جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذَلِكُمْ أَزْكَىَ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾
ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل كانت له أخت كان زوّجها من ابن عم لها، فطلقها وتركها فلم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها منه، فأبى أن يزوّجها إياه ومنعها منه وهي فيه راغبة.
ثم اختلف أهل التأويل في الرجل الذي كان فعل ذلك فنزلت فيه هذه الآية، فقال بعضهم : كان ذلك الرجل معقل بن يسار المُزَني. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن معقل بن يسار، قال : كانت أخته تحت رجل فطلقها ثم خلا عنها حتى إذا انقضت عدتها خطبها، فحَمِيَ معقل من ذلك أَنَفا وقال : خلا عنها وهو يقدر عليها فحال بينه وبينها. فأنزل الله تعالى ذكره : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ إذَا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بالمَعْرُوفِ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن معقل بن يسار : أن أخته طلقها زوجها، فأراد أن يراجعها، فمنعها معقل، فأنزل الله تعالى ذكره : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ. . . إلى آخر الآية.
حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا عباد بن راشد، قال : حدثنا الحسن، قال : ثني معقل بن يسار، قال : كانت لي أخت تُخطَب وأمنعها الناس، حتى خطب إليّ ابن عم لي فأنكحتها، فاصطحبا ما شاء الله، ثم إنه طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم خطبت إليّ فأتاني يخطبها مع الخطاب، فقلت له : خطبت إليّ فمنعتها الناس، فآثرتك بها، ثم طلقت طلاقا لك فيه رجعة، فلما خطبت إليّ آتيتني تخطبها مع الخطاب ؟ والله لا أنكحها أبدا قال : ففيّ نزلت هذه الآية : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ إذَا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بالمَعْرُوفِ قال : فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ إذَا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بالمَعْرُوفِ ذكر لنا أن رجلاً طلق امرأته تطليقة، ثم خلا عنها حتى انقضت عدتها، ثم قرّب بعد ذلك يخطبها والمرأة أخت معقل بن يسار فأنف من ذلك معقل بن يسار، وقال : خلا عنها وهي في عدتها ولو شاء راجعها، ثم يريد أن يراجعها وقد بانت منه ؟ فأبى عليها أن يزوّجها إياه. وذكر لنا أن نبيّ لله لما نزلت هذه الآية دعاه فتلاها عليه، فترك الحمية واستقاد لأمر الله.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن يونس، عن الحسن قوله تعالى : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ إلى آخر الآية، قال : نزلت هذه الآية في معقل بن يسار. قال الحسن : حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال : زوّجت أختا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له : زوّجتك وفرشتك أختي وأكرمتك، ثم طلقتها، ثم جئت تخطبها ؟ لا تعود إليك أبدا قال : وكان رجل صدق لا بأس به، وكانت المرأة تحبّ أن ترجع إليه، قال الله تعالى ذكره : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ إذَا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بالمَعْرُوفِ قال : فقلت الآن أفعل يا رسول الله فزوّجها منه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو بكر الهذلي، عن بكر بن عبد الله المزني، قال : كانت أخت معقل بن يسار تحت رجل فطلقها، فخطب إليه، فمنعها أخوها، فنزلت : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ. . . إلى آخر الآية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ الآية، قال : نزلت في امرأة من مزينة طلقها زوجها وأبينت منه، فنكحها آخر، فعضلها أخوها معقل بن يسار يضارّها خيفة أن ترجع إلى زوجها الأوّل.
قال ابن جريج : وقال عكرمة : نزلت في معقل بن يسار، قال ابن جريج أختهُ جميَل ابنة يسار كانت تحت أبي البداح طلّقها، فانقضت عدتها، فخطبها، فعضلها معقل بن يسار.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ إذَا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بالمَعْرُوفِ نزلت في امرأة من مزينة طلقها زوجها فعضلها أخوها أن ترجع إلى زوجها الأول وهو معقل بن يسار أخوها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه لم يقل فيه : وهو معقل بن يسار.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : أخبرنا ابن المبارك، قال : أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق الهمداني : أن فاطمة بنت يسار طلقها زوجها، ثم بدا له فخطبها، فأبى معقل، فقال : زوّجناك فطلقتها وفعلت فأنزل الله تعالى ذكره : فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله : فَلا تَعْضُلُوهُنّ قال : نزلت في معقل بن يسار، كانت أخته تحت رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء فخطبها، فعضلها معقل، فأبى أن ينكحها إياه، فنزلت فيها هذه الآية يعني به الأولياء يقول : فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن رجل، عن معقل بن يسار قال : كانت أختي عند رجل فطلقها تطليقة بائنة، فخطبها، فأبيت أن أزوّجها منه، فأنزل الله تعالى ذكره : فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُن. . . الآية.
وقال آخرون : كان الرجل جابر بن عبد الله الأنصاري. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : وَإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنّ إذَا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بالمَعْرُوفِ. قال : نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها، فأما جابر فقال : طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية وكانت المرأة تريد زوجها قد راضته، فنزلت هذه الآية.
وقال آخرون : نزلت هذه الآية دلالة على نهي الرجل عن مضارّة وليته من النساء، يعضلها عن النكاح. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنّ فهذا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين فتنقضي عدّتها، يبدو له في تزويجها وأن يراجعها، وتريد المرأة، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله سبحانه أن يمنعوها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلُهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنّ إذَا تَرَاضُوْا بَيْنَهُمْ بالمَعْرُوفِ كان الرجل يطلق امرأته تبين منه، وينقضي أجلها، ويريد أن يراجعها، وترضى بذلك، فيأبى أهلها، قال الله تعالى ذكره : فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنُهُمْ بالمَعْرُوفِ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق في قوله : فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنّ قال : كان الرجل يطلق امرأته، ثم يبدو له أن يتزوّجها، فيأبى أولياء المرأة أن يزوجوها، فقال الله تعالى ذكره : فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوف.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أصحابه، عن إبراهيم في قوله : وإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنّ قال : المرأة تكون عند الرجل فيطلقها، ثم يريد أن يعود إليها فلا يعضلها وليها أن ينكحها إياه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني الليث، عن يونس، عن ابن شهاب : قال الله تعالى ذكره : وإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنّ. . . الآية، فإذا طلق الرجل المرأة وهو وليها، فانقضت عدّتها، فليس له أن يعضلها حتى يرثها ويمنعها أن تستعف بزوج.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال أخبرنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وإذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ هو الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يسكت عنها، فيكون خاطبا من الخطاب، فقال الله لأولياء المرأة : لا تعضلوهن، يقول : لا تمنعوهنّ أن يرجعن إلى أزواجهن بنكاح جديد إذا تراضوا بينهم بالمعروف إذا رضيت المرأة وأرادت أن تراجع زوجها بنكاح جديد.
والصواب من القول في هذه الآية أن يقال : إن الله تعالى ذكره أنزلها دلالة على تحريمه على أولياء النساء مضارة من كانوا له أولياء من النساء بعضلهنّ عمن أردن نكاحه من أزواج كانوا لهنّ، فبنّ منهنّ بما تبين به المرأة من زوجها من طلاق أو فسخ نكاح. وقد يجوز أن تكون نزلت في أمر معقل بن يسار وأمر أخته أو في أمر جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمه، وأي ذلك كان فالآية دالة على ما ذكرت.
ويعني بقوله تعالى : فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لا تضيقوا عليهن بمنعكم إياهنّ أيها الأولياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد تبتغون بذلك مضارتهن، يقال منه : عضل فلان فلانة عن الأزواج يعضلها عضلاً.
وقد ذكر لنا أن حيا من أحياء العرب من لغتها : عَضِلَ يَعْضَلُ، فمن كان من لغته عضِل، فإنه إن صار إلى يَفْعَلِ، قال : يَعْضَل بفتح الضاد، والقراءة على ضم الضاد دون كسرها، والضم من لغة من قال عَضَل. وأصل العَضْل : الضيق، ومنه قول عمر رحمة الله عليه :«وقد أعضل بي أهل العراق، لا يرضون عن وال، ولا يرضى ع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى