تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
انتقال من أحكام الطلاق والبينونة ؛ فإنه لما نهى عن العضل، وكانت بعض المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات ؛ لأن ذلك قد يضر بالأولاد، ويقلل رغبة الأزواج فيهن، كانت تلك الحالة مثار خلاف بين الآباء والأمهات، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك، فإن أمر الإرضاع مهم، لأن به حياة النسل، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة.
وأعلم أن استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين. فجملة ﴿والوالدات يرضعن﴾ معطوفة على جملة ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢] والمناسبة غير خفية.
والوالدت عام لأنه جمع معرف باللام، وهو هنا مراد به خصوص الوالدات من المطلقات بقرينة سياق الآي التي قبلها من قوله :﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولذلك وصلت هذه الجملة بالعطف للدلالة على اتحاد السياق، فقوله :﴿والوالدات﴾ معناه : والوالدات منهن، أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآي الماضية، أي المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة ؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع ؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها ؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة.
وجملة ﴿يرضعن﴾ خبر مراد به التشريع، وإثبات حق الاستحقاق، وليس بمعنى الأمر للوالدات والإيجاب عليهن ؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام المطلقات، ولأنه عقب بقوله ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا﴾ فإن الضمير شامل للآباء والأمهات على وجه التغليب كما يأتي، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه، ولكن تدل على أن ذلك حق لها، وقد صرح بذلك في سورة الطلاق بقوله ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أُخرى﴾ [الطلاق: ٦] ولأنه عقب بقوله :﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ وذلك أجر الرضاعة، والزوجة في العصمة ليس لها نفقة وكسوة لأجل الرضاعة، بل لأجل العصمة.
وقوله :﴿أولادهن﴾ صرح بالمفعول مع كونه معلوماً، إيماء إلى أحقية الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه ؛ لأن في قوله :﴿أولادهن﴾ تذكيراً لهن بداعي الحنان والشفقة، فعلى هذا التفسير وهو الظاهر من الآية والذي عليه جمهور السلف ليست الآية واردة إلاّ لبيان إرضاع المطلقات أولادهن، فإذا رامت المطلقة إرضاع ولدها فهي أولى به، سواء كانت بغير أجر أم طلبت أجر مثلها، ولذلك كان المشهور عن مالك : أن الأب إذا وجد من ترضع له غير الأم بدون أجر وبأقل من أجر المثل، لم يُجب إلى ذلك، كما سنبينه.
ومن العلماء من تأول الوالدات على العموم، سواء كن في العصمة أو بعد الطلاق كما في القرطبي والبيضاوي، ويظهر من كلام ابن الفرس في « أحكام القرآن » أنّ هذا قول مالك. وقال ابن رشد في « البيان والتحصيل » : إن قوله تعالى :﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ ومحمول على عمومه في ذات الزوج وفي المطلقة مع عسر الأب، ولم ينسبه إلى مالك، ولذلك قال ابن عطية : قوله :﴿يرضعن﴾ خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه. والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى :﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ الآية، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة.
والحول في كلام العرب : العام، وهو مشتق من تحول دورة القمر أو الشمس في فلكه من مبدأ مصطلح عليه، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه، فتلك المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولاً.
وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام.
ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولاً وبعض الثاني ؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان، على بعض المدلول، إطلاق شائع عند العرب، فيقولون : هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية، كما مر في قوله :﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقوله :﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، قال في « الكشاف » :« بيان لمن توجه إليه الحكم كقوله :﴿هيت لك﴾ [يوسف: ٢٣]، فلك بيان للمُهَيَّت له أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع » أي فهو خبر مبتدأ محذوف، كما أشار إليه، بتقدير هذا الحكمُ لمِن أراد. قال التفتازاني :« وقد يصرح بهذا المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى :﴿ذلك لمن خشى العنت منكم﴾ [النساء: ٢٥] ومَا صْدَقُ ( مَنْ ) هنا من يهمه ذلك : وهو الأب والأم ومن يقوم مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه. والمعنى : أن هذا الحكم يستحقه من أراد إتمام الرضاعة، وأباه الآخر، فإن أرادا معاً عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم من قوله :﴿فإن أرادا فصالاً﴾ الآية.
وقد جعل الله الرضاع حولين رعياً لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ما يصلح له الرضاع بعدُ، ولما كان خلاف الأبوين في مدة الرضاع لا ينشأ إلاّ عن اختلاف النظر في حاجة مزاج الطفل إلى زيادة الرضاع، جعل الله القول لمن دعا إلى الزيادة، احتياطاً لحفظ الطفل. وقد كانت الأمم في عصور قلة التجربة وانعدام الأطباء، لا يهتدون إلى ما يقوم للطفل مقام الرضاع ؛ لأنهم كانوا إذا فطموه أعطوه الطعام، فكانت أمزجة بعض الأطفال بحاجة إلى تطويل الرضاع، لعدم القدرة على هضم الطعام وهذه عوارض تختلف.
وفي عصرنا أصبح الأطباء يعتاضون لبعض الصبيان بالإرضاع الصناعي، وهم مع ذلك مجمعون على أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه، ما لم تكن بها عاهة أو كان اللبن غير مستوف الأجزاء التي بها تمام تغذية أجزاء بدن الطفل، ولأن الإرضاع الصناعي يحتاج إلى فرط حذر في سلامة اللبن من العفونة : في قوامه وإنائه. وبلاد العرب شديدة الحرارة في غالب السنة ؛ ولم يكونوا يحسنون حفظ أطعمتهم من التعفن بالمكث، فربما كان فطام الأبناء في العام أو ما يقرب منه يجر مضار للرضعاء، وللأمزجة في ذلك تأثير أيضاً.
وعن ابن عباس أن التقدير بالحولين للولد الذي يمكث في بطن أمه ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر، فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً، وهكذا بزيادة كل شهر في البطن ينقص شهر من مدة الرضاعة حتى يكون لمدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً ؛ لقوله تعالى :﴿وحمله وفصله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف: ١٥]، وفي هذا القول منزع إلى تحكيم أحوال الأمزجة ؛ لأنه بمقدار ما تنقص مدة مكثه في البطن، تنقص مدة نضج مزاجه. والجمهور على خلاف هذا وأن الحولين غاية لإرضاع كل مولود. وأخذوا من الآية أن الرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين، وأن ما بعدهما لا حاجة إليه، فلذلك لا يجاب إليه طالبه.
وعبر عن الوالد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم ؛ لأن منافع الولد منجرة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها.
والرزق : النفقة، والكسوة : اللباس، والمعروف : ما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب. والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجراً عن إرضاعها، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة، وكذلك غالب إجاراتهم ؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة، بل كانوا يتعاملون بالأشياء، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم، وهي الطعام والكسوة، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم، وعقبه بقوله :﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾.
وجمل :﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ إلى قول :﴿ولا مولود له بولده﴾ معترضات بين جملة ﴿وعلى المولود﴾ وجملة ﴿وعلى الوارث﴾ فموقع جملة لا تكلف نفس إلا وسعها تعليل لقوله ﴿بالمعروف﴾، وموقع جملة ﴿لا تضار وَالدة﴾ إلى آخرها موقع التعليل أيضاً، وهو اعتراض يفيد أصولاً عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع.
والتكليف تفعيل بمعنى جعله ذا كلفة، والكلفة : المشقة، والتكلف : التعرض لما فيه مشقة، ويطلق التكليف على الأمر بفعل فيه كلفة، وهو اصطلاح شرعي جديد.
والوسع، بتثليث الواو : الطاقة، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء، وهو ضد ضاق عنه، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول، وأصله استعارة ؛ لأن الزمخشري في « الأساس » ذكر هذا المعنى في المجاز، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملاً ذا مشقة باتساع الظرف للمحوي، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلاّ عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة.
