جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اختلف أهل التأويل فيما دلّ عليه هذا القول من الله تعالى ذكره فقال بعضهم : دلّ على أنه إن طلق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : الطّلاقُ مَرّتانِ فإن امرأته تلك لا تحلّ له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، يعني به غير المطلق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : جعل الله الطلاق ثلاثا، فإذا طلقها واحدة فهو أحقّ بها ما لم تنقض العدة، وعدتها ثلاث حيض، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها فقد بانت منه، وصارت أحق بنفسها، وصار خاطبا من الخطاب، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة في قُبْل عدتها عند شاهدي عدل، فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها، وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدة، وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة أخرى في قُبْل عدتها، فإن بدا له مراجعتها راجعها، فكانت عنده على واحدة، وإن بدا له طلاقها طلقها الثالثة عند طهرها، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره : فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : فإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ يقول : إن طلقها ثلاثا، فلا تحلّ حتى تنكح زوجا غيره.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال : إذا طلق واحدة أو ثنتين فله الرجعة ما لم تنقض العدة، قال : والثالثة قوله : فإنْ طَلّقَها يعني بالثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره.
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، بنحوه.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : فإنْ طَلّقَها بعد التطليقتين فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، وهذه الثالثة.
وقال آخرون : بل دلّ هذا القول على ما يلزم مسرح امرأته بإحسان بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : الطّلاقُ مَرّتانِ. قالوا : وإنما بين الله تعالى ذكره بهذا القول عن حكم قوله : أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ وأعْلَمَ أنه إن سرح الرجل امرأته بعد التطليقتين فلا تحلّ له المسرّحة كذلك إلا بعد زوج. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ قال : عاد إلى قوله : فإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
قال أبو جعفر : والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله ﷺ في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال : أو سئل فقيل : هذا قول الله تعالى ذكره : الطّلاقُ مرّتانِ فأين الثالثة ؟ قال :«فإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ ». فأخبر ﷺ، أن الثالثة إنما هي قوله : أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ. فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله : فإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل، وأنه إنما هو بيان عن الذي يحلّ للمسرح بالإحسان إن سرّح زوجته بعد التطليقتين، والذي يحرم عليه منها، والحال التي يجوز له نكاحها فيها، وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته.
فإن قال قائل : فأيّ النكاحين عنى الله بقوله : فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ ألنكاح الذي هو جماع أم النكاح الذي هو عقد تزويج ؟ قيل : كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلاً نكاح تزويج لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحلّ للأول، وكذلك إن وطئها واطىء بغير نكاح لم تحلّ للأول بإجماع الأمة جميعا. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن تأويل قوله : فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ نكاحا صحيحا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها.
فإن قال : فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت ؟ قيل : الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه. وبعد، فإن الله تعالى ذكره قال : فإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ فلو نكحت زوجا غيره بعقب الطلاق قبل انقضاء عدتها، كان لا شك أنها ناكحة نكاحا بغير المعنى الذي أباح الله تعالى ذكره لها ذلك به، وإن لم يكن ذكر العدة مقرونا بقوله : فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ لدلالته على أن ذلك كذلك بقوله : وَالمُطَلّقاتُ يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وكذلك قوله : فَإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ وإن لم يكن مقرونا به ذكر الجماع والمباشرة والإفضاء فقد دلّ على أن ذلك كذلك بوحيه إلى رسول الله ﷺ وبيانه ذلك على لسانه لعباده. ذكر الأخبار المروية بذلك عن رسول الله ﷺ :
حدثني عبيد الله بن إسماعيل الهباري، وسفيان بن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت : سئل رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته فتزوّجت رجلاً غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحلّ لزوجها الأول ؟ فقال رسول الله ﷺ :«لا تَحِلّ لِزَوْجِها الأوّلِ حتى يَذُوقَ الآخر عُسَيْلَتها وتَذُوقَ عُسْيَلَتَهُ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ، نحوه.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال : سمعتها تقول : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ، فقالت : كنت عند رفاعة فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوّجت عبد الرحمن بن الزّبير، وإن ما معه مثل هُدْبة الثوب، فقال لها :«تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ ؟ لا، حتى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَك ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، نحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني عقيل، عن ابن شهاب، قال : ثني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ ﷺ أخبرته أن امرأة رفاعة القرظي جاءت رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله، فذكر مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته، فبتّ طلاقها، فتزوجها بعدُ عبد الرحمن بن الزّبير، فجاءت النبي ﷺ فقالت : يا نبي الله إنها كانت عند رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير، وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل الهدبة. فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قال لها :«لَعلّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ ؟ لا، حتى تذُوِقي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ » قالت : وأبو بكر جالس عند النبي ﷺ وخالد بن سعيد بن العاص بباب الحجرة لم يؤذن له، فطفق خالد ينادي يا أبا بكر يقول : يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله ﷺ ؟.
حدثنا محمد بن يزيد الأودي، قال : حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال :«لاَ حّتى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِها ما ذَاقَ الأوّلُ ».
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، قال : سمعت عبيد الله، قال : سمعت القاسم يحدّث عن عائشة، قال : قالت : قال رسول الله ﷺ :«لاَ حتى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِها ما ذَاقَ صَاحِبُهُ ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال : حدثنا القاسم، عن عائشة، أن رجلاً طلق امرأته ثلاثا، فتزوّجت زوجا، فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله ﷺ : أتحلّ للأوّل ؟ قال :«لاَ حّتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها كمَا ذَاقَ الأوّلُ ».
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا موسى بن عيسى الليثي، عن زائدة، عن عليّ بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ، قال :«إذَا طَلّقَ الرّجُلُ امْرأتَه ثَلاثا لَمْ تَحِلّ لَهُ حتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ، فَيَذُوقَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُما عُسَيْلَةَ صَاحِبِهِ ».
حدثني العباس بن أبي طالب، قال : أخبرنا سعيد بن حفص الطلحي، قال : أخبرنا شيبان، عن يحيى، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال :«حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها ».
حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال : ثني أبي، قال : حدثنا شيبان، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا، فتتزوّج غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال :«لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها ».
حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي، قال : حدثنا هشام بن عبد الملك، قال : حدثنا محمد بن دينار، قال : حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ في رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها آخر فطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى زوجها الأول ؟ قال :«لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ ».
حدثني يعقوب بن إبراهيم، ويعقوب بن ماهان، قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن عبيد الله بن العباس : أن الغميصاء أو الرميصاء جاءت إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، وتزعم أنه لا يصل إليها، قال : فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها، فزعم أنها كاذبة، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله ص

تفسير هذه الآية من كتب أخرى