اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قرأ ابن كثير، ونافع(١)، والكسائي، وأبو بكرٍ، عن عاصم :" وَصِيَّةٌ " بالرفع والباقون : بالنصب. وفي رفع ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ ثمانية أوجهٍ، خمسةٌ منها على قراءة من رفع " وَصِيَّةً "، وثلاثةٌ على قراءة من نصب " وصيةٌ " ؛ فأوّل الخمسة، أنه مبتدأ، و " وَصِيَّةٌ " مبتدأ ثانٍ، وسوَّغ الابتداء بها كونها موصوفة تقديراً ؛ إذ التقدير :" وَصِيَّةٌ مِنَ اللهِ " أو " مِنْهُمْ " ؛ على حسب الخلاف فيها : أهي واجبةٌ من الله تعالى، أو مندوبةٌ للأزواج ؟ و " لأَزْوَاجِهِمْ " خبر المبتدأ الثاني، فيتعلَّق بمحذوفٍ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، وفي هذه الجملة ضمير الأول، وهذه نظير قولهم :" السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ " تقديره :" مَنَوَانِ مِنْهُ "، وجعل ابن عطية المسوِّغ للابتداء بها كونها في موضع تخصيص ؛ قال :" كما حَسُنَ أَنْ يرتفع :" سَلاَمٌ عَلَيْكَ " و " خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ " ؛ لأنها موضع دعاءٍ " قال شهاب الدين : وفيه نظرٌ.
الثاني : أن تكون " وَصِيَّةٌ " مبتدأ، و " لأَزْوَاجِهِمْ " صفتها، والخبر محذوفٌ، تقديره : فعليهم وصيةٌ لأزواجهم، والجملة خبر الأوَّل.
الثالث : أنها مرفوعة بفعل محذوفٍ، تقديره : كتب عليهم وصيَّةٌ و " لأَزْوَاجِهِمْ " صفةٌ، والجملة خبر الأول أيضاً ؛ ويؤيِّد هذا قراءة عبد الله :" كُتِبَ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ " وهذا من تفسير المعنى، لا الإعراب ؛ إذ ليس هذا من المواضع التي يضمر فيها الفعل.
الرابع : أن " الَّذِينَ " مبتدأٌ، على حذف مضافٍ من الأول، تقديره : ووصيَّةُ الذين.
الخامس : أنه كذلك إلا أنه على حذف مضافٍ من الثاني، تقديره :" وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أَهْلُ وَصيَّةٍ " ذكر هذين الوجهين الزمخشريُّ، قال أبو حيان :" ولا ضرورة تدعونا إلى ذلك ".
فهذه الخمسة الأولى التي على رفع " وَصِيَّةٌ ". وأمَّا الثلاثة التي على قراءة النصب في " وَصِيَّةٌ " :
فأحدها : أنه فاعل فعل محذوفٍ، تقديره : وليوص الذين، ويكون نصب " وَصِيَّةٌ " على المصدر.
الثاني : أنه مرفوع بفعل مبني للمفعول يتعدَّى لاثنين، تقديره :" وأُلْزِمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ " ويكون نصب " وَصِيَّةً " على أنها مفعولٌ ثانٍ ل " أُلْزِمَ "، ذكره الزمخشريُّ، وهو والذي قبله ضعيفان ؛ لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل.
الثالث : أنه مبتدأٌ، وخبره محذوف، وهو الناصب لوصية، تقديره : والذين يتوفون يوصون وصيَّة، وقدره ابن عطية :" لِيُوصُوا " و " وَصِيَّةً " منصوبةٌ على المصدر أيضاً، وفي حرف عبد الله :" الوَصِيَّةُ " رفعاً بالابتداء، والخبر الجارُّ بعدها، أو مضمرٌ أي : فعليهم الوصية، والجارُّ بعدها حالٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو بيانٌ.
قوله تعالى :" مَتَاعاً " في نصبه سبعة أوجهٍ :
أحدها : أنَّه منصوبٌ بلفظ " وَصِيَّة " لأنها مصدرٌ منونٌ، ولا يضرُّ تأنيثها بالتاء ؛ لبنائها عليها ؛ فهي كقوله :[ الطويل ]
والأصل : وصية بمتاع، ثم حذف حرف الجرِّ، اتساعاً، فنصب ما بعده، وهذا إذا لم تجعل " الوصيَّة " منصوبةٌ على المصدر ؛ لأن المصدر المؤكَّد لا يعمل، وإنما يجيء ذلك حال رفعها، أو نصبها على المفعول ؛ كما تقدَّم تفصيله.
والثاني : أنه منصوبٌ بفعلٍ، إمَّا من لفظه، أي : متِّعوهنَّ متاعاً، أي : تمتيعاً، أو من غير لفظه، أي : جعل الله لهنَّ متاعاً.
الثالث : أنه صفةٌ لوصية.
الرابع : أنه بدل منها.
الخامس : أنه منصوبٌ بما نصبها، أي : يوصون متاعاً، فهو مصدر أيضاً على غير الصدر ؛ ك " قَعَدْتُ جُلُوساً "، هذا فيمن نصب " وَصِيَّةً ".
السادس : أنه حالٌ من الموصين : أي ممتَّعين أو ذوي متاعٍ.
السابع : أنه حالٌ من أزواجهم، [ أي ] : ممتَّعاتٍ أو ذوات متاعٍ، وهي حالٌ مقدَّرة إن كانت الوصية من الأزواج.
وقرأ أُبيٌّ :" مَتَاعٌ لأَزْوَاجِهِمْ " بدل " وَصِيَّةٌ "، وروي عنه " فَمَتَاعٌ "، ودخول الفاء في خبر الموصول ؛ لشبهه بالشرط، وينتصب " مَتَاعاً " في هاتين الروايتين على المصدر بهذا المصدر، فإنه بمعنى التمتيع ؛ نحو :" يُعْجِبُنِي ضَرْبٌ لَكَ ضَرْباً شَدِيداً "، ونظيره :﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ [الإسراء: ٦٣]، و " إِلَى الحَوْلِ " متعلِّقٌ ب " مَتَاع " أو بمحذوفٍ ؛ على أنه صفة له.
قوله تعالى :﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ في نصبه ستة أوجهٍ :
أحدها : أنه نعتٌ ل " مَتَاعاً ".
الثاني : أنه بدلٌ منه.
الثالث : أنه حالٌ من الزوجات، أي : غير مخرجات.
الرابع : أنه حالٌ من الموصين، أي : غير مخرجين.
الخامس : أنه منصوب على المصدر، تقديره : لا إخراجاً، قاله الأخش(٣).
السادس : أنه على حذف حرف الجرِّ، تقديره : من غير إخراجٍ، قاله أبو البقاء(٤)، قال شهاب الدين : وفيه نظر.
معنى قوله :" غَيْرَ إِخْرَاجٍ " أي : ليس لأولياء الميِّت ووارثي المنزل ؛ إخراجها، " فَإِنْ خَرَجْنَ " أي : باختيارهن قبل الحول ﴿فلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾، أي : لا حرج على وليِّ أحدٍ وُلِّيَ، أو حاكم، أو غيره ؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولاً.
وقيل : لا جناح في قطع النّفقة عنهن، أو لا جناح عليهنَّ في التشرُّف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهنَّ مراقبتكم أيُّها الورثة، ثم عليها أنها لا تتزوج قبل انقضاء العدَّة بالحول أو لا جناح في تزويجهنَّ بعد انقضاء العدّة، لأنه قال :" بالمَعْرُوفِ "، وهو ما يوافق الشرع.
و ﴿اللهُ عَزِيزٌ﴾ صفةٌ تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدَّ في هذه النازلة، في إخراج المرأة، وهي لا تريد الخروج " حَكِيمٌ "، أي مُحْكِمٌ لما يريد من أمور عباده والله أعلم.
قوله :﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ هذان الجارَّان يتعلَّقان بما تعلَّق به خبر " لا " وهو " عَلَيْكُمْ " من الاستقرار، والتقدير : لا جناح مستقرٌّ عليكم فيما فعلن في أنفسهنَّ، و " مَا " موصولةٌ اسميةٌ، والعائد محذوف، تقديره : فعلنه، و " مِنْ مَعْرُوفٍ " متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من ذلك العائد المحذوف، وتقديره : فيما فعلنه كائناً من معروفٍ.
وجاء في هذه الآية " مِن مَّعْرُوفٍ " نكرةً مجرورةً ب " مِنْ "، وفي الآية قبلها " بِالمَعْرُوفِ " معرَّفاً مجروراً بالباء ؛ لأنَّ هذه لام العهد ؛ كقولك :" رَأَيْتُ رَجُلاً فَأَكْرَمْتُ الرَّجُلَ " إلاَّ أنَّ هذه، وإن كانت متأخِّرةً في اللفظ، فهي متقدِّمة في التنزيل، ولذلك جعلها العلماء منسوخةً بها، إلا عند شذوذٍ، وتقدَّم نظائر هذه الجمل، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيها.
في هذه الآية ثلاثة أقوالٍ :
الأول : وهو اختيار جمهور المفسرين أنها منسوخةٌ، قالوا : نزلت الآية في رجل من أهل الطائف، يقال له : حكيم بن الحرث، هاجر إلى المدينة، وله أولاد، ومعه أبواه وامرأته، فمات، فأنزل الله هذه الآية ؛ فأعطى النبي ﷺ والديه، وأولاده ميراثه، ولم يعط امرأته شيئاً، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً كاملاً(٥)، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، كاملاً، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبةً في مال زوجها تلك السَّنة، ما لم يخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها، سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالرُّبع، والثُّمن، ونسخ عدَّة الحول ب ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾.
قال ابن الخطيب : دلَّت هذه الآية على وجوب أمرين :
أحدهما : وجوب النفقة، والسُّكنى من مال الزَّوج، سواءٌ قراءة " وَصِيَّةٌ ووصِيَّةً " بالرفع، أو بالنصب.
والثاني : وجوب الاعتداد، ثم نسخ الله تعالى هذين الحكمين، أمّا الوصية بالنفقة، والسكنى، فلثبوت ميراثها بالقرآن، والسنة، دلَّت على أنَّه لا وصيَّة لوارثٍ، فصار مجموع القرآن والسنَّة ناسخاً لوجوب الوصيَّة لها بالنفقة والسكنى في الحول.
أمَّا وجوب العدة في الحول، فنسخ بقوله :﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤].
القول الثاني : وهو قول مجاهد : أنَّ الله تعالى أنزل في عدَّة المتوفى عنها زوجها آيتين :
إحداهما : قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [ آية : ٢٣٤ ]، والأخرى هذه الآية ؛ فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين، فنقول : إنَّها إن لم تختر السُّكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله، وتركته ؛ فعدَّتها هي الحول، قال ابن الخطيب : وتنزيل(٦) الآيتين على هذين التَّقديرين أولى ؛ حتى يكون كل منهما معمولاً به، والجمع بين الدَّليلين، والعمل بهما أولى من اطراح أحدهما، والعمل بالآخر.
القول الثالث : قال أبو مسلم الأصفهاني(٧) : معنى الآية : أنَّ من يتوفَّى منكم، ويذرون أزواجاً، وقد وصّوا وصيَّة لأزواجهم، بنفقة الحول، وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك، وخالفن وصيَّة أزواجهنَّ، بعد أن يقمن أربعة أشهرٍ وعشراً ؛ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروفٍ، أي : نكاحٌ صحيحٌ ؛ لأن إقامتهنَّ بهذه الوصيَّة غير لازمة.
قال(٨) : والسَّبب : أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يوصون بالنَّفقة، والسُّكنى حولاً كاملاً، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّ ذلك غير واجبٍ، وعلى هذا التَّقدير، فالنَّسخ زائلٌ، واحتجَّ على ذلك بوجوهٍ :
أحدها : أنَّ النَّسخ خلاف الأصل ؛ فوجب المصير إلى عدمه، بقدر الإمكان.
الثاني : أنَّ النَّاسخ يكون متأخِّراً عن المنسوخ في النُّزول، وإذا كان متأخِّراً عنه في النُّزول، يجب أن يكون متأخِّراً عنه في التِّلاوة، وهو إن كان جائزاً في الجملة إلاَّ أنَّ قولنا يعدّ من سوء التَّرتيب، وتنزيه كلام الله واجبٌ بقدر الإمكان، ولمَّا كانت هذه الآية متأخِّرةً عن تلك في التِّلاوة ؛ كان الأولى ألاّ يحكم بكونها منسوخةً بتلك.
الثالث : أنَّه ثبت عند الأصوليِّين متى وقع التَّعارض بين التَّخصيص، والنَّسخ، كان النَّسخ أولى، وهاهنا إن خصَّصنا هاتين الآيتين بحالتين على ما هو قول مجاهد ؛ اندفع النَّسخ، فكان قول مجاهد أولى من التزام النَّسخ من غير دليلٍ، وأمَّا على قول أبي مسلم، فيكون أظهر ؛ لأنكم تقولون : تقدير الآية : فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها : فليوصوا وصيَّةً، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية : والذين يتوفون منكم، ولهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها : وقد أوصوا وصيَّةً لأزواجهم فهو يضيف هذا الكلام إلى الزَّوج، وإذا كان لا بدَّ من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضمارنا ثم على ت
الثاني : أن تكون " وَصِيَّةٌ " مبتدأ، و " لأَزْوَاجِهِمْ " صفتها، والخبر محذوفٌ، تقديره : فعليهم وصيةٌ لأزواجهم، والجملة خبر الأوَّل.
الثالث : أنها مرفوعة بفعل محذوفٍ، تقديره : كتب عليهم وصيَّةٌ و " لأَزْوَاجِهِمْ " صفةٌ، والجملة خبر الأول أيضاً ؛ ويؤيِّد هذا قراءة عبد الله :" كُتِبَ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ " وهذا من تفسير المعنى، لا الإعراب ؛ إذ ليس هذا من المواضع التي يضمر فيها الفعل.
الرابع : أن " الَّذِينَ " مبتدأٌ، على حذف مضافٍ من الأول، تقديره : ووصيَّةُ الذين.
الخامس : أنه كذلك إلا أنه على حذف مضافٍ من الثاني، تقديره :" وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أَهْلُ وَصيَّةٍ " ذكر هذين الوجهين الزمخشريُّ، قال أبو حيان :" ولا ضرورة تدعونا إلى ذلك ".
فهذه الخمسة الأولى التي على رفع " وَصِيَّةٌ ". وأمَّا الثلاثة التي على قراءة النصب في " وَصِيَّةٌ " :
فأحدها : أنه فاعل فعل محذوفٍ، تقديره : وليوص الذين، ويكون نصب " وَصِيَّةٌ " على المصدر.
الثاني : أنه مرفوع بفعل مبني للمفعول يتعدَّى لاثنين، تقديره :" وأُلْزِمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ " ويكون نصب " وَصِيَّةً " على أنها مفعولٌ ثانٍ ل " أُلْزِمَ "، ذكره الزمخشريُّ، وهو والذي قبله ضعيفان ؛ لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل.
الثالث : أنه مبتدأٌ، وخبره محذوف، وهو الناصب لوصية، تقديره : والذين يتوفون يوصون وصيَّة، وقدره ابن عطية :" لِيُوصُوا " و " وَصِيَّةً " منصوبةٌ على المصدر أيضاً، وفي حرف عبد الله :" الوَصِيَّةُ " رفعاً بالابتداء، والخبر الجارُّ بعدها، أو مضمرٌ أي : فعليهم الوصية، والجارُّ بعدها حالٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو بيانٌ.
قوله تعالى :" مَتَاعاً " في نصبه سبعة أوجهٍ :
أحدها : أنَّه منصوبٌ بلفظ " وَصِيَّة " لأنها مصدرٌ منونٌ، ولا يضرُّ تأنيثها بالتاء ؛ لبنائها عليها ؛ فهي كقوله :[ الطويل ]
| فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ | عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالْمَوَارِدِ(٢) |
والثاني : أنه منصوبٌ بفعلٍ، إمَّا من لفظه، أي : متِّعوهنَّ متاعاً، أي : تمتيعاً، أو من غير لفظه، أي : جعل الله لهنَّ متاعاً.
الثالث : أنه صفةٌ لوصية.
الرابع : أنه بدل منها.
الخامس : أنه منصوبٌ بما نصبها، أي : يوصون متاعاً، فهو مصدر أيضاً على غير الصدر ؛ ك " قَعَدْتُ جُلُوساً "، هذا فيمن نصب " وَصِيَّةً ".
السادس : أنه حالٌ من الموصين : أي ممتَّعين أو ذوي متاعٍ.
السابع : أنه حالٌ من أزواجهم، [ أي ] : ممتَّعاتٍ أو ذوات متاعٍ، وهي حالٌ مقدَّرة إن كانت الوصية من الأزواج.
وقرأ أُبيٌّ :" مَتَاعٌ لأَزْوَاجِهِمْ " بدل " وَصِيَّةٌ "، وروي عنه " فَمَتَاعٌ "، ودخول الفاء في خبر الموصول ؛ لشبهه بالشرط، وينتصب " مَتَاعاً " في هاتين الروايتين على المصدر بهذا المصدر، فإنه بمعنى التمتيع ؛ نحو :" يُعْجِبُنِي ضَرْبٌ لَكَ ضَرْباً شَدِيداً "، ونظيره :﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ [الإسراء: ٦٣]، و " إِلَى الحَوْلِ " متعلِّقٌ ب " مَتَاع " أو بمحذوفٍ ؛ على أنه صفة له.
قوله تعالى :﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ في نصبه ستة أوجهٍ :
أحدها : أنه نعتٌ ل " مَتَاعاً ".
الثاني : أنه بدلٌ منه.
الثالث : أنه حالٌ من الزوجات، أي : غير مخرجات.
الرابع : أنه حالٌ من الموصين، أي : غير مخرجين.
الخامس : أنه منصوب على المصدر، تقديره : لا إخراجاً، قاله الأخش(٣).
السادس : أنه على حذف حرف الجرِّ، تقديره : من غير إخراجٍ، قاله أبو البقاء(٤)، قال شهاب الدين : وفيه نظر.
فصل في المراد بقوله " غير إخراج "
معنى قوله :" غَيْرَ إِخْرَاجٍ " أي : ليس لأولياء الميِّت ووارثي المنزل ؛ إخراجها، " فَإِنْ خَرَجْنَ " أي : باختيارهن قبل الحول ﴿فلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾، أي : لا حرج على وليِّ أحدٍ وُلِّيَ، أو حاكم، أو غيره ؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولاً.
وقيل : لا جناح في قطع النّفقة عنهن، أو لا جناح عليهنَّ في التشرُّف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهنَّ مراقبتكم أيُّها الورثة، ثم عليها أنها لا تتزوج قبل انقضاء العدَّة بالحول أو لا جناح في تزويجهنَّ بعد انقضاء العدّة، لأنه قال :" بالمَعْرُوفِ "، وهو ما يوافق الشرع.
و ﴿اللهُ عَزِيزٌ﴾ صفةٌ تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدَّ في هذه النازلة، في إخراج المرأة، وهي لا تريد الخروج " حَكِيمٌ "، أي مُحْكِمٌ لما يريد من أمور عباده والله أعلم.
قوله :﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ هذان الجارَّان يتعلَّقان بما تعلَّق به خبر " لا " وهو " عَلَيْكُمْ " من الاستقرار، والتقدير : لا جناح مستقرٌّ عليكم فيما فعلن في أنفسهنَّ، و " مَا " موصولةٌ اسميةٌ، والعائد محذوف، تقديره : فعلنه، و " مِنْ مَعْرُوفٍ " متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من ذلك العائد المحذوف، وتقديره : فيما فعلنه كائناً من معروفٍ.
وجاء في هذه الآية " مِن مَّعْرُوفٍ " نكرةً مجرورةً ب " مِنْ "، وفي الآية قبلها " بِالمَعْرُوفِ " معرَّفاً مجروراً بالباء ؛ لأنَّ هذه لام العهد ؛ كقولك :" رَأَيْتُ رَجُلاً فَأَكْرَمْتُ الرَّجُلَ " إلاَّ أنَّ هذه، وإن كانت متأخِّرةً في اللفظ، فهي متقدِّمة في التنزيل، ولذلك جعلها العلماء منسوخةً بها، إلا عند شذوذٍ، وتقدَّم نظائر هذه الجمل، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيها.
فصل في سبب النزول
في هذه الآية ثلاثة أقوالٍ :
الأول : وهو اختيار جمهور المفسرين أنها منسوخةٌ، قالوا : نزلت الآية في رجل من أهل الطائف، يقال له : حكيم بن الحرث، هاجر إلى المدينة، وله أولاد، ومعه أبواه وامرأته، فمات، فأنزل الله هذه الآية ؛ فأعطى النبي ﷺ والديه، وأولاده ميراثه، ولم يعط امرأته شيئاً، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً كاملاً(٥)، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، كاملاً، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبةً في مال زوجها تلك السَّنة، ما لم يخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها، سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالرُّبع، والثُّمن، ونسخ عدَّة الحول ب ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾.
قال ابن الخطيب : دلَّت هذه الآية على وجوب أمرين :
أحدهما : وجوب النفقة، والسُّكنى من مال الزَّوج، سواءٌ قراءة " وَصِيَّةٌ ووصِيَّةً " بالرفع، أو بالنصب.
والثاني : وجوب الاعتداد، ثم نسخ الله تعالى هذين الحكمين، أمّا الوصية بالنفقة، والسكنى، فلثبوت ميراثها بالقرآن، والسنة، دلَّت على أنَّه لا وصيَّة لوارثٍ، فصار مجموع القرآن والسنَّة ناسخاً لوجوب الوصيَّة لها بالنفقة والسكنى في الحول.
أمَّا وجوب العدة في الحول، فنسخ بقوله :﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤].
القول الثاني : وهو قول مجاهد : أنَّ الله تعالى أنزل في عدَّة المتوفى عنها زوجها آيتين :
إحداهما : قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [ آية : ٢٣٤ ]، والأخرى هذه الآية ؛ فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين، فنقول : إنَّها إن لم تختر السُّكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله، وتركته ؛ فعدَّتها هي الحول، قال ابن الخطيب : وتنزيل(٦) الآيتين على هذين التَّقديرين أولى ؛ حتى يكون كل منهما معمولاً به، والجمع بين الدَّليلين، والعمل بهما أولى من اطراح أحدهما، والعمل بالآخر.
القول الثالث : قال أبو مسلم الأصفهاني(٧) : معنى الآية : أنَّ من يتوفَّى منكم، ويذرون أزواجاً، وقد وصّوا وصيَّة لأزواجهم، بنفقة الحول، وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك، وخالفن وصيَّة أزواجهنَّ، بعد أن يقمن أربعة أشهرٍ وعشراً ؛ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروفٍ، أي : نكاحٌ صحيحٌ ؛ لأن إقامتهنَّ بهذه الوصيَّة غير لازمة.
قال(٨) : والسَّبب : أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يوصون بالنَّفقة، والسُّكنى حولاً كاملاً، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّ ذلك غير واجبٍ، وعلى هذا التَّقدير، فالنَّسخ زائلٌ، واحتجَّ على ذلك بوجوهٍ :
أحدها : أنَّ النَّسخ خلاف الأصل ؛ فوجب المصير إلى عدمه، بقدر الإمكان.
الثاني : أنَّ النَّاسخ يكون متأخِّراً عن المنسوخ في النُّزول، وإذا كان متأخِّراً عنه في النُّزول، يجب أن يكون متأخِّراً عنه في التِّلاوة، وهو إن كان جائزاً في الجملة إلاَّ أنَّ قولنا يعدّ من سوء التَّرتيب، وتنزيه كلام الله واجبٌ بقدر الإمكان، ولمَّا كانت هذه الآية متأخِّرةً عن تلك في التِّلاوة ؛ كان الأولى ألاّ يحكم بكونها منسوخةً بتلك.
الثالث : أنَّه ثبت عند الأصوليِّين متى وقع التَّعارض بين التَّخصيص، والنَّسخ، كان النَّسخ أولى، وهاهنا إن خصَّصنا هاتين الآيتين بحالتين على ما هو قول مجاهد ؛ اندفع النَّسخ، فكان قول مجاهد أولى من التزام النَّسخ من غير دليلٍ، وأمَّا على قول أبي مسلم، فيكون أظهر ؛ لأنكم تقولون : تقدير الآية : فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها : فليوصوا وصيَّةً، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية : والذين يتوفون منكم، ولهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها : وقد أوصوا وصيَّةً لأزواجهم فهو يضيف هذا الكلام إلى الزَّوج، وإذا كان لا بدَّ من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضمارنا ثم على ت
١ - انظر: حجة القراءات ١٣٨، والحجة ٢/٣٤١، وشرح الطيبة ٤/١٠٦، وشرح شعلة ٢٩٢، والعنوان ٧٤، وإتحاف فضلاء البشر ١/٤٤٢..
٢ - تقدم برقم ١١١٦..
٣ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١٧٨..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠١..
٥ - أخرجه إسحاق بن راهويه في "تفسيره" عن مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" (١/٥٥٠)..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣٥..
٧ - ينظر: المصدر السابق..
٨ - ينظر: المصدر السابق..
٢ - تقدم برقم ١١١٦..
٣ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١٧٨..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠١..
٥ - أخرجه إسحاق بن راهويه في "تفسيره" عن مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" (١/٥٥٠)..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣٥..
٧ - ينظر: المصدر السابق..
٨ - ينظر: المصدر السابق..