فالوسع إن كان بكسر الواو فهو فعل بمعنى مفعول كذبح، وإن كان بضمها فهو مصدر كالصلح والبرء صار بمعنى المفعول، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة. وبني فعل تكلف للنائب ليحذف الفاعل، فيفيد حذفه عموم الفاعلين، كما يفيد وقوع نفس، وهو نكرة في سياق النفس، عموم المفعول الأول لفعل تكلف : وهو الأنفس المكلفة، وكما يفيد حذف المستثنى في قوله :﴿إلا وسعها﴾ عموم المفعول الثاني لفعل تكلف، وهو الأحكام المكلف بها، أي لا يكلف أحد نفساً إلاّ وسعها، وذلك تشريع من الله للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحداً إلاّ بما يستطيعه، وذلك أيضاً وعد من الله بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلاّ بما يستطاع : في العامة والخاصة، فقد قال في آيات ختام هذه السورة ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والآية تدل على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شريعة الإسلام، وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند قوله تعالى :﴿لا يكلفو الله نفساً إلا وسعها﴾ في آخر السورة.
وجملة ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ اعتراض ثان، ولم تعطف على التي قبلها تنبيهاً على أنها مقصودة لذاتها، فإنها تشريع مستقل، وليس فيها معنى التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ ؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه، يكاد يخرج عن طاقة الإنسان ؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون سبب نفع أشد ألماً على النفس، فكان ضره أشد. ولذلك اختير لفظ الوالدة هنا دون الأم كما تقدم في قوله :﴿يرضعن أولادهن﴾ وكذلك القول في ﴿ولا مولود له بولده﴾ وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة، فهو كالتذييل، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته، ويستغل ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه، والإشفاق عليه.
وفي « المدونة » : عن ابن وهب عن الليث عن خالد بن يزيد عن زيد بن أسلم في قوله تعالى :﴿لا تضار والدة بولدها﴾ الآية « يقول ليس لها أن تلقي ولدها عليه ولا يجد من يرضعه، وليس له أن ينتزع منها ولدها، وهي تحب أن ترضعه » وهو يؤيد ما ذكرناه.
وقيل :
وأعلم أن استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين. فجملة ﴿والوالدات يرضعن﴾ معطوفة على جملة ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢] والمناسبة غير خفية.
والوالدت عام لأنه جمع معرف باللام، وهو هنا مراد به خصوص الوالدات من المطلقات بقرينة سياق الآي التي قبلها من قوله :﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولذلك وصلت هذه الجملة بالعطف للدلالة على اتحاد السياق، فقوله :﴿والوالدات﴾ معناه : والوالدات منهن، أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآي الماضية، أي المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة ؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع ؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها ؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة.
وجملة ﴿يرضعن﴾ خبر مراد به التشريع، وإثبات حق الاستحقاق، وليس بمعنى الأمر للوالدات والإيجاب عليهن ؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام المطلقات، ولأنه عقب بقوله ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا﴾ فإن الضمير شامل للآباء والأمهات على وجه التغليب كما يأتي، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه، ولكن تدل على أن ذلك حق لها، وقد صرح بذلك في سورة الطلاق بقوله ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أُخرى﴾ [الطلاق: ٦] ولأنه عقب بقوله :﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ وذلك أجر الرضاعة، والزوجة في العصمة ليس لها نفقة وكسوة لأجل الرضاعة، بل لأجل العصمة.
وقوله :﴿أولادهن﴾ صرح بالمفعول مع كونه معلوماً، إيماء إلى أحقية الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه ؛ لأن في قوله :﴿أولادهن﴾ تذكيراً لهن بداعي الحنان والشفقة، فعلى هذا التفسير وهو الظاهر من الآية والذي عليه جمهور السلف ليست الآية واردة إلاّ لبيان إرضاع المطلقات أولادهن، فإذا رامت المطلقة إرضاع ولدها فهي أولى به، سواء كانت بغير أجر أم طلبت أجر مثلها، ولذلك كان المشهور عن مالك : أن الأب إذا وجد من ترضع له غير الأم بدون أجر وبأقل من أجر المثل، لم يُجب إلى ذلك، كما سنبينه.
ومن العلماء من تأول الوالدات على العموم، سواء كن في العصمة أو بعد الطلاق كما في القرطبي والبيضاوي، ويظهر من كلام ابن الفرس في « أحكام القرآن » أنّ هذا قول مالك. وقال ابن رشد في « البيان والتحصيل » : إن قوله تعالى :﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ ومحمول على عمومه في ذات الزوج وفي المطلقة مع عسر الأب، ولم ينسبه إلى مالك، ولذلك قال ابن عطية : قوله :﴿يرضعن﴾ خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه. والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى :﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ الآية، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة.
والحول في كلام العرب : العام، وهو مشتق من تحول دورة القمر أو الشمس في فلكه من مبدأ مصطلح عليه، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه، فتلك المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولاً.
وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام.
ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولاً وبعض الثاني ؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان، على بعض المدلول، إطلاق شائع عند العرب، فيقولون : هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية، كما مر في قوله :﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقوله :﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، قال في « الكشاف » :« بيان لمن توجه إليه الحكم كقوله :﴿هيت لك﴾ [يوسف: ٢٣]، فلك بيان للمُهَيَّت له أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع » أي فهو خبر مبتدأ محذوف، كما أشار إليه، بتقدير هذا الحكمُ لمِن أراد. قال التفتازاني :« وقد يصرح بهذا المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى :﴿ذلك لمن خشى العنت منكم﴾ [النساء: ٢٥] ومَا صْدَقُ ( مَنْ ) هنا من يهمه ذلك : وهو الأب والأم ومن يقوم مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه. والمعنى : أن هذا الحكم يستحقه من أراد إتمام الرضاعة، وأباه الآخر، فإن أرادا معاً عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم من قوله :﴿فإن أرادا فصالاً﴾ الآية.
وقد جعل الله الرضاع حولين رعياً لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ما يصلح له الرضاع بعدُ، ولما كان خلاف الأبوين في مدة الرضاع لا ينشأ إلاّ عن اختلاف النظر في حاجة مزاج الطفل إلى زيادة الرضاع، جعل الله القول لمن دعا إلى الزيادة، احتياطاً لحفظ الطفل. وقد كانت الأمم في عصور قلة التجربة وانعدام الأطباء، لا يهتدون إلى ما يقوم للطفل مقام الرضاع ؛ لأنهم كانوا إذا فطموه أعطوه الطعام، فكانت أمزجة بعض الأطفال بحاجة إلى تطويل الرضاع، لعدم القدرة على هضم الطعام وهذه عوارض تختلف.
وفي عصرنا أصبح الأطباء يعتاضون لبعض الصبيان بالإرضاع الصناعي، وهم مع ذلك مجمعون على أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه، ما لم تكن بها عاهة أو كان اللبن غير مستوف الأجزاء التي بها تمام تغذية أجزاء بدن الطفل، ولأن الإرضاع الصناعي يحتاج إلى فرط حذر في سلامة اللبن من العفونة : في قوامه وإنائه. وبلاد العرب شديدة الحرارة في غالب السنة ؛ ولم يكونوا يحسنون حفظ أطعمتهم من التعفن بالمكث، فربما كان فطام الأبناء في العام أو ما يقرب منه يجر مضار للرضعاء، وللأمزجة في ذلك تأثير أيضاً.
وعن ابن عباس أن التقدير بالحولين للولد الذي يمكث في بطن أمه ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر، فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً، وهكذا بزيادة كل شهر في البطن ينقص شهر من مدة الرضاعة حتى يكون لمدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً ؛ لقوله تعالى :﴿وحمله وفصله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف: ١٥]، وفي هذا القول منزع إلى تحكيم أحوال الأمزجة ؛ لأنه بمقدار ما تنقص مدة مكثه في البطن، تنقص مدة نضج مزاجه. والجمهور على خلاف هذا وأن الحولين غاية لإرضاع كل مولود. وأخذوا من الآية أن الرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين، وأن ما بعدهما لا حاجة إليه، فلذلك لا يجاب إليه طالبه.
وعبر عن الوالد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم ؛ لأن منافع الولد منجرة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها.
والرزق : النفقة، والكسوة : اللباس، والمعروف : ما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب. والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجراً عن إرضاعها، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة، وكذلك غالب إجاراتهم ؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة، بل كانوا يتعاملون بالأشياء، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم، وهي الطعام والكسوة، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم، وعقبه بقوله :﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾.
وجمل :﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ إلى قول :﴿ولا مولود له بولده﴾ معترضات بين جملة ﴿وعلى المولود﴾ وجملة ﴿وعلى الوارث﴾ فموقع جملة لا تكلف نفس إلا وسعها تعليل لقوله ﴿بالمعروف﴾، وموقع جملة ﴿لا تضار وَالدة﴾ إلى آخرها موقع التعليل أيضاً، وهو اعتراض يفيد أصولاً عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع.
والتكليف تفعيل بمعنى جعله ذا كلفة، والكلفة : المشقة، والتكلف : التعرض لما فيه مشقة، ويطلق التكليف على الأمر بفعل فيه كلفة، وهو اصطلاح شرعي جديد.
والوسع، بتثليث الواو : الطاقة، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء، وهو ضد ضاق عنه، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول، وأصله استعارة ؛ لأن الزمخشري في « الأساس » ذكر هذا المعنى في المجاز، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملاً ذا مشقة باتساع الظرف للمحوي، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلاّ عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة.
فالوسع إن كان بكسر الواو فهو فعل بمعنى مفعول كذبح، وإن كان بضمها فهو مصدر كالصلح والبرء صار بمعنى المفعول، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة. وبني فعل تكلف للنائب ليحذف الفاعل، فيفيد حذفه عموم الفاعلين، كما يفيد وقوع نفس، وهو نكرة في سياق النفس، عموم المفعول الأول لفعل تكلف : وهو الأنفس المكلفة، وكما يفيد حذف المستثنى في قوله :﴿إلا وسعها﴾ عموم المفعول الثاني لفعل تكلف، وهو الأحكام المكلف بها، أي لا يكلف أحد نفساً إلاّ وسعها، وذلك تشريع من الله للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحداً إلاّ بما يستطيعه، وذلك أيضاً وعد من الله بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلاّ بما يستطاع : في العامة والخاصة، فقد قال في آيات ختام هذه السورة ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والآية تدل على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شريعة الإسلام، وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند قوله تعالى :﴿لا يكلفو الله نفساً إلا وسعها﴾ في آخر السورة.
وجملة ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ اعتراض ثان، ولم تعطف على التي قبلها تنبيهاً على أنها مقصودة لذاتها، فإنها تشريع مستقل، وليس فيها معنى التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ ؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه، يكاد يخرج عن طاقة الإنسان ؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون سبب نفع أشد ألماً على النفس، فكان ضره أشد. ولذلك اختير لفظ الوالدة هنا دون الأم كما تقدم في قوله :﴿يرضعن أولادهن﴾ وكذلك القول في ﴿ولا مولود له بولده﴾ وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة، فهو كالتذييل، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته، ويستغل ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه، والإشفاق عليه.
وفي « المدونة » : عن ابن وهب عن الليث عن خالد بن يزيد عن زيد بن أسلم في قوله تعالى :﴿لا تضار والدة بولدها﴾ الآية « يقول ليس لها أن تلقي ولدها عليه ولا يجد من يرضعه، وليس له أن ينتزع منها ولدها، وهي تحب أن ترضعه » وهو يؤيد ما ذكرناه.
وقيل :