تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
)وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ( البقرة : ٢٣ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿وإن كنتم...﴾ : الخطاب لمن جعل لله أنداداً ؛ لأنه تعالى قال :( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون * وإن كنتم في ريب )
وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد ؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ؛ لكن شهادة أن لا إله إلا الله : توحيد القصد ؛ والثاني : توحيد المتابعة ؛ فكلاهما توحيد ؛ لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصاً لله ؛ والثاني توحيد المتابعة بأن لا يتابع في عبادته سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا تأملت القرآن وجدت هكذا : يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة ؛ ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :﴿أفلم يدَّبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ثم قال تعالى :﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون﴾ [المؤمنون: ٦٩] ؛ وهذا مطَّرد في القرآن الكريم..
قوله تعالى :﴿في ريب﴾ : " الريب " يفسره كثير من الناس بالشك ؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن " الريب " يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك ؛ وذلك ؛ لأن ما جاء به الرسول حق ؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به ؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال : " ريب " ؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقاً، واضطراباً..
قوله تعالى :﴿مما نزَّلنا﴾ : المراد به القرآن ؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿على عبدنا﴾ : هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله. تبارك وتعالى. وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية في المقامات العالية : في الدفاع عنه ؛ وفي بيان تكريمه بالمعراج، والإسراء ؛ وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن، كما قال تعالى :﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وقال تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء: ١]، وقال تعالى :﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وقال تعالى :﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ : هذا في مقام التحدي، والمدافعة ؛ وأفضل أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم هي العبودية، والرسالة ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " إنما أنا عبد ؛ فقولوا : عبد الله، ورسوله " (١) ؛ و " العبودية " : هي التذلل للمحبوب، والمعظم ؛ ولهذا قال الشاعر في محبوبته : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي يعني : لا تقل : فلان، وفلان ؛ بل قل : يا عبد فلانة ؛ لأن هذا عنده أشرف أوصافه، حيث انتمى إليها. نعوذ بالله من الخذلان..
قوله تعالى :﴿فأتوا بسورة﴾ : أمر يقصد به التحدي. يعني : إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإننا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة ؛ ﴿من مثله﴾ : يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ والمعنى : من مثل محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون عائداً إلى القرآن المنزل ؛ والمعنى : من مثل ما نزلنا على عبدنا. أي من جنسه ؛ وكلاهما صحيح..
قوله تعالى :﴿وادعوا شهداءكم﴾ أي الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله ؛ وهذا غاية ما يكون من التحدي : أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله.
قوله تعالى :﴿من دون الله﴾ أي مما سوى الله ؛ ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي في أن هذا القرآن مفترًى على الله ؛ والجواب على هذا : أنه لا يمكن أن يأتوا بسورة مثله مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لقوله تعالى :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ ؛ لأن الأمر هنا للتحدي ؛ فالله عزّ وجلّ يتحدى هؤلاء بأن يأتوا بمعارضِ لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم..
. ٢ ومنها : فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لوصفه بالعبودية ؛ والعبودية لله عزّ وجلّ هي غاية الحرية ؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره ؛ فإذا لم يعبد الله عزّ وجلّ. الذي هو مستحق للعبادة. عَبَدَ الشيطان، كما قال ابن القيم. رحمه الله. في النونية :.
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان ٣. ومنها : أن القرآن كلام الله ؛ لقوله تعالى :﴿مما نزلنا﴾ ؛ ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام ؛ والكلام صفة للمتكلم، وليس شيئاً بائناً منه ؛ وبهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن مخلوق..
. ٤ ومنها : إثبات علوّ الله عزّ وجلّ ؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به ؛ وعلو الله عزّ وجلّ ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة ؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد ؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته ؛ لأنه أمر فطري ؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع..
. ٥ ومن فوائد الآية : أن القرآن معجز حتى بسورة. ولو كانت قصيرة ؛ لقوله تعالى :{ فأتوا بسورة من مثله )..
. ٦ ومنها : تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم ؛ وهذا أشد ذلًّا مما لو تُحدوا وحدهم..
التفسير :
قوله تعالى :﴿وإن كنتم...﴾ : الخطاب لمن جعل لله أنداداً ؛ لأنه تعالى قال :( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون * وإن كنتم في ريب )
وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد ؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ؛ لكن شهادة أن لا إله إلا الله : توحيد القصد ؛ والثاني : توحيد المتابعة ؛ فكلاهما توحيد ؛ لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصاً لله ؛ والثاني توحيد المتابعة بأن لا يتابع في عبادته سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا تأملت القرآن وجدت هكذا : يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة ؛ ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :﴿أفلم يدَّبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ثم قال تعالى :﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون﴾ [المؤمنون: ٦٩] ؛ وهذا مطَّرد في القرآن الكريم..
قوله تعالى :﴿في ريب﴾ : " الريب " يفسره كثير من الناس بالشك ؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن " الريب " يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك ؛ وذلك ؛ لأن ما جاء به الرسول حق ؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به ؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال : " ريب " ؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقاً، واضطراباً..
قوله تعالى :﴿مما نزَّلنا﴾ : المراد به القرآن ؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿على عبدنا﴾ : هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله. تبارك وتعالى. وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية في المقامات العالية : في الدفاع عنه ؛ وفي بيان تكريمه بالمعراج، والإسراء ؛ وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن، كما قال تعالى :﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وقال تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء: ١]، وقال تعالى :﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وقال تعالى :﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ : هذا في مقام التحدي، والمدافعة ؛ وأفضل أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم هي العبودية، والرسالة ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " إنما أنا عبد ؛ فقولوا : عبد الله، ورسوله " (١) ؛ و " العبودية " : هي التذلل للمحبوب، والمعظم ؛ ولهذا قال الشاعر في محبوبته : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي يعني : لا تقل : فلان، وفلان ؛ بل قل : يا عبد فلانة ؛ لأن هذا عنده أشرف أوصافه، حيث انتمى إليها. نعوذ بالله من الخذلان..
قوله تعالى :﴿فأتوا بسورة﴾ : أمر يقصد به التحدي. يعني : إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإننا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة ؛ ﴿من مثله﴾ : يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ والمعنى : من مثل محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون عائداً إلى القرآن المنزل ؛ والمعنى : من مثل ما نزلنا على عبدنا. أي من جنسه ؛ وكلاهما صحيح..
قوله تعالى :﴿وادعوا شهداءكم﴾ أي الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله ؛ وهذا غاية ما يكون من التحدي : أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله.
قوله تعالى :﴿من دون الله﴾ أي مما سوى الله ؛ ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي في أن هذا القرآن مفترًى على الله ؛ والجواب على هذا : أنه لا يمكن أن يأتوا بسورة مثله مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لقوله تعالى :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ ؛ لأن الأمر هنا للتحدي ؛ فالله عزّ وجلّ يتحدى هؤلاء بأن يأتوا بمعارضِ لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم..
. ٢ ومنها : فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لوصفه بالعبودية ؛ والعبودية لله عزّ وجلّ هي غاية الحرية ؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره ؛ فإذا لم يعبد الله عزّ وجلّ. الذي هو مستحق للعبادة. عَبَدَ الشيطان، كما قال ابن القيم. رحمه الله. في النونية :.
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان ٣. ومنها : أن القرآن كلام الله ؛ لقوله تعالى :﴿مما نزلنا﴾ ؛ ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام ؛ والكلام صفة للمتكلم، وليس شيئاً بائناً منه ؛ وبهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن مخلوق..
. ٤ ومنها : إثبات علوّ الله عزّ وجلّ ؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به ؛ وعلو الله عزّ وجلّ ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة ؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد ؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته ؛ لأنه أمر فطري ؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع..
. ٥ ومن فوائد الآية : أن القرآن معجز حتى بسورة. ولو كانت قصيرة ؛ لقوله تعالى :{ فأتوا بسورة من مثله )..
. ٦ ومنها : تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم ؛ وهذا أشد ذلًّا مما لو تُحدوا وحدهم..
١ أخرجه البخاري ص٢٨١، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٤٨: قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها)، حديث رقم ٢٤٤٥..