تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً. . .﴾
أخبرهم أنّ الله تعالى خلقهم، وعقّبه ببيان ما هو من ضروريات الأجسام المخلوقة وهو الخبر. وعبّر عنه بالفراش تنبيها على أنه نعمة لهم كالفراش الذي ينام عليه الإنسان، ويتلذذ به، ويطمئن إليه.
قال الزمخشري : والموصول إما منصوب صفة للنعت كالذي خلقكم أو على المدح والتعظيم أو رفع على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح(١).
قال ابن عرفة : لا يكون فيه ما في النصب إلا إذا كان خبرا ( لمبتدأ )(٢) مضمر لأن معناه الممدوح الذي جعل لكم وأما إذا كان مبتدأ فلا يفيد ذلك التعظيم الذي في النصب بل دونه لأنه إذا جعله خبرا يقدر المبتدأ معرفا بالألف واللام فيفيد الحصر والتعظيم، وإن جعله مبتدأ ( يقدر )(٣) خبره نكرة.
فإن قلت : هلا قيل : الذي جعل لكم ولمن قبلكم ( كما قيل ﴿الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ )(٤) فالجَواب من أوجه(٥).
قال ابن عرفة : إمّا أن يجاب بأنه من ( الحذف )(٦) من ( الثاني )(٧) لدلالة ( الأول )(٨) عليه، أو ( بأن )(٩) حصول العلم بخلق الله لهم لا يستلزم العلم بخلق الله لمن قبلهم لزوما عقليا، بخلاف الاخبار بجعل الأرض فراشا لهم بعد أن ذكر أن الله ( خلقهم )(١٠) وخلق من قبلهم فإنه لا يستلزم عقلا ( جعلها فراشا لمن قبلهم كما جعلت فراشا لهم )(١١) أو يجاب ( بأنه من تغليب المخاطب على الغائب )(١٢). أو بأن الآية خرجت مخرج الامتنان ( بما هو مأوى المخاطبين )(١٣) فامتنّ عليهم بخلقهم، ثمّ بخلق آبائهم الذين هم سبب فيهم، ثم جعل الأرض لهم فراشا ( لأنها )(١٤) سبب في دوام وجودهم ونعمة لهم، ولم يحتج إلى ذكر كونها فراشا لمن قبلهم لأن الامتنان ( إنما )(١٥) هو لها، وإنّما المخاطبون ( الأحياء، ومن )(١٦) قبلهم قد ماتوا وانتفى عنهم التكليف.
قال ابن عرفة : والأرض ( كرويّة )(١٧) والكرة الحقيقية لا يمكن أن ( يوجد )(١٨) فيها خط مستقيم بوجه حسبما برهن عليه إقليدس.
قال ابن الخطيب في الأربعين(١٩) : لما استدل على بطلان الجوهر الفرد قال : إن الكرة الحقيقية إذا ما مسّت جزءا من الأرض فإن قلنا : إنّ ذلك الجزء لا ينقسم فهو الجوهر الفرد وإن قلنا : إنه ينقسم لزم أن يكون في الكرة خط مستقيم وهو باطل(٢٠).
قال ابن عرفة : فالصواب أن الكرة محددة ( بكور )(٢١) أخر ( وضع عليها )(٢٢) ( كما تأخذ )(٢٣) رطلا من شمع فتصنع من نصفه كرة وتأخذ ( باقيه )(٢٤) تضعه على أجنابها ( تسويها به )(٢٥) وكذا تعرض الأرض قال :( قبة أزين )(٢٦) في وسط الأرض.
وذكروا أنه لا يعيش هناك أحد لكثرة ما فيها من الحرارة.
قلت : وقال الشيخ عبد الخالق(٢٧) : والحكماء لما قاسوا الأرض اختلف عليهم وسطها الحقيقي لكن الاختلاف في مواضع قريب بعضها من بعض فبنوا عليه القبة على مواضع مسافتها ثلاثة أميال حتى تحققوا أنها احتوت على وسط الأرض الحقيقي قال : ورأيت رجلا رجلا أعجميا أخبر أنه رآها وسمع فيها الأفلاك ودوي حركتها.
وأخبروا عن الحكيم ( فيتاغوش )(٢٨) (٢٩) أنه أتى عليه وقت تروحن فيه وصعد إلى قريب السماء فسمع حس الأفلاك ( قال )(٣٠) : ويسمع أحسن من ذلك الحس فنزل ( واستنبط صنعة الديباج )(٣١) مما رأى في السماء والله أعلم.
وقبة ( أزين )(٣٢) بينها وبين جبل سرنديب(٣٣) درجتان لأن عرضه درجتان في الإقليم الأول وهو عامر والدرج يقابله في الأميال مائة ميل على ما عليه الأكثرون وصحّحوه. وقيل : مائة وثمانية وقيل : ستة وستون. ومن يكن في القبة يظهر له القطبان محاذيين للأفق(٣٤).
قيل لابن عرفة : إن الفخر في المباحث المشرقية(٣٥) ذكر أن الأرض على الماء ( وجهتها الموالية )(٣٦) للماء كروية وأعلاها [ ٩و ] /مسطح ولولا ذلك لما استقرت على الماء والله أعلم(٣٧).
قوله تعالى :﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ. . .﴾
المراد بالرزق المباح فهو عند المعتزلة من مادة اللّفظ على أصلهم وعندنا من ( ناحية )(٣٨) أن الآية خرجت مخرج الامتنان والامتنان إنما يكون بالحلال ( لا بالحرام )(٣٩).
قوله تعالى :﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
أي وأنتم تعلمون الله.
قيل لابن عرفة : فيه دليل على أن كفرهم عناد ؟
قال : لا. بل هم عارفون بالله لأنهم قالوا في الأصنام ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى(٤٠) الله﴾، (٤١) وهم جاهلون بما يبطل عبادتهم الأصنام للتقرب أو ( نقول )(٤٢) ( المعنى )(٤٣) وأنتم تعلمون الآيات والدلائل التي تدلكم على عبادته، ( لكنّهم )(٤٤) لم يهتدوا ( للعثور على الوجه )(٤٥) الذي منه يدل ( الدليل إن كان ارتباط الدليل بالمدلول عقلا أو يقول : علموا الدليل، وعثروا على الوجه الذي منه يدل )(٤٦)، ولم يحصل لهم العلم بالمدلول بناء على ارتباط الدليل بالمدلول عادي.
١ - قال الزمخشري: والموصول مع صلة إما أن يكون في محل النصب وصفا كالذي خلقكم أو على المدح والتعظيم وإما أن يكون رفعا على الابتداء، وفيه ما في النصب من المدح. الكشاف: ١/٢٣٣..
٢ - ب ج د: ابتدأ..
٣ - ب ج: يقرر..
٤ - د: نقص..
٥ - أ: من ثلاثة، وفضلت حذف كلمة ثلاثة لعدم وجودها في بقية النسخ ولاقتصار جميع النسخ على ذكر هذا الوجه فقط..
٦ - د: باب..
٧ - ج هـ: الأول..
٨ - أ: الأوائل..
٩ - ب ج: يظن، د: كان..
١٠ - خالقهم..
١١ - أ: (الجملة وردت كما يلي: جعلها فراشا لهم بعد أن يكون غير موجود وإنها فراش لهم كما جعلت فراشا لمن قبلهم)..
١٢ - أ: نقص..
١٣ - د: نقص..
١٤ - أ: أنها..
١٥ - أ: اما..
١٦ - أ: نقص..
١٧ - أ: كورية..
١٨ - أ: يكون..
١٩ - كتاب الأربعين في أصول الدين لفخر الرازي المتوفى ٦٠٦هـ شرح فيه المسائل الإلهية طبع بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية سنة ١٣٥٣هـ/١٩٣٤م..
٢٠ - انظر هذه المسألة في كتاب الأربعين المسألة السابعة والعشرون في إثبات الجوهر الفرد. الحجة الخامسة: ص ٢٥٧..
٢١ - أ: بشيء..
٢٢ - ب ج: أصغر منها..
٢٣ - أ: كمن..
٢٤ - أ: باقي..
٢٥ - أ: نقص..
٢٦ - الراجح قنة آدم وهو جبل شامخ ارتفاعه ٧٤٢٠م معروف عند المسلمين والمؤرخين قيل إنها البقعة الأولى من الأرض التي لمسها آدم بقدمه عند نزوله إلى الأرض وهو يوجد بجزيرة سيلان، انظر الطبري ١/١٢١ – ١٢٦، ابن بطوطة ٤/١٨١ – ١٨٢، دائرة المعارف الإسلامية: ١٣/١٢. ملاحظة: جاء في تفسير المنار: ١/٢٧٩ وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة..
٢٧ - الراجح: أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث السيوري خاتمة علماء إفريقية وآخر شيوخ القيروان أخذ عن أبي عبد الله بن سفيان المقرئ وغيره وعنه عبد الحميد الصائغ واللخمي وابن سعدون وغيرهم له تعليق على المدونة وكان يحفظها توفي ٤٦٠هـ، انظر شجرة النور ص ١١٦..
٢٨ - فيتاغورس هو فيلسوف رياضي إغريقي قال بخلود الروح واشتهر في عصره بروحانياته مع اتباعه ومعرفته بالرياضيات وإليه تنسب عدة قواعد، انظر دائرة المعارف الإسلامية: ١٣/١٣..
٢٩ - أ: فيتاغوش، ج: فبثاغوث..
٣٠ - أ: نقص..
٣١ - د: فامتشط ولبس الديباج..
٣٢ - ج: ازس..
٣٣ - سرنديب أو سيلان وهي جزيرة قبالة الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الهندية أشار إليها ابن خرداذبه حوالي سنة ٢٣٠هـ في مؤلفه المسالك والممالك ( المكتبة الجغرافية العربية ٦/ ٦٣ – ٧٠) وهو أقدم كتاب في تقويم البلدان وصل إلينا باسم سرنديب وهو تحريف للاسم السنسكريتي، سنهلدقبيا، وتستعمل سرنديب أيضا بمعنى أضيق من ذلك للدلالة على تلك الناحية التي تقع فيها قنة آدم ( التعليق ب، ص ١٨٠)، انظر دائرة المعارف الإسلامية: ١٣/١٣..
٣٤ - انظر هذه المسألة ذكرها فخر الدين الرازي في كتاب الأربعين في المسألة السابعة والعشرين في إثبات الجوهر الفرد ص ٢٥٣ وما بعدها. وانظر أيضا ابن التلمساني في شرح المعالم الدينية مخطوط دار الكتب الوطنية رقم ١٤٩١٩، ص ٣٢ ظ وما بعدها..
٣٥ - المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ جمع فيه آراء الحكماء السالفين ونتائج أقوالهم وأجاب عنهم. طبع طبعة أولى بالهند ١٣٤٣هـ/١٩٢٣م..
٣٦ - أ: وجهها الموالي، ج: جهتها الواطية..
٣٧ - ذكرت هذه المسألة في المباحث المشرقية: ص ١٤٠ – ١٩٩..
٣٨ - أ: من ناحيته..
٣٩ - ج: والحرام..
٤٠ - أ: قال..
٤١ - قوله تعالى: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، الزمر الآية: ٣..
٤٢ - أ: يقول، ب ج: يقول. بإسقاط نقطتي الياء..
٤٣ - أ: نقص..
٤٤ - أ: لكن، هـ: لكم..
٤٥ - أ: للوجه..
٤٦ - ب هـ: نقص..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى