البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
لن : حرف نفي ثنائي الوضع بسيط، لا مركب من لا إن خلافاً للخليل في أحد قوليه، ولا نونها بدل من ألف، فيكون أصلها لا خلافاً للفرّاء، ولا يقتضي النفي على التأييد خلافاً للزمخشري في أحد قوليه، ولن هي أقصر نفياً من لا إذ لن تنفي ما قرب، ولا يمتد معنى النفي فيها كما يمتد في لا خلافاً لزاعمه، ولا يكون دعاء خلافاً لزاعمه، وعملها النصب، وذكروا أن الجزم بها لغة، وأنشد ابن الطراوة :
لن يخب الآن من رجائك منحرك دون بابك الحلقة
ولها أحكام كثيرة ذكرت في النحو.
الوقود : اسم لما يوقد به، وقد سمع مصدراً، وهو أحد المصادر التي جاءت على فعول، وهي قليلة، لم يحفظ منها، فيما ذكر، الأستاذ أبو الحسن بن عصفور سوى هذا، والوضوء والطهور والولوع والقبول، الحجارة : جمع الحجر، والتاء فيها التأكيد تأنيث الجمع كالفحولة.
أُعدّت : هيئت.
ومعنى :﴿فإن لم تفعلوا﴾ فإن لم تأتوا، وعبر عن الإتيان بالفعل، والفعل يجري مجرى الكناية، فيعبر به عن كل فعل، ويغنيك عن طول ما تكنى عنه.
قال الزمخشري : لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل لاستطيل أن يقال : فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا بسورة من مثله، ولا يلزم ما قال الزمخشري، لأنه لو قيل : فإن لم تأتوا ولن تأتوا، كان المعنى على ما ذكر ويكون قد حذف ذلك اختصاراً، كما حذف اختصاراً مفعول لم تفعلوا ولن تفعلوا.
ألا ترى أن التقدير : فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة من مثله ولن تفعلوا الإتيان بسورة من مثله فهما سيان في الحذف ؟ وفي كتاب ابن عطية تعليل غريب لعمل لم الجزم، قال : وجزمت لم لأنها أشبهت لا في التبرئة في أنهما ينفيان، فكما تحذف لا تنوين الاسم، كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة من الفعل.
وفي قوله :﴿ولن تفعلوا﴾ إثارة لهممهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبلغ وأبدع، وفي ذلك دليلان على إثبات النبوة.
أحدهما : صحة كون المتحدى به معجزاً، الثاني : الإخبار بالغيب من أنهم لن يفعلوا، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، ويدل على ذلك أنهم لو عارضوه لتوفرت الدواعي على نقله خصوصاً من الطاعنين عليه، فإذا لم ينقل دل على أنه إخبار بالغيب وكان ذلك معجزه.
وأما ما أتى به مسيلمة الكذاب في هذره، وأبو الطيب المتنبي في عبره ونحوهما، فلم يقصدوا به المعارضة، إنما ادعوا أنه نزل عليهم وحي بذلك، فأتوا من ذلك باللفظ الغث، والمعنى السخيف، واللغة المهجنة، والأسلوب الرذل، والفقرة غير المتمكنة، والمطلع المستقبح، والمقطع المستوهن، بحيث لو قرن ذلك بكلامهم في غير ما ادّعوا أنه وحي، كان بينهما من التفاوت في الفصاحة والتباين في البلاغة ما لا يخفى عمن له يسير تمييز في ذلك.
فكيف الجهابذة النقاد والبلغاء الفصحاء، فسلبهم الله فصاحتهم بادعائهم وافترائهم على الله الكذب.
وقوله :﴿ولن تفعلوا﴾ جملة اعتراض، فلا موضع لها من الإعراب، وفيها من تأكيد المعنى ما لا يخفى، لأنه لما قال : فإن لم تفعلوا، وكان معناه نفي في المستقبل مخرجاً ذلك مخرج الممكن، أخبر أن ذلك لا يقع، وهو إخبار صدق، فكان في ذلك تأكيد أنهم لا يعارضونه.
واقتران الفعل بلن مميز لجملة الاعتراض من جملة الحال، لأن جملة الحال لا تدخل عليها لن، وكان النفي بلن في هذه الجملة دون لا، وإن كانتا أختين في نفي المستقبل، لأن في لن توكيداً وتشديداً، تقول لصاحبك : لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت : لن أقيم غداً، كما تفعل في : أنا مقيم، وإنني مقيم، قاله الزمخشري، وما ذكره هنا مخالف لما حكي عنه أن لن تقتضي النفي على التأبيد.
وأما ما ذهب إليه ابن خطيب زملكي من أن لن تنفي ما قرب وأن لا يمتد النفي فيها، فكاد يكون عكس قول الزمخشري.
وهذه الأقوال، أعني التوكيد والتأبيد ونفي ما قرب : أقاويل المتأخرين، وإنما المرجوع في معاني هذه الحروف وتصرفاتها لأئمة العربية المقانع الذين يرجع إلى أقاويلهم.
قال سيبويه، رحمه الله : ولن نفي لقوله : سيفعل، وقال : وتكون لا نفياً لقوله : تفعل، ولم تفعل، انتهى كلامه.
ويعني بقوله : تفعل، ولم تفعل المستقبل، فهذا نص منه أنهما ينفيان المستقبل إلا أن لن نفي لما دخلت عليه أداة الاستقبال، ولا نفي للمضارع الذي يراد به الاستقبال.
فلن أخص، إذ هي داخلة على ما ظهر فيه دليل الاستقبال لفظاً.
ولذلك وقع الخلاف في لا : هل تختص بنفي المستقبل، أم يجوز أن تنفي بها الحال ؟ وظاهر كلام سيبويه، رحمه الله، هنا أنها لا تنفي الحال، إلا أنه قد ذكر في الاستثناء من أدواته لا يكون ولا يمكن حمل النفي فيه على الاستقبال لأنه بمعنى إلا، فهو للإنشاء، وإذا كان للإنشاء فهو حال، فيفيد كلام سيبويه في قوله : وتكون لا نفياً لقوله يفعل، ولم يفعل هذا الذي ذكر في الاستثناء، فإذا تقرر هذا الذي ذكرناه، كان الأقرب من هذه الأقوال قول الزمخشري : أولاً : من أن فيها توكيداً وتشديداً لأنها تنفي ما هو مستقبل بالأداة، بخلاف لا، فإنها تنفي المراد به الاستقبال مما لا أداة فيه تخلصه له، ولأن لا قد ينفى بها الحال قليلاً، فلن أخص بالاستقبال وأخص بالمضارع، ولأن ولن تفعلوا أخصر من ولا تفعلون، فلهذا كله ترجيح النفي بلن على النفي بلا.
فاتقوا النار : جواب للشرط، وكنى به عن ترك العناد، لأن من عاند بعد وضوح الحق له استوجب العقاب بالنار.
واتقاء النار من نتائج ترك العناد ومن لوازمه.
وعرف النار هنا لأنه قد تقدم ذكرها نكرة في سورة التحريم، والتي في سورة التحريم نزلت بمكة، وهذه بالمدينة.
وإذا كررت النكرة سابقة ذكرت ثانية بالألف واللام، وصارت معرفة لتقدمها في الذكر ووصفت بالتي وصلتها.
والصلة معلومة للسامع لتقدم ذكر قوله :﴿ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ أو لسماع ذلك من أهل الكتاب قبل نزول الآية، والجمهور على فتح الواو.
وقرأ الحسن باختلاف، ومجاهد وطلحة وأبو حياة وعيسى بن عمر الهمداني بضم الواو.
وقرأ عبيد بن عمير وقيدها على وزن فعيل.
فعلى قراءة الجمهور وقراءة ابن عمير هو الحطب، وعلى قراءة الضم هو المصدر على حذف مضاف، أي ذو وقودها لأن الناس والحجارة ليسا هما الوقود، أو على أن جعلوا نفس الوقود مبالغة، كما يقول : فلان فخر بلده، وهذه النار ممتازة عن غيرها بأنها تتقد بالناس والحجارة، وهما نفس ما يحرق، وظاهر هذا الوصف أنها نار واحدة ولا يدل على أنها نيران شتى قوله تعالى :﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ ولا قوله تعالى :﴿فأنذرتكم ناراً تلظى﴾ لأن الوصف قد يكون بالواقع لا للامتياز عن مشترك فيه، والناس يراد به الخصوص ممن شاء الله دخولها، وإن كان لفظه عاماً، والحجارة الأصنام، وكانا وقوداً للنار مقرونين معاً، كما كانا في الدنيا حيث نحتوها وعبدوها آلهة من دون الله.
ويوضحه قوله تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَبُ جهنم﴾ أو حجارة الكبريت، روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن جريج.
واختصت بذلك لما فيه من سرعة الالتهاب، ونتن الرائحة، وعظم الدخان، وشدة الالتصاق بالبدن، وقوة حرها إذا حميت.
وقيل : هو الكبريت الأسود، أو حجارة مخصوصة أعدت لجهنم، إذا اتقدت لا ينقطع وقودها.
وقيل : إن أهل النار إذا عيل صبرهم بكوا وشكوا، فينشئ الله سحابة سوداء مظلمة، فيرجون الفرج، ويرفعون رؤوسهم إليها، فتمطر عليهم حجارة عظاماً كحجارة الرحى، فتزداد النار إيقاداً والتهاباً أو الحجارة ما اكتنزوه من الذهب والفضة تقذف معهم في النار ويكوون بها.
وعلى هذه الأقوال لا تكون الألف واللام في الحجارة للعموم بل لتعريف الجنس.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تجوز أن تكون لاستغراق الجنس، ويكون المعنى أن النار التي وعدوا بها صالحة لأن تحرق ما ألقي فيها من هذين الجنسين، فعبر عن صلاحيتها واستعدادها بالأمر المحقق، قال : وإنما ذكر الناس والحجارة تعظيماً لشأن جهنم وتنبيهاً على شدّة وقودها، ليقع ذلك من النفوس أعظم موقع، ويحصل به من التخويف ما لا يحصل بغيره، وليس المراد الحقيقة.
وما ذهب إليه هذا الذاهب من أن هذا الوصف هو بالصلاحية لا بالفعل غير ظاهر، بل الظاهر أن هذا الوصف واقع لا محالة بالفعل، ولذلك تكرر الوصف بذلك، وليس في ذلك أيضاً ما يدل على أنها ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكر في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها، وقدم الناس على الحجارة لأنهم العقلاء الذين يدركون الآلام والمعذبون، أو لكونهم أكثر إيقاداً للنار من الجماد لما فيهم من الجلود واللحوم والشحوم والعظام والشعور، أو لأن ذلك أعظم في التخويف.
فإنك إذا رأيت إنساناً يحرق، أقشعرّ بدنك وطاش لبك، بخلاف الحجر.
قال ابن عطية : وفي قوله تعالى :﴿أعدّت﴾ ردّ على من قال : إن النار لم تخلق حتى الآن، وهو القول الذي سقط فيه منذر بن سعيد، انتهى كلامه.
ومعناه أنه زعم أن الإعداد لا يكون إلا للموجود، لأن الإعداد هو التهيئة والإرصاد للشيء، قال الشاعر :
أعددت للحدثان سابغة وعداءً علندا.
أي هيأت.
قالوا : ولا يكون ذلك إلا للموجود.
قال بعضهم : أو ما كان في معنى الموجود نحو قوله تعالى :﴿أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيماً﴾ ومنذر الذي ذكره ابن عطية كان يعرف بالبلوطي، وكان قاضي القضاة بالأندلس، وكان معتزلياً في أكثر الأصول ظاهرياً في الفروع، وله ذكر ومناقب في التواريخ، وهو أحد رجالات الكمال بالأندلس.
وسرى إليه ذلك القول من قول كثير من المعتزلة، وهي مسألة تذكر في أصول الدين وهو : أن مذهب أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان على الحقيقة.
وذهب كثير من المعتزلة والجهمية والنجاومية إلى أنهما لم يخلقا بعد، وأنهما سيخلقان.
وقرأ عبد الله اعتدت : من العتاد بمعنى العدة.
وقرأ ابن أبي عبلة : أعدها الله للكافرين، ولا يدل إعدادها للكافرين على أنهم مخصوصون بها، كما ذهب إليه بعض المتأولين من أن نار العصاة غير نار الكفار، بل إنما نص على الكافرين لانتظام المخاطبين فيهم، إذ فعلهم كفر.
وقد ثبت في الحديث الصحيح إدخال طائفة من أهل الكبائر النار، لكنه اكتفى بذكر الكفار تغليباً للأكثر على الأقل، أو لأن الكافر لن يشتمل من كفر بالله وكفر بأنعمه، أو لأن من أخرج منها من المؤمنين لم تكن معدة له دائماً بخلاف الكفار.
والجملة من قوله : أعدت للكافرين في موضع الحال من النار، والعامل فيها : فاتقوا، قاله أبو البقاء، وفي ذلك نظر، لأن جعله الجملة حالاً يصير المعنى : فاتقوا النار في حال إعدادها للكافرين، وهي معدّة للكافرين، اتقوا النار أو لم يتقوها، فتكون إذ ذاك حالاً لازمة.
والأصل في الحال التي ليست للتأكيد أن تكون منتقلة، والأولى عندي أن تكون الجملة لا موضع لها من الإعراب، وكأنها سؤال جواب مقدّر كأنه لما وصفت بأن وقودها الناس والحجارة قيل : لمن أعدت ؟ فقيل : أعدت للكافرين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى