جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :( فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ )


قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : وقوموا لله في صلاتكم مطيعين له لما قد بيناه من معناه، فإن خفتم من عدو لكم، أيها الناس، تخشونهم على أنفسكم في حال التقائكم معهم أن تصلوا قياما على أرجلكم بالأرض قانتين لله، فصلوا " رجالا "، مشاة على أرجلكم، وأنتم في حربكم وقتالكم وجهاد عدوكم " أو ركبانا "، على ظهور دوابكم، فإن ذلك يجزيكم حينئذ من القيام منكم، قانتين.
ولما قلنا من أن معنى ذلك كذلك، جاز نصب " الرجال " بالمعنى المحذوف. وذلك أن العرب تفعل ذلك في الجزاء خاصة، لأن ثانيه شبيه بالمعطوف على أوله. ويبين ذلك أنهم يقولون : " إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا "، بمعنى : إن تفعل خيرا تصب خيرا، وإن تفعل شرا تصب شرا، فيعطفون الجواب على الأول لانجزام الثاني بجزم الأول. فكذلك قوله : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، بمعنى : إن خفتم أن تصلوا قياما بالأرض، فصلوا رجالا.
" والرجال " جمع " راجل " و " رجل "، وأما أهل الحجاز فإنهم يقولون لواحد " الرجال " " رجل "، مسموع منهم : " مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا "، وقد سمع من بعض أحياء العرب في واحدهم " رجلان "، كما قال بعض بني عقيل :
على إذا أبصرت ليلى بخلوةأن ازدار بيت الله رجلان حافيا
فمن قال " رجلان " للذكر، قال للأنثى " رجلي "، وجاز في جمع المذكر والمؤنث فيه أن يقال : " أتى القوم رجالي ورجالي " مثل " كسالى وكسالى ".
وقد حكي عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك : " فإن خفتم فرجالا " مشددة. وعن بعضهم أنه كان يقرأ : " فرجالا "، وكلتا القراءتين غير جائزة القراءة بها عندنا، لخلافها القراءة الموروثة المستفيضة في أمصار المسلمين.
وأما " الركبان "، فجمع " راكب " ، يقال : " هو راكب، وهم ركبان وركب وركبة وركاب وأركب وأركوب "، يقال : " جاءنا أركوب من الناس وأراكيب ".
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
٥٥٣٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال : سألته عن قوله : " فرجالا أو ركبانا "، قال : عند المطاردة، يصلى حيث كان وجهه، راكبا أو راجلا ويجعل السجود أخفض من الركوع، ويصلي ركعتين يومئ إيماء.
٥٥٣٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة عن إبراهيم في قوله : " فرجالا أو ركبانا " قال : صلاة الضراب ركعتين، يومئ إيماء.
٥٥٣٧- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم قوله : " فرجالا أو ركبانا "، قال : يصلي ركعتين حيث كان وجهه، يومئ إيماء.
٥٥٣٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير. " فرجالا أو ركبانا "، قال : إذا طردت الخيل فأومئ إيماء.
٥٥٣٩- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن مالك، عن سعيد قال : يومئ إيماء.
٥٥٤٠- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن : " فرجالا أو ركبانا "، قال : إذا كان عند القتال صلى راكبا أو ماشيا حيث كان وجهه، يومئ إيماء.
٥٥٤١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، أصحاب محمد ﷺ في القتال على الخيل، فإذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائما أو راكبا، أو كما قدر على أن يومئ برأسه أو يتكلم بلسانه.
٥٥٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال : أو راكبا لأصحاب محمد ﷺ. وقال أيضا : أو راكبا، أو ما قدر أن يومئ برأسه وسائر الحديث مثله.
٥٥٤٣- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال : إذا التقوا عند القتال وطلبوا أو طلبوا أو طلبهم سبع، فصلاتهم تكبيرتان إيماء، أي جهة كانت.
٥٥٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله : " رجالا أو ركبانا "، قال : ذلك عند القتال، يصلي حيث كان وجهه، راكبا أو راجلا إذا كان يطلب أو يطلبه سبع، فليصل ركعة، يومئ إيماء، فإن لم يستطع فليكبر تكبيرتين.
٥٥٤٥- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال : ركعة وأنت تمشي، وأنت يوضع بك بعيرك ويركض بك فرسك، على أي جهة كان.
٥٥٤٦- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، أما " رجالا " فعلى أرجلكم، إذا قاتلتم، يصلي الرجل يومئ برأسه أينما توجه، والراكب على دابته يومئ برأسه أينما توجه.
٥٥٤٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، الآية، أحل الله لك إذا كنت خائفا عند القتال، أن تصلي وأنت راكب، وأنت تسعى، تومئ برأسك من حيث كان وجهك، إن قدرت على ركعتين، وإلا فواحدة.
٥٥٤٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال : ذاك عند المسايفة.
٥٥٤٩- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري في قوله : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال : إذا طلب الأعداء فقد حلَّ لهم أن يصلوا قِبَل أي جهة كانوا، رجالا أو ركبانا، يومئون إيماء ركعتين وقال قتادة : تجزي ركعة.
٥٥٥٠- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال : كانوا إذا خشوا العدو صلوا ركعتين، راكبا كان أو راجلا.
٥٥٥١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله : " فإن خفتم فرجالا أو راكبانا "، قال : يصلي الرجل في القتال المكتوبة على دابته وعلى راحلته حيث كان جهه، يومئ إيماء عند كل ركوع وسجود، ولكن السجود أخفض من الركوع. فهذا حين تأخذ السيوف بعضها بعضا، هذا في المطاردة.
٥٥٥٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي قال : كان قتادة يقول : إن استطاع ركعتين وإلا فواحدة، يومئ إيماء، إن شاء راكبا أو راجلا قال الله تعالى ذكره : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ".
٥٥٥٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن قال، في الخائف الذي يطلبه العدو، قال : إن استطاع أن يصلي ركعتين، وإلا صلى ركعة.
٥٥٥٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن قال : ركعة.
٥٥٥٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة قال : سألت الحكم وحمادا وقتادة عن صلاة المسايفة، فقالوا : ركعة.
٥٥٥٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة قال : سألت الحكم وحمادا وقتادة، عن صلاة المسايفة، فقالوا : يومئ إيماء حيث كان وجهه.
٥٥٥٧- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن حماد والحكم وقتادة : أنهم سئلوا عن الصلاة عند المسايفة، فقالوا : ركعة حيث وجهك.
٥٥٥٨- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث بن سوار قال : سألت ابن سيرين عن صلاة المنهزم فقال : كيف استطاع.
٥٥٥٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن جابر بن غراب قال : كنا نقاتل القوم وعلينا هرم بن حيان، فحضرت الصلاة فقالوا : الصلاة، الصلاة ! فقال هرم : يسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة. قال : ونحن مستقبلو المشرق.
٥٥٦٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي نضرة قال : كان هرم بن حيان على جيش، فحضروا العدو فقال : يسجد كل رجل منكم تحت جنته حيث كان وجهه سجدة، أو ما استيسر فقلت لأبي نضرة : ما " ما استيسر " ؟ قال : يومئ.
٥٥٦١- حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا أبو مسلمة، عن أبي نضرة قال، حدثني جابر بن غراب قال : كنا مع هرم بن حيان نقاتل العدو مستقبلي المشرق، فحضرت الصلاة فقالوا : الصلاة ! فقال : يسجد الرجل تحت جنته سجدة.
٥٥٦٢- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء في قوله : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال : تصلي حيث توجهت راكبا وماشيا، وحيث توجهت بك دابتك، تومئ إيماء للمكتوبة.
٥٥٦٣- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا هبة بن الوليد قال، حدثنا المسعودي قال، حدثني يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال : صلاة الخوف ركعة.
٥٥٦٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا موسى بن محمد الأنصاري، عن عبد الملك، عن عطاء في هذه الآية قال : إذا كان خائفا صلى على أي حال كان. .
٥٥٦٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك- وسألته عن قول الله : " فرجالا أو ركبانا " - قال : راكبا وماشيا، ولو كانت إنما عنى بها الناس، لم يأت إلا " رجالا " وانقطعت الآية. إنما هي " رجال " : مشاة، وقرأ :( يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ) قال : يأتون مشاة وركبانا.
قال أبو جعفر : الخوف الذي للمصلي أن يصلي من أجله المكتوبة ماشيا راجلا وراكبا جائلا الخوف على المهجة عند السلة والمسايفة في قتال من أمر بقتاله، من عدو للمسلمين، أو محارب، أو طلب سبع، أو جمل صائل، أو سيل سائل فخاف الغرق فيه.
وكل ما الأغلب من شأنه هلاك المرء منه إن صلى صلاة الأمن، فإنه إذا كان ذلك كذلك، فله أن يصلي صلاة شدة الخوف حيث كان وجهه، يومئ إيماء لعموم كتاب الله : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، ولم يخص الخوف على ذلك على نوع من الأنواع، بعد أن يكون الخوف، صفته ما ذكرت.
وإنما قلنا إن الخوف الذي يجوز للمصلي أن يصلي كذلك، هو الذي الأغلب منه الهلاك بإقامة الصلاة بحدودها، وذلك حال شدة الخوف، لأن :
٥٥٦٦- محمد بن حميد وسفيان بن وكيع حدثاني قالا حدثنا جرير، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال : قال النبي ﷺ في صلاة الخوف : يقوم الأمير وطائفة من الناس معه فيسجدون سجدة واحدة، ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو. ثم ينصرف الذين سجدوا سجدة مع أميرهم، ثم يكونون مكان الذين لم يصلوا، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون مع أميرهم سجدة واحدة. ثم ينصرف أميرهم وقد قضى صلاته، ويصلي بعد صلاته كل واحد من الطائفتين سجدة لنفسه، وإن كان خوف أشد من ذلك " فرجالا أو ركبانا ".
٥٥٦٧- حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا ابن جريح، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى