فيها في صغرنا، كلنا عشنا في بيوت بيتنا كبيت الآخرين، الشارع كله، الزقاق كله، المحلّة كلها نفس البيت غرفتين وحمام ومجلس هذا بناء. إذا كان المبنى ثابتاً وتاريخياً وطويل أمد بالمئات أو بالقرون وغير قابل للتحوير يسمى بنيان. الإعجاز عجيب كل كلمة تعطي صورة دقيقة للمُسمّى بشكل لا يقبل الاختلاف. لاحظ رب العالمين لما قال (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء (22) البقرة) ما قال بنياناً لأن بنيان السماء يتغير وهذا ثابت علمياً كما جاء في القرآن (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) الذاريات) أي أن بناء السماء ليس ثابتاً وعلماء الفلك يقولون الآن شيئاً عجباً في هذا الذي يتغير في السماء، كل جزئية فيها تتغير تتطور تتبدل من مكان إلى مكان فهي ليست ثابتة ثبوتاً مثل الأهرامات. البنيان هو البناء الثابت الذي لا يتغير ويدوم قروناً مثل الأهرامات في مصر، كحدائق بابل في العراق، كالمئذنة التي بناها في المعتصم في سامراء عندما كانت سامراء عاصمة العالم لا تزال على حالها اليوم كما بناها البناء وعمرها ألف سنة تقريباً. برج إيفل، برج بيزا في إيطاليا، بناء الباستيل بناء تاريخي، بناء غوانتنامو سيبقى تاريخياً إلى يوم القيامة. حينئذ كل بناء له مدلول وله شهرة وبناؤه ثابت والكل معني أن يبقى على نسخته الأصلية هذا بنيان (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ (110) التوبة) (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) الصافات) إلى الآن محرقة سيدنا إبراهيم موجودة في العراق كمحرقة اليهود في ألمانيا موجودة. حينئذ كل بناء له شهرة له مناسبة تاريخية ، طويل الأمد يُحرص على أن لا يُغير ولا يُبدل ويبقى على حاله الأثرية والآثار ممنوع تغييرها أو تحريفها لكن قد تصان لتعود على وفق ما كانت في اليوم الأول، كل هذا يسمى بنيان.
— أحمد الكبيسي
-
قوله تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إنه لا أنداد له. فإِن قلتَ: المشركون لم يكونوا عالمين بذلك، بل كانوا يعتقدون أنَّ له أنداداً؟ قلتُ: المرادُ وأنتم تعلمون أن الأنداد لا تقدر على شيءٍ ممَّا مرَّ قبل ذلك، أو وأنتم تعلمون أنه ليس في التوراة والِإنجيل جوازُ اتخاذ الأنداد.
— كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
-
من أحكام القرآن أحكام آية 22 لسورة البقرة
— محمد بن صالح ابن عثيمين
ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
ترجمات معاني الآية ٢٢ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(22) [He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا