جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿فَلَمّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنّهُ مِنّيَ إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمْ فَلَمّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُمْ مُلاَقُواْ اللّهِ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره متروك قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عن ذكره. ومعنى الكلام : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوت فيه سكينة من ربهم، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فصدقوا عند ذلك نبيهم، وأقروا بأن الله قد بعث طالوت ملكا عليهم، وأذعنوا له بذلك. يدل على ذلك قوله : فَلَمّا فَصلَ طالُوتُ بالجُنُودِ وما كان ليفصل بهم إلا بعد رضاهم به وتسليمهم الملك له، لأنه لم يكن ممن يقدرون على إكراههم على ذلك فيظنّ به أنه حملهم على ذلك كرها.
وأما قوله : فَصَلَ فإنه يعني به شخص بالجند ورحل بهم. وأصل الفصل : القطع، يقال منه : فصل الرجل من موضع كذا وكذا، يعني به قطع ذلك، فجاوزه شاخصا إلى غيره، يفصل فصولاً وفصل العظم والقول من غيره فهو يفصله فصلاً : إذا قطعه فأبانه وفصل الصبيّ فصالاً : إذا قطعه عن اللبن وقول فصل : يقطع فيفرق بين الحقّ والباطل لا يردّ. وقيل : إن طالوت فصل بالجنود يومئذ من بيت المقدس وهم ثمانون ألف مقاتل، لم يتخلف من بني إسرائيل عن الفصول معه إلا ذو علة لعلته، أو كبير لهرمه، أو معذور لا طاقة له بالنهوض معه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : خرج بهم طالوت حين استوسقوا له، ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة، أو ضرير معذور، أو رجل في ضيعة لا بدّ له من تخلف فيها.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوّة شمعون، وسلموا ملك طالوت، فخرجوا معه، وهم ثمانون ألفا.
قال أبو جعفر : فلما فصل بهم طالوت على ما وصفنا قال : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ يقول : إن الله مختبركم بنهر، ليعلم كيف طاعتكم له.
وقد دللنا على أن معنى الابتلاء : الاختبار فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وبما قلنا في ذلك كان قتادة يقول.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قول الله تعالى : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : إن الله يبتلي خلقه بما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.
وقيل : إن طالوت قال : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ لأنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوّهم، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوّهم نهرا، فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : لما فصل طالوت بالجنود، قالوا : إن المياه لا تحملنا، فادع الله لنا يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ. . . الآية.
والنهر الذي أخبرهم طالوت أن الله مبتليهم به قيل : هو نهر بين الأردنّ وفلسطين. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال الربيع : ذكر لنا والله أعلم أنه نهر بين الأردنّ وفلسطين.
٤حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : ذكر لنا أنه نهر بين الأردنّ وفلسطين.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة قوله : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : هو نهر بين الأردنّ وفلسطين.
٤حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس : فَلَمّا فَصَل طَالُوتَ بِالجُنُودِ غازيا إلى جالوت، قال طالوت لبني إسرائيل : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : نهر بين فلسطين والأردنّ، نهر عذب الماء طيبه.
وقال آخرون : بل هو نهر فلسطين. ذكر من قال ذلك :
٤حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فالنهر الذي ابتلي به بنو إسرائيل نهر فلسطين.
٤حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ هو نهر فلسطين.
وأما قوله : فمَنْ شَربَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْه فإنّهُ مِنّي إلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن طالوت أنه قال لجنوده إذ شكوا إليه العطش، فأخبر أن الله مبتليهم بنهر، ثم أعلمهم أن الابتلاء الذي أخبرهم عن الله به من ذلك النهر، هو أن من شرب من مائه فليس هو منه، يعني بذلك أنه ليس من أهل ولايته وطاعته، ولا من المؤمنين بالله وبلقائه. ويدلّ على أن ذلك كذلك قول الله تعالى ذكره : فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فأخرج من لم يجاوز النهر من الذين آمنوا. ثم أخلص ذكر المؤمنين بالله ولقائه عند دنوّهم من جالوت وجنوده بقوله : قالَ الّذِينَ يَظُنّونَ أنّهُمْ مُلاقُوا اللّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإذْنِ اللّهِ وأخبرهم أنه من لم يطعمه، يعني من لم يطعم الماء من ذلك النهر والهاء في قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ وفي قوله : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ عائدة على النهر، والمعنى لمائه. وإنما ترك ذكر الماء اكتفاء بفهم السامع بذكر النهر لذلك أن المراد به الماء الذي فيه ومعنى قوله : لَمْ يَطْعَمْهُ لم يذقه، يعني : ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني، يقول : هو من أهل ولايتي وطاعتي والمؤمنين بالله وبلقائه. ثم استثنى من قوله : ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ المغترفين بأيديهم غرفة، فقال : ومن لم يطعم ماء ذلك النهر إلا غرفة يغترفها بيده فإنه مني.
ثم اختلفت القرّاء في قراءة قوله : إلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فقرأه عامة قراء أهل المدينة والبصرة :«غَرْفَةً » بنصب الغين من الغرفة، بمعنى الغرفة الواحدة، من قولك : اغترفت غَرفة، والغَرْفَة هي الفعل بعينه من الاغتراف. وقرأه آخرون بالضم، بمعنى : الماء الذي يصير في كفّ المغترف، فالغُرْفة الاسم، والغَرْفة المصدر. وأعجب القراءتين في ذلك إليّ ضمّ الغين في الغرفة بمعنى : إلا من اغترف كفا من ماء، لاختلاف غرفة إذا فتحت غينها، وما هي له مصدر وذلك أن مصدر اغترف اغترافة، وإنما غَرْفة مصدر غَرَفْت، فلما كانت غَرفة مخالفة مصدر اغترف، كانت الغُرفة التي بمعنى الاسم على ما قد وصفنا أشبه منها بالغَرفة التي هي بمعنى الفعل وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الماء، فكان من شرب منه عطش، ومن اغترف غُرفة روي. ذكر من قال ذلك :
٤حدثني بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ومَنْ لمْ يَطْعَمْهُ فإنّهُ مِنّي إلاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَربُوا مِنْهُ إلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فشرب القوم على قدر يقينهم. أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتَجزيه وتُرويه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ومَنْ لمْ يَطْعَمْهُ فإنّهُ مِنّي إلاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ قال : كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون يغترفون غُرفة، فيجزيهم ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ومَنْ لمْ يَطْعَمْهُ فإنّهُ مِنّي إلاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَربُوا مِنْهُ إلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ يعني المؤمنين منهم، وكان القوم كثيرا فشربوا منه إلا قليلاً منهم، يعني المؤمنين منهم كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : لما أصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، آمنوا بنبوّة شمعون، وسلموا ملك طالوت، فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا. وكان جالوت من أعظم الناس، وأشدّهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند، ولا تجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي. فلما خرجوا قال لهم طالوت : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ومَنْ لمْ يَطْعَمْهُ فإنّهُ مِنّي فشربوا منه هيبة من جالوت، فعبر منهم أربعة آلاف، ورجع ستة وسبعون ألفا. فمن شرب منه عطش، ومن لم يشرب منه إلا غُرفة روي.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : ألقى الله على لسان طالوت حين فصل بالجنود، فقال : لا يصحبني أحد إلا أحد له نية في الجهاد فلم يتخلف عنه مؤمن، ولم يتبعه منافق فلما رأى قلتهم، قالوا : لن نمسّ من هذا الماء غرفة ولا غيرها وذلك أنه قال لهم : إنّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ. . . الآية. فقالوا : لن نمسّ من هذا غرفة ولا غير غرفة قال : وأخذ البقية الغرفة، فشربوا منها حتى كفتهم، وفضل منهم. قال : والذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس في قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ومَنْ لمْ يَطْعَمْهُ فإنّهُ مِنّي إلاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه، فمن اغترف غرفة وأطاعه روي بطاعته، ومن شرب فأكثر عصى فلم يَرْو لمعصيته.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في حديث ذكره، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه في قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ومَنْ لمْ يَطْعَمْهُ فإنّهُ مِنّي إلاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ يقول الله تعالى ذكره : فَشَربُوا مِنْهُ إلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ. وكان فيما يزعمون من تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه، ومن لم يطعمه إلا كما أمر غرفة بيده أجزأه وكفاه.

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْم بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ.


يعني تعالى ذكره بقوله : فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ فلما جاوز النهر طالوت. والهاء في «جاوزه » عائدة على النهر، وهو كناية اسم طالوت. وقوله : وَ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى