روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَإِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ﴾ لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله ﷺ، والتوحيد والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة، وفي التعقيب إشارة إلى الرد على التعليمية الذين جعلوا معرفة الله تعالى مستفادة من معرفة الرسول، والحشوية القائلين بعدم حصول معرفته سبحانه إلا من القرآن والأخبار، والعطف إما على قوله تعالى :﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وعلى ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٢] وتوجيه الربط بأنه لما أوجب سبحانه وتعالى العبادة ونفي الشرك بإزاء تلك الآيات والانقياد لها لا يمكن بدون التصديق بأنها من عنده سبحانه أرشدهم بما يوجب هذا العلم، ولذا لم يقل جل شأنه وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا غير وجيه إذ يصير عليه البرهان العقلي سميعاً ولو أريد ذلك لكفى اعبدوا، ولا تشركوا من دون تفصيل الأدلة الأنفسية والآفاقية.
والظاهر أن الخطاب هنا للكفار وهو المروي عن الحسن، وقيل لليهود لما أن سبب النزول كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم قالوا هذا الذي يأتينا به محمد ﷺ لا يشبه الوحي ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِنْهُ﴾ وقيل : هو على نحو الخطاب في ﴿اعبدوا﴾ [ البقرة : ١ ٢ ] وكلمة ﴿إن﴾ إما للتوبيخ على الارتياب وتصوير أنه مما لا ينبغي أن يثبت إلا على سبيل الفرض لاشتمال المقام على ما يزيله، أو لتغليب من لا قطع بارتيابهم على من سواهم، أو لأن البعض لما كان مرتاباً والبعض غير مرتاب جعل الجميع كأنه لا قطع بارتيابهم ولا بعدمه وجعلها بمعنى إذا كما ادعاه بعض المفسرين خلاف مذهب المحققين وإيراد كلمة كان لإبقاء معنى المضي فإنها لتمحضها للزمان لا تقبلها إن إلى معنى الاستقبال كما ذهب إليه المبرد وموافقوه والجمهور على أنها كسائر الأفعال الماضية، وقدر بعضهم بينها وبين إن يكن، أو تبين مثلاً ولا يميل إليه الفؤاد، وتنكير الريب للإشعار بأن حقه إن كان أن يكون ضعيفاً قليلاً لسطوع ما يدفعه وقوة ما يزيله، وجعله ظرفاً بتنزيل المعاني منزلة الأجرام واستقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته، و( من ) ابتدائية صفة ﴿رَيْب﴾ ولا يجوز أن تكون للتبعيض وحملها على السببية ربما يوهم كون المنزل محلاً للريب وحاشاه، و( ما ) موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن الكتاب، وقيل : عن القدر المشترك بينه وبين أبعاضه. ومعنى كونهم في ريب منه ارتيابهم في كونه وحياً من الله تعالى شأنه، والتضعيف في ﴿نَزَّلْنَا﴾ للنقل وهو المرادف للهمزة، ويؤيد ذلك قراءة زيد بن قطيب ( أنزلنا ) وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً ليكون إيثاره على الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم فقد قالوا :﴿لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة﴾ [ الفرقان : ٢ ٣ ] وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان كما ذهب إليه الكثير(١) ممن يعقد عند/ ذكرهم الخناصر لأن ذلك قول بدلالة التضعيف على التكثير وهو إنما يكون غالباً(٢) في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية نحو فتحت وقطعت، و( نزلنا ) لم يكن معتدياً قبل، وأيضاً التضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل وأما على أنه يجعل اللازم متعدياً فلا، والفعل هنا كان لازماً فكون التعدي مستفاداً من التضعيف دليل على أنه للنقل لا للتكثير، وأيضاً لو كان نزل مفيداً للتنجيم لاحتاج قوله تعالى :﴿لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جملة واحدة﴾ [الفرقان: ٣٢] إلى تأويل، لمنافاة العجز الصدر، وكذا مثل ﴿وَلولاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ﴾ [ الأنعام : ٧ ٣ ] و﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً﴾ [ الإسرار : ٥ ٩ ] وقد قرئ بالوجهين في كثير مما لا يمكن فيه التنجيم والتكثير وجعل هذا غير التكثير المذكور في النحو وهو التدريج بمعنى الإتيان بالشيء قليلاً قليلاً كما ذكروه في تسللوا حيث فسروه بأنهم يتسللون قليلاً قليلاً قالوا : ونظيره تدرج وتدخل ونحوه رتبه أي أتى به رتبة رتبة ولم يوجد غير ذلك، فحينئذ تكون صيغة فعل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى إما مجازاً أو اشتراكاً فلا يلزم اطراده بعيد لا سيما مع خفاء القرينة، وفي تعدي ( نزل ) بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منه وأنه صار كاللابس له بخلاف إلى إذ لا دلالة لها على أكثر من الانتهاء والوصول. وفي ذكره ﷺ بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة تنبيه على عظم قدره واختصاصه به وانقياده لأوامره، وفي ذلك غاية التشريف والتنويه بقدره ﷺ :
لا تدعني إلا بيا عبدهافإنه أشرف أسمائي
وقرئ ( عبادنا ) فيحتمل أنه أريد بذلك رسول الله ﷺ وأمته لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به لا تختص بل يشترك فيها المتبوع والتابع فجعل كأنه نزل عليهم، ويحتمل أنه أريد به النبيون الذين أنزل عليهم الوحي والرسول ﷺ أول مقصود وأسبق داخل لأنه الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه، وفيه إيذان بأن الارتياب فيه، ارتياب فيما أنزل من قبله لكونه مصدقاً له ومهيمناً عليه، وبعضهم(٣) جعل الخطاب على هذا لمنكري النبوات الذين حكى الله تعالى عنهم بقوله :﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شيء﴾ [ الأنعام : ١ ٩ ] وفي الآية التفات من الغائب إلى ضمير المتكلم وإلا لقال سبحانه مما نزل على عبده لكنه عدل سبحانه إلى ذلك تفخيماً للمنزل أو المنزل عليه لا سيما وقد أتى ب ( ن ) المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر رعاية لرفعة شأنه عليه الصلاة والسلام، والفاء من ﴿فَاتُواْ﴾ جوابية وأمر السببية ظاهر، والأمر من باب التعجيز وإلقام الحجر كما في قوله تعالى :﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو من الإتيان بمعنى المجيء بسهولة كيفما كان، ويقال في الخير والشر والأعيان والأعراض، ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي ك ﴿لاَ يَأْتُونَ الصلاة إلا وهم كسالى﴾ [ التوبة : ٤ ٥ ] وأصل ﴿فَاتُواْ﴾ فأتيوا فأعل الإعلال المشهور، وأتى شذوذاً حذف الفاء فقيل ( ت وتوا ) والتنوين في ( سورة ) للتنكير أي ائتوا بسورة ما وهي القطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات، وفيه من التبكيت والتخجيل لهم في الارتياب ما لا يخفى.
و ﴿مّن مّثْلِهِ﴾ إما أن يكون ظرفاً مستقراً صفة لسورة والضمير راجع إما لِ ( ما ) التي هي عبارة عن المنزل أو للعبد وعلى الأول يحتمل أن تكون من للتبعيض أو للتبيين، والأخفش يجوز زيادتها في مثله، والمعنى بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة والأسلوب المعجز وهذا على الأخيرين ظاهر، وأما على التبعيض فلأنه لم يرد بالمثل مثل محقق معين للقرآن بل ما يماثله فرضاً(٤) كما قيل : في مثلك لا يجهل، ولا شك أن بعضيتها للمماثل الفرضي لازمة/ لمماثلتها للقرآن فذكر اللازم وأريد الملزوم سلوكاً لطريق الكناية مع ما في لفظ ( من ) التبعيضية الدالة على القلة من المبالغة المناسبة لمقام التحدي، وبهذا رجح بعضهم التبعيض على التبيين مع ما في التبيين من التصريح بما علم ضمناً حيث إن المماثلة للقرآن تفهم من التعبير بالسورة إلا أنه مؤيد بما يأتي، وعلى الثاني يتعين أن تكون ( من ) للابتداء مثلها في ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ [ النمل : ٠ ٣ ] ويمتنع التبعيض والتبيين والزيادة امتناع الابتداء في الوجه الأول، وإما أن تكون صلة ﴿فَاتُواْ﴾.
والشائع أنه يتعين حينئذ عود الضمير للعبد لأن ( من ) لا تكون بيانية إذ لا مبهم، ولكونه مستقراً أبداً لا تتعلق بالأمر لغواً ولا تبعيضية وإلا لكان الفعل واقعاً عليه حقيقة كما في أخذت من الدراهم ولا معنى لإتيان البعض بل المقصد الإتيان بالبعض، ولا مجال لتقدير الباء مع وجود ( من ) ولأنه يلزم أن يكون ﴿بِسُورَةٍ﴾ ضائعاً فتعين أن تكون ابتدائية، وحينئذ يجب كون الضمير للعبد لا للمنزل، وجعل المتكلم مبدأ عرفاً للإتيان بالكلام منه معنى حسن مقبول بخلاف جعل الكل مبدأ للإتيان ببعض منه فإنه لا يرتضيه ذو فطرة سليمة، وأيضاً المعتبر في مبدأ الفعل هو المبدأ الفاعلي أو المادي، أو الغائي، أو جهة يتلبس بها وليس الكل بالنسبة إلى الجزء شيئاً من ذلك، وعليه يكون اعتبار مماثلة المأتي به للقرآن في البلاغة مستفاداً من لفظ السورة، ومساق الكلام بمعونة المقام.
واعترض بأن معنى ( من ) لا ينحصر فيما ذكر فقد تجيء للبدل نحو ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [ التوبة : ٨ ٣ ] ﴿لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ملائكة﴾ [ الزخرف : ٠ ٦ ] وللمجاوزة كعذت منه، فعلى هذا لو علق ﴿مّن مّثْلِهِ﴾ ب ﴿فَاتُواْ﴾ وحمل ( من ) على البدل أو المجاوزة ومثل على المقحم ورجع الضمير إلى ﴿مَا أَنَزَلْنَا﴾ على معنى : فأتوا بدل ذلك الكتاب العظيم شأنه، الواضح برهانه أو مجاوزين من هذا الكتاب مع فخامة أثره وجلالة قدره بسورة فذة لكان أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز، على أن عدم صحة شيء مما اعتبر في المبدأ ممنوع فإن الملابسة بين الكل والبعض أقوى منها بين المكان والمتمكن، فكما يجوز جعل المكان مبدأ الفعل المتمكن يجوز أن يجعل الكل مبدأ للإتيان بالبعض، ولعل من قال ذلك لم يطرق سمعه قول سيبويه : وبمنزلة المكان ما ليس بمكان ولا زمان نحو قرأت من أول السورة إلى آخرها، وأعطيتك من درهم إلى دينار وأيضاً فالإتيان ببعض الشيء تفريقه منه، ولا يستراب أن الكل مبدأ تفريق البعض منه، ويمكن أن يقال وهو الذي اختاره مولانا الشهاب أن المراد من الآية التحدي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه، فمقتضى المقام أن يقال لهم : معاشر الفصحاء المرتابين في أن القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه، وما ذكر يدل على هذا إذا كان من مثله صفة سورة سواء كان الضمير لما أو للعبد لأن معناه ائتوا بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد، مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضاً، فإذا تعلق ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضاً ائتوا من مثل هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرنا، ولو رجع على هذا لما كان معناه ائتوا من مثل هذا المنزل بسورة، ولا شك أن ( من ) ليست بيانية لأنها لا تكون لغواً ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية والمبدأ ليس فاعلياً بل مادياً، فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به، فلا يخلو من أن يدعى وجوده وهو خلاف الواقع وابتناؤه على الزعم أو الفرض تعسف بلا مقتضىٍ أولاً ولا يليق بالتنزيل، وكيف يأتون ببعض من شيء لا وجود له ؟ ! والحق عندي أن رجوع الضمير إلى كل من العبد، و( ما ) على تقديري اللغو والاستقرار/ أمر ممكن، ودائرة التأويل واسعة والاستحسان مفوض إلى الذوق السليم، والذي يدركه ذوقي ولا أزكى نفسي
١ _ الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، وغيرهم اهـ منه..
٢ _ قلنا ذلك لورود موتت الإبل..
٣ _ هو أبو حيان اهـ منه..
٤ _ وبعضهم يقول على التبعيض المراد ائتوا بمقدار بعض ما من القرآن مماثل له في البلاغة ولا إشكال فيه اهـ منه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى