تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( والوالدات يرضعن أولادهن ) هذا خبر بمعنى الأمر. ( حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ).
فالحولان :( مدة ) (١) الرضاع، فإن قال قائل : لم قال : كاملين ؟ قيل : لأن الحولين قد ينطلق على الحول وبعض الحول الثاني، كما في قوله :( الحج أشهر معلومات ) (٢) أطلق الأشهر على شهرين وبعض الثالث، فقال : كاملين ليعرف أنه أراد تمام الحولين. وقيل : إنما قاله تأكيدا.
وروى أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح، فجاء زوجها إلى عثمان في ذلك. فهم عثمان رضي الله عنه برجمها، فقال علي : لا سبيل لك عليها ؛ لأن الله تعالى يقول :( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) (٣) وقال :( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) فإذا ذهب الفصال حولين، بقي للحمل ستة أشهر، فتركها عثمان، ودرأ الحد.
وقوله تعالى :( وعلى المولود له ) يعني : الزوج أبو الولد. ( رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) وذلك نفقة مدة الرضاع. ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) إلا طاقتها، يعني : على الموسع بقدر وسعه، وعلى المقتر بقدر طاقته.
وقوله تعالى :( لا تضار والدة بولدها ) بفتح الراء. وقرأ أبو عمرو وغيره بضم الراء. وقرأ أبان [ عن ] (٤) عاصم :" لا تضارر " وفي الشواذ(٥). فمن قرأ بفتح الراء فمعناه : لا تضار المرأة بولدها. يعني : لا ينتزع الأب ولدها منها، فيسلمه إلى غيرها وهي راغبة في الإرضاع.
ويحتمل أن معناه : أن المرأة لا تضار بولدها فتتركه ( لغيرها )، وتمتنع من الإرضاع.
ومن قرأ بالرفع فهذا أيضا معناه، وهو معنى القراءة الثالثة.
وقوله تعالى :( ولا مولود له بولده ) يعني الأب لا يضر بولده فيسلم إلى غير الأم.
وقوله تعالى :( وعلى الوراث مثل ذلك ) قال عمر : أراد به على غير الوالدين مثل ذلك النفقة، وهذا قول أبي حنيفة، فإنه يوجب نفقة القرابة على الإخوة والأعمام.
والقول الثاني : أراد بمثل ذلك : ترك المضارة. وهو قول ابن عباس، ولم ير النفقة على غير الوالدين. وهذا مذهب مالك والشافعي.
وفيه قول ثالث : أراد بالوارث هذا : الولد، عليه نفقته من ماله إن كان له مال. وقوله تعالى :( فإن أرادا فصالا ) أي : فيما دون الحولين. ( عن تراض منهما ) يعني : من الوالدين ( وتشاور )أي : يشاور أهل العلم به حتى يخبروا أن الفصال في ذلك الوقت لا يضر بالولد. والمشاورة : استخراج الرأي. وقيل : إن عمر ركب فرسا يشوره، أي : يستخرج سيره، فعطب تحته، فحكم شريحا ؛ فقضي عليه بالضمان. وقال : إنما ركبته سوما ؛ فولاه القضاء، فقضى بعد ذلك سبعين سنة.
وقوله :( فلا جناح عليهما ) أي : فلا حرج في الفصال قبل تمام الحولين.
وقوله :( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ) أي : تستأجروا مرضعة لأولادكم، واللام محذوفة. ومعناه : أن تسترضعوا لأولادكم.
وقوله :( فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ).
يقرأ :" آتيتم " ممدودا، ويقرأ :" أتيتم " مقصورا(٦) ومعنى الأول : إذا سلمتم إلى الأم، وما آتيتم أي : ما سميتم لها من أجر الرضاع بقدر ما أرضعت. ويحتمل التسليم إلى المستأجرة أجرتها إلى الرضاع.
ومن قرأ " أتيتم " فمعناه : إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف، يعني : إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه فيما فعلتم من المعروف. ( واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ).
١ - في "ك": عدة..
٢ - البقرة: ١٩٨..
٣ - الأحقاف: ١٥..
٤ - في "الأصل وك": بن، خطأ..
٥ - قرأ ابن كثير، ويعقوب، وأبو عمرو. برفع الراء، وقرأ الباقون بفتحها واختلف على أبي جعفر في تخفيف الراء وتسكينها، أم تشديدها وفتحها انظر النشر (٢/٢٢٧)، وتفسير البغوي (١/٢١٢)..
٦ - قرأ ابن كثير بقصر الهمزة، وقرأ الباقون بالمدِّز انظر النشر (٢/٢٢٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى