الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ : كقوله :﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ فَلْيُلتفتْ إليه. والوالدُ والوالدةُ صفتان غالبتانِ جاريتانِ مَجْرى الجوامدِ، ولذلك لم يُذْكَرَ موصوفُهما.
قوله ﴿حَوْلَيْنِ﴾ منصوبٌ على ظرفِ الزمانِ، ووصفُهما بكاملين رفعاً للتجوُّز، إذ قد يُطْلَقُ " الحولان " على الناقصين شهراً وشهرين. والحَوْلُ : السنةُ، سَمُيِّتْ لتحوُّلِها، والحَوْلُ أيضاً : الحَيْلُ ويقال : لا حولَ ولا قوة، ولا حَيْلَ ولا قوة.
قوله :﴿لِمَنْ أَرَادَ﴾ في هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه متعلقٌ بيُرْضِعْنَ، وتكونُ اللامُ للتعليلِ، و " مَنْ " واقعةٌ على الآباء، أي : الوالدات يُرْضِعْنَ لأجلِ مَنْ أَرادَ إتمام الرضاعةِ من الآباءِ، وهذا نظيرٌ قولِك :" أَرْضَعَتْ فلانةٌ لفلانٍ ولدَه ". والثاني : أنها للتبيين، فتتعَلَّق بمحذوفٍ، وتكونُ هذه اللامُ كاللام في قوله تعالى :﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وفي قولهم :" سُقْياً لك ". فاللامُ بيانٌ للمدعوِّ له بالسَّقْي وللمُهَيَّتِ به، وذلك أنه لمّا ذَكَر أنَّ الوالداتِ يُرْضِعْنَ أولاَدَهُنَّ حولينِ كاملينِ بيَّن أنَّ ذلكَ الحكمَ إنما هو لِمَنْ أرادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَة. و " مَنْ " تحتمل حينئذ أن يُرادَ بها الوالداتُ فقط أو هُنَّ والوالدون معاً. كلُّ ذلك محتملٌ. والثالث : أنَّ هذه اللامَ خبرٌ لمبتدأ محذوفٌ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتقديرُ : ذلك الحكمُ لِمَنْ أرادَ. و " مَنْ " على هذا تكونُ للوالداتِ والوالدَيْنِ معا.
قوله :﴿أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ " أَنْ " وما في حَيِّزها في محلِّ نصب مفعولاً بأراد، أي : لمن أراد إتمامَها. والجمهور على " يُتمَّ الرَّضاعة " بالياء. المضمومة من " أتَمَّ " وإعمال أنْ الناصبة، ونصب " الرَّضاعة " مفعولاً به، وفتح رائها. وقرأ مجاهد والحسن وابن محيصن وأبو رجاء :" تَتِمَّ " بفتح التاء من تَمَّ، " الرضاعة " بالرفع فاعلاً وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة كذلك إلا أنهما كَسَرا راء " الرضاعة "، وهي لغةٌ كالحَضارة والحِضارة، والبصريون يقولون : فتحُ الراء مع هاء التأنيثِ وكسرُها مع عدمِ الهاء، والكوفيون يزعمون العكسَ. وقرأ مجاهد - ويُرْوى عن ابنِ عباس - :﴿أَنْ يُتِمُّ الرَّضاعة﴾ برفع " يُتِمُّ " وفيها قولان، أحدُهما قولُ البصريين : أنها " أَنْ " الناصبة أُهْمِلت حَمْلاً على " ما " أختِها لاشتراكِهما في المصدرية، وأنشدوا على ذلك قوله :
إني زعيمٌ يا نُوَيْقَةُ إنْ أَمِنْتِ من الرَّزاحِ
أنْ تهبطِين بلادَ قَوْمٍ يَرْتَعُون من الطِّلاحِ
وقولَ الآخر :
يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسَكماوحيثما كُنتما لُقِّيتما رَشَدا
أَنْ تقرآنِ على أسماءَ ويَحْكُمامني السلامَ وألاَّ تُشْعِرا أَحَدا
فأَهْملها ولذلك ثَبَتَتْ نونُ الرفع، وأَبَوأ أن يَجْعلوها المخففةَ من الثقيلةِ
لوجهين، أحد لوجهين، أحدُهما : أنه لم يُفْصَل بينها وبين الجملةِ الفعليةِ بعدَها، والثاني : أنَّ ما قبلَها ليس بفعلِ علمٍ ويقينٍ.
