تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل ؟ قال :" الصلاة على وقتها ". قلت : ثم أي ؟ قال :" الجهاد في سبيل الله ". قلت : ثم أي ؟ قال :" بر الوالدين ". قال : حدثني بهن رسول الله ﷺ، ولو استزدتُه لزادني(١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدته أم أبيه الدنيا، عن جدته أم فَرْوَة - وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ، أنها سمعت رسول الله ﷺ، وذكر الأعمال، فقال :" إن أحب الأعمال(٢) إلى الله تعجيلُ الصلاة لأول وقتها ".
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي(٣) وقال : لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث :
وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى. وقد اختلف السلف والخلف فيها : أي صلاة هي ؟ فقيل : إنها الصبح. حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي، وابن عباس [ قال : مالك : وذلك رأيى ](٤). وقال هشيم، وابن عُليَّة، وغُنْدَر، وابن أبي عدي، وعبد الوهاب، وشَريك وغيرهم، عن عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي قال : صليت خلف ابن عباس الفجر، فقنتَ فيها، ورفع يديه، ثم قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. رواه ابن جرير(٥). ورواه أيضًا من حديث عوف، عن خِلاس بن عمرو، عن ابن عباس، مثله سواء(٦).
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس : أنه صلى الغداة في مسجد(٧) البصرة، فقنت قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه فقال :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
وقال أيضًا : حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال : صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة(٨) صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله، ﷺ، إلى جانبي : ما الصلاة الوسطى ؟ قال : هذه الصلاة(٩).
وروي من طريق أخرى عن الربيع، عن أبي العالية : أنه صلى مع أصحاب رسول الله، ﷺ، صلاة الغداة، فلما فرغوا قال، قلت لهم : أيَّتهُنَّ الصلاة الوسطى ؟ قالوا : التي قد صليتها قبل.
وقال أيضًا : حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عَتمَةَ، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله قال : الصلاة الوسطى : صلاة الصبح.
وحكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وأبي العالية، وعُبَيد بن عمير، وعطاء، ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، والربيع بن أنس. ورواه ابن جرير، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أيضا وهو الذي نص عليه الشافعي، رحمه الله، محتجا بقوله :﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح. [ ونقله الدمياطي عن عمر، ومعاذ، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة على خلاف منهم، وأبي موسى، وجابر، وأنس، وأبي الشعثاء، وطاوس، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد ](١٠).
ومنهم من قال : هي الوسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين. وترد المغرب. وقيل : لأنها بين صلاتَيْ ليل(١١) جهريتين، وصلاتي نهار(١٢) سريتين.
وقيل : إنها صلاة الظهر. قال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان - يعني ابن عمرو - عن(١٣) زهرة - يعني ابن معبد - قال : كنا جلوسا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال : هي الظهر، كان النبي(١٤) ﷺ، يصليها بالهجير(١٥).
وقال [ الإمام ](١٦) أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمْرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يُصَلِّي صلاة أشد على أصحاب النبي، ﷺ، منها، فنزلت :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال :" إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين "، ورواه أبو داود في سننه، من حديث شعبة، به(١٧).
وقال أحمد أيضا : حدثنا يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب(١٨) عن الزبرقان(١٩) أن رهطًا من قريش مر بهم زيد بن ثابت، وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم ؛ يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال : هي العصر. فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال : هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال : هي الظهر ؛ إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال : فقال رسول الله ﷺ :" ليَنْتَهيَنَّ رجال أو لأحرقن بيوتهم " (٢٠).
الزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدا من الصحابة. والصحيح ما تقدم من روايته، عن زهرة بن معبد، وعروة بن الزبير.
وقال شعبة وهمام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى : صلاة الظهر.
وقال أبو داود الطيالسي وغيره، عن شعبة، أخبرني عمر بن سليمان، من ولد عمر بن الخطاب قال : سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى هي الظهر.
ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، به، عن زيد بن ثابت، في حديث رفعه قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر.
وممن روي عنه أنها الظهر : ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة على اختلاف عنهم. وهو قول عروة بن الزبير، وعبد الله بن شداد بن الهاد. ورواية عن أبي حنيفة، رحمهم الله.
وقيل : إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي، رحمهما الله : وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم، وقال القاضي الماوردي : وهو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره : هو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى :" كشف المغطى، في تبيين الصلاة الوسطى " : وقد نصر فيه أنها العصر، وحكاه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي أيوب، وعبد الله ابن عمرو، وسَمُرة بن جُنْدُب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة. وعن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة على(٢١) الصحيح عنهم. وبه قال عبيدة، وإبراهيم النخعي، وزر بن حبيش، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وعبيد بن أبي مريم، وغيرهم وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي : والشافعي. قال ابن المنذر : وهو الصحيح عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي، رحمهم الله.
ذكر الدليل على ذلك :
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم، عن شتير بن شكل(٢٢) عن علي قال : قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب :" شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا ". ثم صلاها بين العشاءين : المغرب والعشاء(٢٣).
وكذا رواه مسلم، من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل(٢٤) بن حميد، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله(٢٥).
وقد رواه مسلم أيضا، من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة(٢٦) عن يحيى بن الجزار، عن علي، به(٢٧).
وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغير واحد من أصحاب المساند(٢٨) والسنن، والصحاح من طرق يطول ذكرها، عن عبيدة السلماني، عن علي، به(٢٩).
ورواه الترمذي، والنسائي من طريق الحسن البصري، عن علي، به(٣٠). قال الترمذي : ولا يعرف سماعه منه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر : قال قلت لعبيدة : سل عليًا عن صلاة الوسطى، فسأله، فقال : كنا نراها الفجر - أو الصبح - حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب :" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم - أو بيوتهم - نارًا " ورواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن مهدي، به(٣١).
وحديث يوم الأحزاب، وشَغْل المشركين رسول الله ﷺ، وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى : هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضا، من حديث ابن مسعود، والبراء بن عازب - رضي الله عنهما(٣٢).
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة : أن رسول الله ﷺ قال :" صلاة الوسطى : صلاة العصر " (٣٣).
وحدثنا بهز، وعفان قالا حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة : أن رسول الله، ﷺ قال :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أنها هي : صلاة العصر(٣٤).
وحدثنا محمد بن جعفر، وروح، قالا حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة بن جندب : أن رسول الله ﷺ قال :" هي العصر ". قال ابن جعفر : سئل عن صلاة الوسطى(٣٥).
ورواه الترمذي، من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. (٣٦) وقال : حسن صحيح : وقد سُمِعَ منه.
[ حديث آخر ](٣٧) : وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" الصلاة الوسطى صلاة العصر " (٣٨).
طريق أخرى، بل حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم. قال : أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة. قال : سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال : اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ، وفينا الرجل الصالح : أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال : أنا أعلم لكم ذلك : فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ، فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال : أخبرنا أنها صلاة العصر(٣٩) غريب من هذا الوجه جدًا.
حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن سالم مولى أبي بصير(٤٠) حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال : كنت جالسًا عند عبد العزيز بن
مروان فقال : يا فلان، اذهب إلى فلان فقل له : أي شيء سمعت من رسول
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدته أم أبيه الدنيا، عن جدته أم فَرْوَة - وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ، أنها سمعت رسول الله ﷺ، وذكر الأعمال، فقال :" إن أحب الأعمال(٢) إلى الله تعجيلُ الصلاة لأول وقتها ".
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي(٣) وقال : لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث :
وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى. وقد اختلف السلف والخلف فيها : أي صلاة هي ؟ فقيل : إنها الصبح. حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي، وابن عباس [ قال : مالك : وذلك رأيى ](٤). وقال هشيم، وابن عُليَّة، وغُنْدَر، وابن أبي عدي، وعبد الوهاب، وشَريك وغيرهم، عن عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي قال : صليت خلف ابن عباس الفجر، فقنتَ فيها، ورفع يديه، ثم قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. رواه ابن جرير(٥). ورواه أيضًا من حديث عوف، عن خِلاس بن عمرو، عن ابن عباس، مثله سواء(٦).
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس : أنه صلى الغداة في مسجد(٧) البصرة، فقنت قبل الركوع وقال : هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه فقال :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
وقال أيضًا : حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال : صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة(٨) صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله، ﷺ، إلى جانبي : ما الصلاة الوسطى ؟ قال : هذه الصلاة(٩).
وروي من طريق أخرى عن الربيع، عن أبي العالية : أنه صلى مع أصحاب رسول الله، ﷺ، صلاة الغداة، فلما فرغوا قال، قلت لهم : أيَّتهُنَّ الصلاة الوسطى ؟ قالوا : التي قد صليتها قبل.
وقال أيضًا : حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عَتمَةَ، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله قال : الصلاة الوسطى : صلاة الصبح.
وحكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وأبي العالية، وعُبَيد بن عمير، وعطاء، ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، والربيع بن أنس. ورواه ابن جرير، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أيضا وهو الذي نص عليه الشافعي، رحمه الله، محتجا بقوله :﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح. [ ونقله الدمياطي عن عمر، ومعاذ، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة على خلاف منهم، وأبي موسى، وجابر، وأنس، وأبي الشعثاء، وطاوس، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد ](١٠).
ومنهم من قال : هي الوسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين. وترد المغرب. وقيل : لأنها بين صلاتَيْ ليل(١١) جهريتين، وصلاتي نهار(١٢) سريتين.
وقيل : إنها صلاة الظهر. قال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان - يعني ابن عمرو - عن(١٣) زهرة - يعني ابن معبد - قال : كنا جلوسا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال : هي الظهر، كان النبي(١٤) ﷺ، يصليها بالهجير(١٥).
وقال [ الإمام ](١٦) أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمْرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يُصَلِّي صلاة أشد على أصحاب النبي، ﷺ، منها، فنزلت :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال :" إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين "، ورواه أبو داود في سننه، من حديث شعبة، به(١٧).
وقال أحمد أيضا : حدثنا يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب(١٨) عن الزبرقان(١٩) أن رهطًا من قريش مر بهم زيد بن ثابت، وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم ؛ يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال : هي العصر. فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال : هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال : هي الظهر ؛ إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال : فقال رسول الله ﷺ :" ليَنْتَهيَنَّ رجال أو لأحرقن بيوتهم " (٢٠).
الزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدا من الصحابة. والصحيح ما تقدم من روايته، عن زهرة بن معبد، وعروة بن الزبير.
وقال شعبة وهمام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى : صلاة الظهر.
وقال أبو داود الطيالسي وغيره، عن شعبة، أخبرني عمر بن سليمان، من ولد عمر بن الخطاب قال : سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى هي الظهر.
ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، به، عن زيد بن ثابت، في حديث رفعه قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر.
وممن روي عنه أنها الظهر : ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة على اختلاف عنهم. وهو قول عروة بن الزبير، وعبد الله بن شداد بن الهاد. ورواية عن أبي حنيفة، رحمهم الله.
وقيل : إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي، رحمهما الله : وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم، وقال القاضي الماوردي : وهو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره : هو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى :" كشف المغطى، في تبيين الصلاة الوسطى " : وقد نصر فيه أنها العصر، وحكاه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي أيوب، وعبد الله ابن عمرو، وسَمُرة بن جُنْدُب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة. وعن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة على(٢١) الصحيح عنهم. وبه قال عبيدة، وإبراهيم النخعي، وزر بن حبيش، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وعبيد بن أبي مريم، وغيرهم وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي : والشافعي. قال ابن المنذر : وهو الصحيح عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي، رحمهم الله.
ذكر الدليل على ذلك :
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم، عن شتير بن شكل(٢٢) عن علي قال : قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب :" شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا ". ثم صلاها بين العشاءين : المغرب والعشاء(٢٣).
وكذا رواه مسلم، من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل(٢٤) بن حميد، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله(٢٥).
وقد رواه مسلم أيضا، من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة(٢٦) عن يحيى بن الجزار، عن علي، به(٢٧).
وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغير واحد من أصحاب المساند(٢٨) والسنن، والصحاح من طرق يطول ذكرها، عن عبيدة السلماني، عن علي، به(٢٩).
ورواه الترمذي، والنسائي من طريق الحسن البصري، عن علي، به(٣٠). قال الترمذي : ولا يعرف سماعه منه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر : قال قلت لعبيدة : سل عليًا عن صلاة الوسطى، فسأله، فقال : كنا نراها الفجر - أو الصبح - حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب :" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم - أو بيوتهم - نارًا " ورواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن مهدي، به(٣١).
وحديث يوم الأحزاب، وشَغْل المشركين رسول الله ﷺ، وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى : هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضا، من حديث ابن مسعود، والبراء بن عازب - رضي الله عنهما(٣٢).
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة : أن رسول الله ﷺ قال :" صلاة الوسطى : صلاة العصر " (٣٣).
وحدثنا بهز، وعفان قالا حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة : أن رسول الله، ﷺ قال :﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أنها هي : صلاة العصر(٣٤).
وحدثنا محمد بن جعفر، وروح، قالا حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة بن جندب : أن رسول الله ﷺ قال :" هي العصر ". قال ابن جعفر : سئل عن صلاة الوسطى(٣٥).
ورواه الترمذي، من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. (٣٦) وقال : حسن صحيح : وقد سُمِعَ منه.
[ حديث آخر ](٣٧) : وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" الصلاة الوسطى صلاة العصر " (٣٨).
طريق أخرى، بل حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم. قال : أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة. قال : سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال : اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ، وفينا الرجل الصالح : أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال : أنا أعلم لكم ذلك : فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ، فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال : أخبرنا أنها صلاة العصر(٣٩) غريب من هذا الوجه جدًا.
حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن سالم مولى أبي بصير(٤٠) حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال : كنت جالسًا عند عبد العزيز بن
مروان فقال : يا فلان، اذهب إلى فلان فقل له : أي شيء سمعت من رسول
١ صحيح البخاري برقم (٥٢٧، ٥٩٧٠) وصحيح مسلم برقم (٨٥)..
٢ في جـ: "العمل"..
٣ المسند (٦/٢٧٤) وسنن أبي داود برقم (٤٢٦) وسنن الترمذي برقم (١٧٠)..
٤ زيادة من جـ..
٥ تفسير الطبري (٥/٢١٥، ٢١٦)..
٦ تفسير الطبري (٥/٢١٨)..
٧ في جـ: "في جامع"..
٨ في أ، و: "بالبصرة وفرغت"..
٩ في أ: "هذه الصلاة الوسطى"..
١٠ زيادة من جـ، أ..
١١ في أ، و: "بين صلاتين ليليتين"..
١٢ في أ، و: "وصلاتين نهاريتين"..
١٣ في جـ: "وعن"..
١٤ في جـ: "رسول الله"..
١٥ مسند الطيالسي برقم (٦٢٨)..
١٦ زيادة من جـ..
١٧ المسند (٥/١٨٣) وسنن أبي داود برقم (٤١١)..
١٨ في أ: "حدثنا ابن أبي وهب"، وفي و: "أنبأنا أبي وهب"..
١٩ في أ: "ابن الزبرقان"..
٢٠ المسند (٥/٢٠٦)..
٢١ في جـ: "في"..
٢٢ في جـ: "بشير بن نكل"..
٢٣ المسند (١/٨١)..
٢٤ في جـ: "بشير بن نكل"..
٢٥ صحيح مسلم برقم (٦٢٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٥)..
٢٦ في أ: "بن عيينة"..
٢٧ صحيح مسلم برقم (٦٢٧)..
٢٨ في أ: "المسانيد"..
٢٩ صحيح البخاري برقم (٢٩٣١، ٤١١١) وصحيح مسلم برقم (٦٢٧) وسنن أبي داود برقم (٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٤) وسنن النسائي (١/٢٣٦)..
٣٠ لم أقع على هذا الطريق ولم يذكره المزي في تحفة الأشراف..
٣١ تفسير الطبري (٥/١٨٤)..
٣٢ صحيح مسلم برقم (٦٢٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وبرقم (٦٣٠) من حديث البراء رضي الله عنه..
٣٣ المسند (٥/٢٢)..
٣٤ المسند (٥/٨)..
٣٥ المسند (٥/٧، ١٢، ١٣)..
٣٦ سنن الترمذي برقم (١٨٢، ٢٩٨٣)..
٣٧ زيادة من جـ، أ..
٣٨ تفسير الطبري (٥/١٨٩)..
٣٩ تفسير الطبري (٥/١٩١)..
٤٠ في أ: "أبي نصير"..
٢ في جـ: "العمل"..
٣ المسند (٦/٢٧٤) وسنن أبي داود برقم (٤٢٦) وسنن الترمذي برقم (١٧٠)..
٤ زيادة من جـ..
٥ تفسير الطبري (٥/٢١٥، ٢١٦)..
٦ تفسير الطبري (٥/٢١٨)..
٧ في جـ: "في جامع"..
٨ في أ، و: "بالبصرة وفرغت"..
٩ في أ: "هذه الصلاة الوسطى"..
١٠ زيادة من جـ، أ..
١١ في أ، و: "بين صلاتين ليليتين"..
١٢ في أ، و: "وصلاتين نهاريتين"..
١٣ في جـ: "وعن"..
١٤ في جـ: "رسول الله"..
١٥ مسند الطيالسي برقم (٦٢٨)..
١٦ زيادة من جـ..
١٧ المسند (٥/١٨٣) وسنن أبي داود برقم (٤١١)..
١٨ في أ: "حدثنا ابن أبي وهب"، وفي و: "أنبأنا أبي وهب"..
١٩ في أ: "ابن الزبرقان"..
٢٠ المسند (٥/٢٠٦)..
٢١ في جـ: "في"..
٢٢ في جـ: "بشير بن نكل"..
٢٣ المسند (١/٨١)..
٢٤ في جـ: "بشير بن نكل"..
٢٥ صحيح مسلم برقم (٦٢٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٥)..
٢٦ في أ: "بن عيينة"..
٢٧ صحيح مسلم برقم (٦٢٧)..
٢٨ في أ: "المسانيد"..
٢٩ صحيح البخاري برقم (٢٩٣١، ٤١١١) وصحيح مسلم برقم (٦٢٧) وسنن أبي داود برقم (٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٤) وسنن النسائي (١/٢٣٦)..
٣٠ لم أقع على هذا الطريق ولم يذكره المزي في تحفة الأشراف..
٣١ تفسير الطبري (٥/١٨٤)..
٣٢ صحيح مسلم برقم (٦٢٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وبرقم (٦٣٠) من حديث البراء رضي الله عنه..
٣٣ المسند (٥/٢٢)..
٣٤ المسند (٥/٨)..
٣٥ المسند (٥/٧، ١٢، ١٣)..
٣٦ سنن الترمذي برقم (١٨٢، ٢٩٨٣)..
٣٧ زيادة من جـ، أ..
٣٨ تفسير الطبري (٥/١٨٩)..
٣٩ تفسير الطبري (٥/١٩١)..
٤٠ في أ: "أبي نصير"..