البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
إن : حرف ثنائي الوضع يكون شرطاً، وهو أصل أدواته، وحرف نفي، وفي إعماله إعمال ما الحجازية خلاف، وزائداً مطرداً بعد ما النافية، وقبل مدة الإنكار، ولا تكون بمعنى إذ خلافا لزاعمه، ولا يعد من مواضعه المخففة من الثقيلة لأنها ثلاثية الوضع، ولذلك اختلف حكمها في التصغير.
العبد : لغة المملوك الذكر من جنس الإنسان، وهو راجع لمعنى العبادة، وتقدم شرحها.
الإتيان : المجيء، والأمر منه : ائت، كما جاء في لفظ القرآن، وشذ حذف فائه في الأمر قياساً واستعمالاً، قال الشاعر :
تِ لي آل عوف فاندهم لي جماعةوسلٍ آل عوف أي شيء يضيرها
وقال آخر :
فإن نحن لم ننهض لكم فنبركمفتوناً قفوا دوناً إذن بالجرائم
السورة : الدرجة الرفيعة.
ألم تر أن الله أعطاك سورة ؟ وسميت سورة القرآن بها لأن قارئها يشرف بقراءتها على من لم تكن عنده، كسور البناء.
وقيل : لتمامها وكمالها، ومنه قيل للناقة التامة : سورة، أو لأنها قطعة من القرآن، من أسأرت، والسؤر فأصلها الهمز وخففت، قاله أبو عبيدة، والهمز فيها لغة.
من مثله : المماثلة تقع بأدنى مشابهة، وقد ذكر سيبويه، رحمه الله، أن : مررت برجل مثلك، يحتمل وجوهاً ثلاثة، ولفظه مثل لازمة الإضافة لفظاً، ولذلك لحن بعض المولدين في قوله :
ومثلك من يملك الناس طراًعلى أنه ليس في الناس مثل
ولا يكون محلاً خلافاً للكوفيين.
وله في باب الصفة، إذا جرى على مفرد ومثنى ومجموع، حكم ذكر في النحو.
الدعاء : الهتف باسم المدعو.
الشهداء : جمع شهيد، للمبالغة، كعليم وعلماء، ولا يبعد أن يكون جمع شاهد، كشاعر وشعراء، وليس فعلاء باب فاعل، دون : ظرف مكان ملازم للظرفية الحقيقية أو المجازية، ولا يتصرف فيه بغير من.
قال سيبويه : وأما دونك فلا يرفع أبداً.
قال الفراء : وقد ذكر دونك وظروفاً نحوها لا تستعمل أسماء مرفوعة على اختيار، وربما رفعوا.
وظاهر قول الأخفش : جواز تصرفه، خرج قوله تعالى ﴿ومنا دون ذلك﴾ على أنه مبتدأ وبني لإضافته إلى المبنى، وقد جاء مرفوعاً في الشعر أيضاً، قال الشاعر :
ألم ترني أني حميت حقيبتيوباشرت حد الموت والموت دونها
وتجيء دون صفة بمعنى رديء، يقال : ثوب دون، أي رديء، حكاه سيبويه في أحد قوليه، فعلى هذا يعرب بوجوه الإعراب ويكون دون مشتركاً.
الصدق : يقابله الكذب، وهو مطابقة الخبر للمخبر عنه.
﴿وإن كنتم في ريب﴾ نزلت في جميع الكفار.
وقال ابن عباس ومقاتل : نزلت في اليهود، وسبب ذلك أنهم قالوا : هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي وإنا لفي شك منه، والأظهر القول الأول.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما احتج تعالى عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك، وعرفهم أن من جعل لله شريكاً فهو بمعزل من العلم والتمييز، أخذ يحتج على من شك في النبوة بما يزيل شبهته، وهو كون القرآن معجزة، وبين لهم كيف يعلمون أنه من عند الله أم من عنده، بأن يأتوا هم ومن يستعينون به بسورة هذا، وهم الفصحاء البلغاء المجيدون حوك الكلام، من الثار والنظام والمتقلبون في أفانين البيان، والمشهود لهم في ذلك بالإحسان.
ولما كانوا في ريب حقيقة، وكانت إن الشرطية إنما تدخل على الممكن أو المحقق المبهم زمان وقوعه، ادعى بعض المفسرين أن إن هنا معناها : إذا، لأن إذا تفيد مضي ما أضيفت إليه، ومذهب المحققين أن إن لا تكون بمعنى إذا.
وزعم المبرد ومن وافقه أن لكان الماضية الناقصة معان حكماً ليست لغيرها من الأفعال الماضية، فلقوة كان زعم أن إن لا يقلب معناها إلى الاستقبال، بل يكون على معناه من المضي إن دخلت عليه إن، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن كان كغيرها من الأفعال، وتأولوا ما ظاهره ما ذهب إليه المبرد، إما على إضمار يكن بعد إن نحو :﴿إن كان قميصه قدّ﴾ أي إن يكن كان قميصه، أو على أن المراد به التبيين، أي أن يتبين كون قميصه قدّ.
فعلى قول أبي العباس يكون كونهم في ريب ماضياً، ويصير نظير ما لو جاء إن كنت أحسنت إليّ فقد أحسنت إليك، إذا حمل على ظاهره ولم يتأول.
ولهذا قال بعض المفسرين في قوله :﴿وإن كنتم في ريب﴾ : جرى كلام الله فيه على التحقيق، مثال قول الرجل لعبده : إن كنت عبدي فأطعني لأن الله تعالى عالم بما تكنه القلوب، قال : وبين هذا أن سبب نزول هذه الآية قول اليهود : وإنا لفي شك مما جاء به، وجعلها بمعنى إذا وكان ماضيه اللفظ والمعنى، أو مثل قول القائل : إن كنت عبدي فأطعني، فراراً من جعل ما بعد إن مستقبل المعنى وذلك ممكن، ولا تنافي بين إن كانوا في ريب فيما مضى وإن تعلق على كونهم في ريب في المستقبل، لأن الماضي من الجائز أن يستدام، بأن يظهر لمعتقد الريب فيما مضى خلاف ذلك فيزول عنه الريب، فقيل : وإن كنتم، أي : وإن تكونوا في ريب، باستصحاب الحالة الماضية التي سبقت لكم، فأتوا، وهذا مثل من يقول لولده العاق له : إن كنت تعصيني فارحل عني، فمعناه : إن تكن في المستقبل تعصيني فارحل عني، لا يريد التعليق على الماضي، ولا أن إن بمعنى إذا، إذ لا تنافي بين تقدّم العصيان وتعليق الرحيل على وقوعه في المستقبل، ولا حاجة إلى جعل ما يثبت حرفيته بمعنى إذا الظرفية.
وقد تقدّم لنا أنه لا تنافي بين قوله تعالى :﴿لا ريب فيه﴾ وبين قوله :﴿وإن كنتم في ريب﴾ عند الكلام على قوله :﴿لا ريب فيه﴾.
وفي ريب من تنزيل المعاني منزلة الأجرام.
ومن تحتمل ابتداء الغاية والسببية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض.
وما موصولة، أي من الذي نزلنا، والعائد محذوف، أي نزلناه، وشرط حذفه موجود.
وأجاز بعضهم أن تكون ما نكرة موصوفة، وقد تقدم لنا الكلام على ما النكرة الموصوفة، ونزلنا التضعيف فيه هنا للنقل، وهو المرادف لهمزة النقل.
ويدل على مرادفتهما في هذه الآية قراءة يزيد بن قطيب مما أنزلنا بالهمزة، وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً في أوقات مختلفة، خلافاً للزمخشري، قال : فإن قلت لم قيل : مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال ؟ قلت : لأن المراد النزول على التدريج والتنجيم، وهو من مجازه لمكان التحدي.
وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري في تضعيف عين الكلمة هنا، هو الذي يعبر عنه بالتكثير، أي يفعل ذلك مرة بعد مرة، فيدل على هذا المعنى بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة.
وذهل الزمخشري عن إن ذلك إنما يكون غالباً في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية، نحو : جرحت زيداً، وفتحت الباب، وقطعت، وذبحت، لا يقال : جلس زيد، ولا قعد عمرو، ولا صوم جعفر، ونزلنا لم يكن متعدياً قبل التضعيف إنما كان لازماً، وتعديه إنما يفيده التضعيف أو الهمزة، فإن جاء في لازم فهو قليل.
قالوا : مات المال، وموّت المال، إذا كثر ذلك فيه، وأيضاً، فالتضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل، أما أن يجعل اللازم متعدياً فلا، ونزلنا قبل التضعيف كان لازماً ولم يكن متعدياً، فيكون التعدي المستفاد من التضعيف دليلاً على أنه للنقل لا للتكثير، إذ لو كان للتكثير، وقد دخل على اللازم، بقي لازماً نحو : مات المال، وموّت المال.