والثاني : وهو قولُ الكوفيين أنها المخففةُ من الثقيلة، وشَذَّ وقوعُها موقعَ الناصبةِ، كما شذَّ وقعُ " أَنْ " الناصبةِ موقعَها في قوله :
. . . . . . . . . . . . قد علمواأَنْ لا يُدانِينَا في خَلْقهِ أحدُ
وقرأ مجاهد :" الرَّضْعَة " بوزن القَصْعة. والرَّضْعُ : مَصُّ الثَّدْي : ويقال للَّئيم : راضعٌ، وذلك أنه يَخاف أن يَحْلُبَ الشاةَ فَيُسْمَعَ منه الحَلْبُ، فَيُطْلَبَ منه اللبنُ، فَيَرْتَضِعُ ثديَ الشاةِ بفَمِه.
قوله :﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ هذا الجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، والمبتدأ قولُه :" رِزْقُهن "، و " أل " في المولودِ موصولةٌ، و " له " قائمٌ مقامَ الفاعل للمولودِ، وهو عائدُ الموصولِ، تقديرُه : وعلى الذي وُلِدَ له رِزْقُهُنَّ، فَحُذِف الفاعلُ وهو الوالداتُ، والمفعولُ وهو الأولادُ، وأُقيمَ هذا الجارُّ والمجرورُ مُقامَ الفاعلِ.
وذَكَر بعضُ الناسِ أنه لا خلافَ في إقامةِ الجارِّ والمجرور مُقامَ الفاعلِ إلا السهيلي، فإنهَ مَنَع من ذلك. وليس كما ذَكَر هذا القائلُ، وأنا أبسُطُ مذاهبَ الناسِ في هذه المسألةِ، فأقول بعونِ الله : اختلف الكوفيون والبصريون في هذه المسألةِ فأجازها البصريون مطلقاً، وأما الكوفيون فقالوا : لا يَخْلو : إمَّا أن يكونَ حرفُ الجر زائداً فيجوزَ ذلك نحو : ما ضُرب من أحد، وإن كان غيرَ زائدٍ لم يَجُزْ ذلك عندَهم، ولا يجوزُ عندَهم أن يكونَ الاسمُ المجرورُ في موضعِ رفعٍ باتفاقٍ بينهم. ثم اختلفوا بعد هذا الاتفاقِ في القائمِ مقامَ الفاعل : فذهب الفراء إلى أنَّ حرفَ الجرِّ وحدَه في موضعِ رفعٍ، كما أنَّ " يقوم " من " زيد يقوم " في موضع رفعٍ. وذهب الكسائي وهِشام إلى أنَّ مفعولَ الفعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه، وهو ضَميرٌ مبهمٌ من حيثُ أَنْ يرادَ به ما يَدُلُّ عليه الفعلُ من مصدر وزمانٍ ومكانٍ ولم يَدُلَّ دليلٌ على أحدِها، وذهب بعضُهم إلى أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ ضميرُ المصدرِ، فإذا قلت :" سِيرَ بزيدٍ " فالتقديرُ : سير هو، أي : السيرُ، لأنَّ دلالةَ الفعلِ على مصدرهِ قويةٌ، وهذا يوافِقُهم فيه بعضُ البصريين. ولهذه الأقوالِ دلائلُ واعتراضاتٌ وأجوبةٌ لا يحتملها هذا الموضوعُ فَلْيُطْلب من كتبِ النَّحْويين.
قوله :﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ يجوز أن يتعلَّقَ بكلٍّ مِنْ قولِه :" رزقُهنَّ " و " كسوتُهنَّ " على أن المسألة من بابِ الإِعمالِ، وهو على إعمالِ الثاني، إذ لو أُعْمِل الأولُ لأُضْمِر في الثاني، فكان يقال : وكسوتهنَّ به بالمعروفِ. هذا إنْ أُريد بالرزقِ والكسوةِ المصدران، وقد تقَدَّم أنَّ الرزقَ يكون مصدراً، وإنْ كانَ ابنُ الطراوةِ قد رَدَّ على الفارسي ذلك في قوله :﴿مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النحل: ٧٣] كما سيأتي تحقيقُه في النحل، وإنْ أريدَ بهما اسمُ المرزوقِ والمكسوِّ كالطِّحْن والرِّعْي فلا بدَّ من حذفِ مضافٍ، تقديرُه : اتِّصالُ أو دفعُ أو ما أشبهَ ذلك مِمَّا يَصِحُّ به المعنى، ويكونُ " بالمعروف " متعلِّقاً بمحذوفٍ على أنه حالٌ منهما.
وجَعَلَ أبو البقاء العاملَ في هذه الحالِ الاستقرار الذي تَضَمَّنه " على ".
والجمهورُ على " كِسْوَتِهِنَّ " بكسر الكاف، وقرأ طلحة بضمها، وهما لغتان في المصدر واسم المكسوِّ، وفعلُها يتعدَّى لاثنين، وهما كمفعولّيْ " أعطى " في جوازِ حَذْفِهما أو حَذْفِ أحدِهما اختصاراً أو اقتصاراً. قيل : وقد يتعدَّى إلى وَاحدٍ وأنشدوا :
وَأْركَبُ في الروعِ خَيْفانَةًكسا وجَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ
ضَمَّنه معنى غَطَّى. وفيه نظرٌ لاحتمالِ أنه حُذِف أحدُ المفعولين للدلالةِ عليه، أي : كسا وجهَها غبارٌ أو نحوه.
قوله :﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ الجمهورُ على " تُكَلَّفُ " مبنياً للمفعولِ، " نفسٌ " قائمٌ مقامَ الفاعلِ وهو الله تعالى، " وُسْعَها " مفعولٌ ثانٍ، وهو استثناءٌ مفرغٌ، لأنَّ " كَلَّفَ " يتعدَّى لاثنين. قال أبو البقاء :" ولو رُفِعَ الوُسْعُ هنا لم يَجُزْ لأنه ليس ببدَلٍ ".
وقرأ أبو رجاء :﴿لاَ تَكَلَّفُ نفسٌ﴾ بفتح التاءِ والأصلُ :" تتكلف " فَحُذِفَتْ إحدى التاءين تخفيفاً : إمَّا الأولى أو الثانيةُ على خلافٍ في ذلك تقدَّم، فتكونُ " نفسٌ " فاعلاً، و " وُسْعَها " مفعول به، استثناء مفرغاً أيضاً. وَرَوى أبو الأشهب عن أبي رجاء أيضاً :﴿لا يُكَلِّفُ نفساً﴾ بإسناد الفعلِ إلى ضميرِ الله تعالى، فتكونُ " نفساً " و " وُسْعَها " مفعولَيْنِ.
والتكليفُ : الإِلزامُ، وأصلُه من الكَلَفِ، وهو الأثرُ من السَّوادِ في الوجهِ، قال :
يَهْدِي بها أَكْلَفُ الخَدَّيْنِ مُخْتَبِرٌمن الجِمالِ كثيرُ اللَّحْمَ عَيْثُومُ
وَفلانٌ كَلِفٌ بكذا : أي مُغْرىً به.
وقوله :﴿لاَ تُضَآرَّ﴾ / ابنُ كثير وأبو عمرو :" لا تضارُّ " برفع الراء مشددةً، وتوجيهُها واضحٌ، لأنه فعلٌ مضارعٌ لم يَدْخُلْ عليه ناصبٌ ولا جازمٌ فَرُفِعَ، وهذه القراءةُ مناسِبَةٌ لِما قبلِهَا من حيث إنه عَطَفَ جملةً خبريةً على خبريةً لفظاً نَهْيِيَّةٌ معنى، ويدل عليه قراءةُ الباقين كما سيأتي. وقرأ باقي السبعة بفتح الراءِ مشددةً، وتوجيهُها أنَّ " لا " ناهيةٌ فهي جازمةٌ، فَسَكَنَتِ الراء الأخيرةُ للجزمِ وقبلَها راءٌ ساكنةٌ مدغمةٌ فيها، فالتقى ساكنان فَحَرَّكْنا الثانيةَ لا الأولى، وإنْ كان الأصلُ الإِدغامَ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً وإنْ كانَ أصلُ التقاءِ الساكنينِ الكسرَ لأجلِ الألفِ إذ هي أختُ الفتحةِ، ولذلك لَمَّا رَخَّمَتِ العربُ " إسحارّ " وهو اسمُ نباتٍ قالوا :" إسحارَ " بفتح الراء خفيفةً، لأنهم لمَّا حَذَفوا الراءَ الأخيرةَ بقيتِ الراءُ الأولى ساكنةً والألفُ قبلَها ساكنةٌ فالتقى ساكنان، والألفُ لا تقبلُ الحركَةَ فحَرَّكوا الثاني وهو الراءُ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً لأجلِ الألفِ قبلَها، ولم يَكْسِروا وإنْ كان الأصلَ، لما ذكرْتُ لك من مراعاةِ الألف.
وقرأ الحسن بكسرِها مشددةً، على أصلِ التقاءِ الساكنين، ولم يُراعِ الألفَ، وقرأ أبو جعفرٍ بسكونِها مشددةً كأنه أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ فسكَّنَ، ورُوِي عنه وعن ابن هرمز بسكونِهَا مخففةً، وتَحْتمل هذه وجهين، أحدهما : أن يكونَ من ضارَ يَضير، ويكونُ السكونُ لإِجراءِ الوصلِ مُجْرى الوقف.
والثاني : أن يكونَ من ضارَّ يُضارُّ بتشديد الراءِ، وإنما استثقل تكريرَ حرفٍ هو مكررٌ في نفسِه فَحَذَفَ الثانيَ منهما، وَجَمَع بين الساكنين - أعني الألفَ والراء - إمَّا إجراءً للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وإمَّا لأنَّ الألفَ قائمةٌ مقامَ الحركةِ لكونِها حرفَ مَدٍّ.
وزعم الزمخشري " أن أبا جعفر إنما اختلس الضمة فتَوَهَّم الراوي أنه سَكَّنَ، وليس كذلك " انتهى. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك عند ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾
[البقرة: ٦٧] ونحوه.
ثم قراءةُ تسكينِ الراء تحتملُ أَنْ تكونَ مِنْ رفعٍ فتكونَ كقراءةِ ابن كثير وأبي عمرو، وأن تكونَ من فَتْح فتكونَ كقراءةِ الباقين، والأولُ أَوْلى، إِذ التسكينُ من الضمةِ أكثرُ من التسكينِ من الفتحةِ لخفتها.
وقرأ ابن عباس بكسر الراءِ الأولى والفكِّ، ورُوي عن عمر ابن الخطاب :" لا تضارَرْ " بفتح الراء الأولى والفك، وهذه لغةُ الحجاز أعني [ فكَّ ] المِثْلين فيما سَكَنَ ثانيهما للجزمِ أو للوقفِ نحو : لم تَمْرُرْ، وامرُرْ، وبنو تميم يُدْغِمون، والتنزيلُ جاء باللغتين نحو :﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] في المائدةِ، قرئ في السبعِ بالوجهين وسيأتي بيانُه واضحاً.
ثم قراءةُ مَنْ شَدَّد الراءَ مضمومةً أو مفتوحةً أو مكسورةً أو مُسْكَّنةُ أو خَفَّفها تحتملُ أن تكونَ الراءُ ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى