غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿خلقكم﴾ مدغماً : أبو عمرو وكذلك كل ما كان قبلها متحرك. وازاد عباس كل ما كان قبلها ساكن مثل ﴿ما خلقكم﴾ ﴿وصديقكم﴾ و﴿بورقكم﴾ و﴿ميثاقكم﴾ وأشباه ذلك. قال ابن مجاهد : يدغمها بإظهار صوت القاف. وقال غيره -وهو ابن مهران- لا يظهر ذلك وكل صواب.
الوقوف :﴿تتقون﴾ ( ه ) لأن ﴿الذي﴾ صفة الرب تعالى. ﴿بناء﴾ ( ص ) لعطف الجملتين المتفقتين ﴿لكم﴾ ( ج ) لانقطاع النظم مع فاء التعيب. ﴿تعلمون﴾ ( ه ).
وأما قوله :﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ الآية. فنقول : فيه لفظ ﴿الذي﴾ مع صلته، إما أن يكون في محل النصب بدلاً من ﴿الذي خلقكم﴾ أو على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعاً على المدح أيضاً أي " هو الذي "، وكلمة ﴿الذي﴾ موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة. فقوله ﴿جعل لكم الأرض فراشاً﴾ قضية معلومة فأدخل عليها ﴿الذي﴾ كي ينتبهوا للجاعل ويعترفوا به. والحاصل أنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل : اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض فراشاً والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه منشؤه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم. وأيضاً خلق المكلفين أحياء قادرين، أصل لجميع النعم. وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع. وأيضاً كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم.
( وههنا مسائل ) :
الأولى في منافع الأرض : الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستوياً كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها. ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك الهبوط صعود أيضاً إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١] ومما منَّ الله تعالى به على عباده في خلق الأرض أنها لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر، ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الأبنية منها ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار. ومنها أنها لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتسخن منها فيمكن جوارها. ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنها لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة والمنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفاً، وصار مجموع الأرض والماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك فيما بين الخافقين. تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر. ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها. ومنها أن يتخمر الرطب به فيحصل التماسك في أبدان المركبات. ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الأعراض والحاجات ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ [الرعد: ٤] ومنها اختلاف ألوانها ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] ومنها انصداعها بالنبات ﴿والأرض ذات الصدع﴾
[الطارق: ١٢] ومنها جذبها للماء المنزل من السماء ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾ [المؤمنون: ١٨] ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها
﴿والأرض مددناها﴾ [ق: ٧] ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة تأخذ واحدة وترد سبعمائة ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ [البقرة: ٢٦١] ومنها حياتها وموتها ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ [يس: ٣٣] ومنها الدواب المختلفة
﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤] ومنها النباتات المتنوعة ﴿وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾ [ق: ٧] فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾
[طه: ٥٤] ومنها الطعام، ومنها الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود.
ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير. ومنها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة، ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة. والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً، ومن ههنا اشتهر في الألسنة " من طلب المال بالكيمياء أفلس ". ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب، وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ. ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما عددنا، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر.
الثانية في منافع السماء : البناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً. ثم إن الله تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ [الملك: ٥] وبالقمر ﴿وجعل القمر فيهن نوراً﴾ [نوح: ١٦] وبالشمس
﴿وجعل الشمس سراجاً﴾ [نوح: ١٦] وبالعرش ﴿رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩] وبالكرسي ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] وباللوح ﴿في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢٢] وبالقلم ﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١] وسماها سقفاً محفوظاً وسبعاً طباقاً وسبعاً شداداً. وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة
﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا﴾ [ص: ٢٧] وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعاً يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروباً يصلح معه الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضاً لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا. فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، وههنا نكتة، كأن الله تعالى يقول : لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه. أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله سبباً لإقامة الفصول الأربعة. ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن. وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد. وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة. وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلاً قليلاً للشتاء. وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت الشرعية، ومنه تحصيل النماء والرواء، وقد جعل الله تعالى في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة. يحكى أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر فقال : إن الله صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كوّرك، فلا أعلم مزيداً أساله لك، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً ثم أنشأ يقول :
وقد كان في العرب من يذم القمر ويقول : القمر يدرك الهارب، ويهتك العاشق، ويبلي الكتاب، ويهرم الشاب، وينسي ذكر الأحباب، ويقرب الدين، ويدني الحين. وكيفية ارتباط القمر وسائر الكواكب بالشمس وكمية حركتها وبيان اختلافات أوضاعها وعلل كل منها، فن برأسه لا يحتمل إيراده ههنا. قال الجاحظ : إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه. فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيآت لمنافعه، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية.
الثالثة في أن السماء أفضل أم الأرض : قال بعضهم : السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم عليه السلام بتلك المعصية أهبط من الجنة وقال الله تعالى : لا يسكن في جواري من عصاني. وقال تعالى :﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقال :﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا﴾
[الفرقان: ٦١] وورد في الأكثر ذكر السماء مقدماً على ذكر الأرض. والسم
الوقوف :﴿تتقون﴾ ( ه ) لأن ﴿الذي﴾ صفة الرب تعالى. ﴿بناء﴾ ( ص ) لعطف الجملتين المتفقتين ﴿لكم﴾ ( ج ) لانقطاع النظم مع فاء التعيب. ﴿تعلمون﴾ ( ه ).
وأما قوله :﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ الآية. فنقول : فيه لفظ ﴿الذي﴾ مع صلته، إما أن يكون في محل النصب بدلاً من ﴿الذي خلقكم﴾ أو على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعاً على المدح أيضاً أي " هو الذي "، وكلمة ﴿الذي﴾ موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة. فقوله ﴿جعل لكم الأرض فراشاً﴾ قضية معلومة فأدخل عليها ﴿الذي﴾ كي ينتبهوا للجاعل ويعترفوا به. والحاصل أنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل : اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض فراشاً والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه منشؤه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم. وأيضاً خلق المكلفين أحياء قادرين، أصل لجميع النعم. وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع. وأيضاً كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم.
( وههنا مسائل ) :
الأولى في منافع الأرض : الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستوياً كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها. ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك الهبوط صعود أيضاً إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١] ومما منَّ الله تعالى به على عباده في خلق الأرض أنها لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر، ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الأبنية منها ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار. ومنها أنها لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتسخن منها فيمكن جوارها. ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنها لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة والمنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفاً، وصار مجموع الأرض والماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك فيما بين الخافقين. تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر. ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها. ومنها أن يتخمر الرطب به فيحصل التماسك في أبدان المركبات. ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الأعراض والحاجات ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ [الرعد: ٤] ومنها اختلاف ألوانها ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] ومنها انصداعها بالنبات ﴿والأرض ذات الصدع﴾
[الطارق: ١٢] ومنها جذبها للماء المنزل من السماء ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾ [المؤمنون: ١٨] ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها
﴿والأرض مددناها﴾ [ق: ٧] ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة تأخذ واحدة وترد سبعمائة ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ [البقرة: ٢٦١] ومنها حياتها وموتها ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ [يس: ٣٣] ومنها الدواب المختلفة
﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤] ومنها النباتات المتنوعة ﴿وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾ [ق: ٧] فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾
[طه: ٥٤] ومنها الطعام، ومنها الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود.
ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير. ومنها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة، ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة. والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً، ومن ههنا اشتهر في الألسنة " من طلب المال بالكيمياء أفلس ". ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب، وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ. ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما عددنا، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر.
الثانية في منافع السماء : البناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً. ثم إن الله تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ [الملك: ٥] وبالقمر ﴿وجعل القمر فيهن نوراً﴾ [نوح: ١٦] وبالشمس
﴿وجعل الشمس سراجاً﴾ [نوح: ١٦] وبالعرش ﴿رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩] وبالكرسي ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] وباللوح ﴿في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢٢] وبالقلم ﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١] وسماها سقفاً محفوظاً وسبعاً طباقاً وسبعاً شداداً. وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة
﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا﴾ [ص: ٢٧] وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعاً يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروباً يصلح معه الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضاً لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا. فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، وههنا نكتة، كأن الله تعالى يقول : لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه. أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله سبباً لإقامة الفصول الأربعة. ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن. وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد. وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة. وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلاً قليلاً للشتاء. وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت الشرعية، ومنه تحصيل النماء والرواء، وقد جعل الله تعالى في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة. يحكى أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر فقال : إن الله صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كوّرك، فلا أعلم مزيداً أساله لك، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً ثم أنشأ يقول :
| ماذا أقول وقولي فيك ذو قصر | وقد كفيتني التفصيل والجملا |
| إن قلت لا زلت مرفوعاً فأنت كذا | أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا |
الثالثة في أن السماء أفضل أم الأرض : قال بعضهم : السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم عليه السلام بتلك المعصية أهبط من الجنة وقال الله تعالى : لا يسكن في جواري من عصاني. وقال تعالى :﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقال :﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا﴾
[الفرقان: ٦١] وورد في الأكثر ذكر السماء مقدماً على ذكر الأرض. والسم