وأيضاً فلو كان التضعيف في نزل مفيداً للتنجيم لاحتاج قوله تعالى :
﴿لولا نُزِّل عليه القرآن جملة واحدة﴾ إلى تأويل، لأن التضعيف دال على التنجيم والتكثير، وقوله :﴿جملة واحدة﴾ ينافي ذلك.
وأيضاً فالقراءات بالوجهين في كثير مما جاء يدل على أنهما بمعنى واحد.
وأيضاً مجيء نزل حيث لا يمكن فيه التكثير والتنجيم إلا على تأويل بعيد جداً يدل على ذلك.
قال تعالى :﴿وقالوا لولا نزل عليه آية﴾ وقال تعالى :﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً﴾ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول الآية، ولا أنه علق تكرير نزول ملك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض، وإنما المعنى، والله أعلم، مطلق الإنزال.
وفي نزلنا التفات لأنه انتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم، لأن قبله ﴿اعبدوا ربكم﴾ و ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾.
فلو جرى الكلام على هذا السياق لكان مما نزل على عبده، لكن في هذا الالتفات من التفخيم للمنزل والمنزل عليه ما لا يؤديه ضمير غائب، لاسيما كونه أتى بنا المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر ونظيره، ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا﴾ وتعدي نزل بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منه، وأنه قد صار كالملابس له، بخلاف إلى فإنها تدل على الانتهاء والوصول.
ولهذا المعنى الذي أفادته على تكرار ذلك في القرآن في آيات، قال تعالى :﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ وفي إضافة العبد إليه تعالى تنبيه على عظيم قدره، واختصاصه بخالص العبودية، ورفع محله وإضافته إلى نفسه تعالى، واسم العبد عام وخاص، وهذا من الخاص :
لا تدعني إلا بيا عبدهالأنه أشرف أسمائي
ومن قرأ : على عبادنا بالجمع، فقيل : يريد رسول الله ﷺ وأمته، قاله الزمخشري، وصار نظير قوله تعالى : أن يقولوا :﴿إنما أنزل الكتاب على ظائفتين من قبلنا﴾ لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به من امتثال التكاليف، والموعود على ذلك لا يختص بل يشترك فيه المتبوعون والتباع، فجعل كأنه نزل عليهم.
وذلك نوع من المجاز يجعل فيه من لم يباشر الشيء إذا كان مكلفاً به منزلة من باشر، ويحتمل أن يريد به النبيين الذين أنزل عليهم الوحي، والكتب والرّسول أول مقصود بذلك، وأسبق داخل في العموم، لأنه هو الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه، ويكون ذلك خطاباً لمنكري النبوات، كما قال تعالى، حكاية عن بعضهم :﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ ويحتمل أن يراد بالمفرد الجمع.
وتبينه هذه القراءة كقوله تعالى :﴿واذكر عبدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾ في قراءة من أفرد، فيكون إذ ذاك للجنس.
فأتوا بسورة : طلب منهم الإتيان بمطلق سورة، وهي القطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات، فلم يقترح عليهم الإتيان بسورة طويلة فتعنتوا في ذلك، بل سهل عليهم وأراح عليهم بطلب الإتيان بسورة ما، وهذا هو غاية التبكيت والتخجيل لهم.
فإذا كنتم لا تقدرون أنتم ولا معاضدوكم بالإتيان بسورة من مثله، فكيف تزعمون أنه من جنس كلامكم ؟ وكيف يلحقكم في ذلك ارتياب أنه من عند الله ؟
وقد تعرض الزمخشري هنا لذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، وليس ذلك من علم التفسير، وإنما هو من فوائد التفصيل والتسوير.
من مثله : الهاء عائدة على ما، أو على عبدنا، والراجح الأول وهو قول أكثر المفسرين ورجحانه من وجوه : أحدها : أن الارتياب أولاً إنما جيء به منصباً على المنزل لا على المنزل عليه، وإن كان الريب في المنزل ريباً في المنزل عليه بالالتزام، فكان عود الضمير عليه أولى.
الثاني : أنه قد جاء في نظير هذه الآية وهذا السياق قوله :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾، ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ { على أن يأتوا مثل هذا القرآن لا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى