غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿عسيتم﴾ بكسر السين حيث كان نافع. الباقون بالفتح. وزاده بالإمالة : حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان. ﴿بصطه﴾ بالصاد : أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿بباصط﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿ويبصط الرزق﴾ [الرعد: ٢٦]
﴿ولا تبصطها كل البصط﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿فما اصطاعوا﴾ [الكهف: ٩٧] وما أشبه ذلك ﴿مني إلا﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون. ﴿غرفة﴾ بفتح العين : ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالضم ﴿هو والذين﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿فئة ومئة﴾ وبابهما غير مهموزتين : يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿دفاع الله﴾ وكذلك في سورة الحج : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون ﴿دفع الله﴾.
الوقوف :﴿من بعد موسى﴾ م لأنه لو وصل صار " إذ " ظرفاً لقوله " ألم تر " وهو محال ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿ألا تقاتلوا﴾ ط ﴿وأبنائنا﴾ ط ﴿تعظيماً﴾ لابتداء أمر معظم ﴿منهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ه ﴿ملكاً﴾ ط ﴿من المال﴾ ط ﴿والجسم﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿الملائكة﴾ ط ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿بالجنود﴾ لا لأن " قال " جواب لما ﴿بنهر﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿فليس مني﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿بيده﴾ ج لعطف المختلفين ﴿منهم﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿معه﴾ ( لا ) لأن " قالوا " جواب لما ﴿وجنوده﴾ ط ﴿ملاقو الله﴾ ( لا ) لأن ما بعده مفعول " قال " ﴿بإذن الله﴾ ط ﴿الصابرين﴾ ه ﴿الكافرين﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على " بإذن الله " لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿مما يشاء﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه.
قوله عز من قائل ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ الآية. اعلم أن ظاهر قوله تعالى ﴿إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي ﷺ. ثم إنه لما قال :﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه تعالى لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز. ولهذا كثرت معجزات محمد ﷺ ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام. ثم إن مجيء التابوت لابد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى. فقيل : إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره. وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي ﷺ عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت. فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه. وقيل : إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل. ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس. وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء. أما شكل التابوت فقيل : كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين. وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿التابوه﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار. وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون " فعلوتا " أو " فاعولا " لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو " فعلوت " من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل : إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي. والجواب أن التحدي كان من النبي ﷺ لأمته ﴿فيه سكينةٌ﴾ هي " فعيلة " من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة. وأما البقية فبمعنى الباقية. يقال : بقي من الشيء بقية. والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله ﷺ " في النفس المؤمنة مائة من الإبل " أي بسببها. وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم : كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله تعالى ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم. وعن ابن عباس : هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر. وعن علي رضي الله عنه : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة. وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم. قال بعض العلماء : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت. وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع. قال تعالى :﴿أدخلوا آل فرعون﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ [البقرة: ٤٩] ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما كقوله ﷺ لأبي موسى الأشعري " لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود " وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير : فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : فقوله ﴿ألم تر إلى الملأ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿فتولوا إلا قليلاً منهم﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.
تعيرنا أنا قليـل عديدنافقلت لها إن الكرام قليل
تعيرنا أنا قليل وجارناعزيز وجار الأكثرين ذليل
وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا :﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ { المائدة : ٨٤ ] فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين. { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً } فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا. قالوا :﴿أنى يكون له الملك علينا﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾
[البقرة: ٣٠] واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا :﴿نحن أحق بالملك﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال : كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك. ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ [البقرة: ٣٠] أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال : ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله تعالى بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿فيه سكينة﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] ﴿بقية مما ترك آل موسى﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس. وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال :" لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿إن الله مبتليكم بنهرٍ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها
﴿زين للناس حب الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤] ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ قنع من متاع الدنيا بما لابد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد ﷺ يقول :" اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً " أي ما يمسك رمقهم ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ [يونس: ٧] ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿وثبت أقدامنا﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ بنصرته وقوته ﴿وقتل داود﴾ القلب ﴿جالوت﴾ النفس الخ. وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ولكل قوم هاد﴾ [الرعد: ٧] لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء﴾ [النور: ٢١].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى