غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات : ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر.
الوقوف :﴿من مثله﴾ ( ص ) ﴿صادقين﴾ ﴿والحجارة﴾ ( ج ) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله ﴿أعدت﴾ بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي ﴿للكافرين﴾ ( ه ).
التفسير : لما نبه بالآيتين السابقتين على طريق الاعتراف بوجود الصانع ووحدانيته، أعقبهما بما يدل على صحة نبوة محمد ﷺ وحقيقة ما نزل عليه ﷺ. وقد ذكر في كون القرآن معجزاً طريقان :
الأول : أنه إما أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء أو زائداً عليه بما لا ينقض العادة أو بما ينقضها. والأولان باطلان لأنهم -وهم زعماء وملوك الكلام- تحدّوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل ؟ فتعين القسم الثالث.
الطريق الثاني : أن يقال : إن بلغت السورة المتحدى بها في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز. فإن قيل : وما يدريك أنه لن يعارض في مستأنف الزمان وإن لم يعارض إلى الآن ؟ قلت : لأنه لا احتياج إلى المعارضة أشد مما في وقت التحدي، وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق. وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله ﴿ولن تفعلوا﴾ كما يجيء.
واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق. ومن فسر الإعجاز بأنه صرف الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفاً لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض، أو بكونه مشتملاً على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء، فقد كذب ابن أخت خالته. فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه، ونظمه المؤثر في القلوب تأثيراً لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لا من صرف الله تعالى البشر عن الإتيان بمثله، كما لو قال أحد : معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم. وكان كما قال، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل. وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجزاً باطل، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملاً على الغيب ككلام الكهان ونحوهم. فإن قيل : كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها ؟ قلنا : لا ريب أن الحق هو القسم الثاني، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة. لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام الله تعالى، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال. فالقرآن إذاً في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة. والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان. والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل. وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب، واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات. والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فقلما ينجع هنالك إلا ذلك. ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على كونه معجزاً. منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير. ومنها أنه تعالى راعى طريق الصدق وتبرأ عن الكذب، وقد قيل : أحسن الشعر أكذبه. ولهذا كان لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخيل ترك شعرهما. ومنها أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو في بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح ككل جزء منه. ومنها أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول، وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة وغاية الملاحة.
ومنها أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم المنكرات والحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد. ومنها أنهم قالوا : إن شعر امرئ القيس يحسن في النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء والقرآن جاء فصيحاً في كل فن من فنون الكلام. فانظر في الترغيب إلى قوله :﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين﴾ [السجدة: ١٧] وفي الترهيب ﴿وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ [إبراهيم: ١٥-١٧] وفي الزجر ﴿فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا﴾ [العنكبوت: ٤٠] وفي الوعظ
﴿أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ [الشعراء: ٢٠٥] وفي الإلهيات ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾
[الرعد: ٨، ٩]. ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم الأخلاق وما شئت، ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كما أن الإتيان بأقصر سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر.
" فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح " ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنما قيل :﴿وإن كنتم﴾ دون إذ كنتم لما عرفت في تفسير ﴿لا ريب فيه﴾. وإنما اختير ﴿نزلنا﴾ على لفظ التنزيل دون الإنزال، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون : لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ [الفرقان: ٣٢] أي على خلاف ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، فقيل لهم : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر، ومعنى السورة مذكور في المقدمة الرابعة. وإنما قيل :﴿على عبدنا﴾ دون أن يقال على محمد كقوله
﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ [محمد: ٢] تشريفاً له ﷺ وإعلاماً بأنه ﷺ ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله تعالى :﴿يا أيها الناس اعبدوا﴾ وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله تعالى :﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الإسراء: ٦٥]. وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية، فهي التي توصل إلى العندية ﴿في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر﴾ [القمر: ٥٥] " وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي " وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى الله. وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف، كان إفراز كل من صاحبه أحسن، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها.
ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلاً أو طوى فرسخاً، ومن ثم جزأوا القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه، ومنه حديث أنس : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا. ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. و﴿من مثله﴾ متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿فأتوا﴾ والضمير للعبد معناه، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله " لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب " أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثل الحجاج. وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون. ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر ﴿فأتو بسورة مثله﴾
[البقرة: ٢٣] ﴿فأتوا بعشر سور مثله﴾ [هود: ١٣]، ولأن البحث إنما وقع في المنزل لا في المنزل عليه، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله. ولو كان الضمير مردوداً إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمداً ﷺ منزل عليه، فأتوا بسورة ممن يماثله. وأيضاً لو كان عائداً إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله، مجتمعين أو متفرقين، أميين أو قارئين. ولو عاد إلى النبي ﷺ اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله عاجزاً، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، ولاسيما فإنه يلزم من الوجه الثاني تقرير نقص للنبي ﷺ، وإيهام أنّ الإتيان بالقرآن ممن يكون قارئاً ممكن. وأيضاً الأول هو الملائم لقوله ﴿وادعوا شهداءكم﴾ إذ لو كان المراد فليأت واحد آخر أمي بنحو ما أتى به هذا الواحد، لم يحتج أن يستظهر بالشهداء وهي جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادات. والمراد بها إما آلهتهم كأنه قيل : إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد إلى فاقة شديدة فتعجلوا الاستعانة بها، وإلا فاعلموا أنكم مبطلون فيكون في الكلام محاجة من جهتين : من جهة إبطال كونها آلهة، ومن جهة إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن.
وإما أكابرهم ورؤساؤهم أي ادعوهم ليعينوكم على المعارضة، أو ليحكموا لكم وعليكم. ومعنى ﴿دون﴾ أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون وهو الحقير، ودوّن الكتب إذا جمعها بتقليل المسافة بينها. ويقال هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أي خذه من دونك أي من أدنى مكان منك، فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب. وقيل : زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال لعدوّه وقد كان يثني عليه رياء : أنا دون هذا وفوق ما في نفسك. واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى
القراءات : ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر.
الوقوف :﴿من مثله﴾ ( ص ) ﴿صادقين﴾ ﴿والحجارة﴾ ( ج ) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله ﴿أعدت﴾ بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي ﴿للكافرين﴾ ( ه ).
الوقوف :﴿من مثله﴾ ( ص ) ﴿صادقين﴾ ﴿والحجارة﴾ ( ج ) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله ﴿أعدت﴾ بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي ﴿للكافرين﴾ ( ه ).
التفسير : لما نبه بالآيتين السابقتين على طريق الاعتراف بوجود الصانع ووحدانيته، أعقبهما بما يدل على صحة نبوة محمد ﷺ وحقيقة ما نزل عليه ﷺ. وقد ذكر في كون القرآن معجزاً طريقان :
الأول : أنه إما أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء أو زائداً عليه بما لا ينقض العادة أو بما ينقضها. والأولان باطلان لأنهم -وهم زعماء وملوك الكلام- تحدّوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل ؟ فتعين القسم الثالث.
الطريق الثاني : أن يقال : إن بلغت السورة المتحدى بها في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز. فإن قيل : وما يدريك أنه لن يعارض في مستأنف الزمان وإن لم يعارض إلى الآن ؟ قلت : لأنه لا احتياج إلى المعارضة أشد مما في وقت التحدي، وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق. وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله ﴿ولن تفعلوا﴾ كما يجيء.
واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق. ومن فسر الإعجاز بأنه صرف الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفاً لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض، أو بكونه مشتملاً على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء، فقد كذب ابن أخت خالته. فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه، ونظمه المؤثر في القلوب تأثيراً لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لا من صرف الله تعالى البشر عن الإتيان بمثله، كما لو قال أحد : معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم. وكان كما قال، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل. وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجزاً باطل، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملاً على الغيب ككلام الكهان ونحوهم. فإن قيل : كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها ؟ قلنا : لا ريب أن الحق هو القسم الثاني، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة. لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام الله تعالى، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال. فالقرآن إذاً في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة. والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان. والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل. وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب، واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات. والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فقلما ينجع هنالك إلا ذلك. ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على كونه معجزاً. منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير. ومنها أنه تعالى راعى طريق الصدق وتبرأ عن الكذب، وقد قيل : أحسن الشعر أكذبه. ولهذا كان لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخيل ترك شعرهما. ومنها أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو في بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح ككل جزء منه. ومنها أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول، وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة وغاية الملاحة.
| أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره | هو المسك ما كررته يتضوّع |
﴿أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ [الشعراء: ٢٠٥] وفي الإلهيات ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾
[الرعد: ٨، ٩]. ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم الأخلاق وما شئت، ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كما أن الإتيان بأقصر سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر.
" فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح " ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنما قيل :﴿وإن كنتم﴾ دون إذ كنتم لما عرفت في تفسير ﴿لا ريب فيه﴾. وإنما اختير ﴿نزلنا﴾ على لفظ التنزيل دون الإنزال، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون : لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ [الفرقان: ٣٢] أي على خلاف ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، فقيل لهم : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر، ومعنى السورة مذكور في المقدمة الرابعة. وإنما قيل :﴿على عبدنا﴾ دون أن يقال على محمد كقوله
﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ [محمد: ٢] تشريفاً له ﷺ وإعلاماً بأنه ﷺ ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله تعالى :﴿يا أيها الناس اعبدوا﴾ وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله تعالى :﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الإسراء: ٦٥]. وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية، فهي التي توصل إلى العندية ﴿في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر﴾ [القمر: ٥٥] " وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي " وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى الله. وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف، كان إفراز كل من صاحبه أحسن، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها.
ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلاً أو طوى فرسخاً، ومن ثم جزأوا القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه، ومنه حديث أنس : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا. ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. و﴿من مثله﴾ متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿فأتوا﴾ والضمير للعبد معناه، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله " لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب " أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثل الحجاج. وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون. ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر ﴿فأتو بسورة مثله﴾
[البقرة: ٢٣] ﴿فأتوا بعشر سور مثله﴾ [هود: ١٣]، ولأن البحث إنما وقع في المنزل لا في المنزل عليه، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله. ولو كان الضمير مردوداً إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمداً ﷺ منزل عليه، فأتوا بسورة ممن يماثله. وأيضاً لو كان عائداً إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله، مجتمعين أو متفرقين، أميين أو قارئين. ولو عاد إلى النبي ﷺ اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله عاجزاً، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، ولاسيما فإنه يلزم من الوجه الثاني تقرير نقص للنبي ﷺ، وإيهام أنّ الإتيان بالقرآن ممن يكون قارئاً ممكن. وأيضاً الأول هو الملائم لقوله ﴿وادعوا شهداءكم﴾ إذ لو كان المراد فليأت واحد آخر أمي بنحو ما أتى به هذا الواحد، لم يحتج أن يستظهر بالشهداء وهي جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادات. والمراد بها إما آلهتهم كأنه قيل : إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد إلى فاقة شديدة فتعجلوا الاستعانة بها، وإلا فاعلموا أنكم مبطلون فيكون في الكلام محاجة من جهتين : من جهة إبطال كونها آلهة، ومن جهة إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن.
وإما أكابرهم ورؤساؤهم أي ادعوهم ليعينوكم على المعارضة، أو ليحكموا لكم وعليكم. ومعنى ﴿دون﴾ أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون وهو الحقير، ودوّن الكتب إذا جمعها بتقليل المسافة بينها. ويقال هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أي خذه من دونك أي من أدنى مكان منك، فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب. وقيل : زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال لعدوّه وقد كان يثني عليه رياء : أنا دون هذا وفوق ما في نفسك. واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى
القراءات : ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر.
الوقوف :﴿من مثله﴾ ( ص ) ﴿صادقين﴾ ﴿والحجارة﴾ ( ج ) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله ﴿أعدت﴾ بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي ﴿للكافرين﴾ ( ه ).