جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هََذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
أما قوله تعالى : وَبَشّرْ فإنه يعني : أخبرهم. والبشارة أصلها الخبر بما يسر المخبر به، إذا كان سابقا به كل مخبر سواه. وهذا أمر من الله نبيه محمدا ﷺ بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا به وبمحمد ﷺ وبماء جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة، فقال له : يا محمد بَشّرْ من صدقك أنك رسولي وأن ما جئت به من الهدى والنور فمن عندي، وحقق تصديقه ذلك قولاً بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتها عليه وأوجبتها في كتابي على لسانك عليه، أن له جنات تجري من تحتها الأنهار خاصة، دون من كذّب بك وأنكر ما جئت به من الهدى من عندي وعاندك، ودون من أظهر تصديقك وأقرّ بأن ما جئته به فمن عندي قولاً، وجحده اعتقادا ولم يحققه عملاً. فإن لأولئك النار التي وقودها الناس والحجارة معدة عندي. والجنات جمع جنة، والجنة : البستان. وإنما عنى جل ذكر بذكر الجنة ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها، فلذلك قال عزّ ذكره : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لأنه معلوم أنه إنما أرَادَ جل ثناؤه الخبر عن ماء أنهارها أنه جار تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تحت أرضها لأن الماء إذا كان جاريا تحت الأرض، فلا حظّ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه.
على أن الذي توصف به أنهار الجنة أنها جارية في غير أخاديد. كما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، قال : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القِلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري في غير أخدود.
وحدثنا مجاهد، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه.
وحدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا ابن مهدي، قال : حدثنا سفيان، قال : سمعت عمرو بن مرة يحدث عن أبي عبيدة، فذكر مثله. قال : فقلت لأبي عبيدة : من حدثك، فغضب وقال : مسروق.
فإذا كان الأمر كذلك في أن أنهارها جارية في غير أخاديد، فلا شك أن الذي أريد بالجنات أشجار الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارها تجري فوق أرضها وتحت غروسها وأشجارها، على ما ذكره مسروق. وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جارية تحت أرضها. وإنما رغب الله جل ثناؤه بهذه الآية عباده في الإيمان وحضهم على عبادته، بما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيمان به عنده، كما حذرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعدّ لأهل الكفر به الجاعلين معه الآلهة والأنداد من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وترك طاعته.

القول في تأويل قوله تعالى : كُلمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا قالُوا هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأتُوا بِهِ مُتَشَابِها.


قال أبو جعفر : يعني : كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا من الجنات، والهاء راجعة على «الجنات »، وإنما المعنيّ أشجارها، فكأنه قال : كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا : هذا الذي رُزِقْنا من قبل.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : هَذَا الّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْلُ فقال بعضهم : تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ قالوا : هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل قال : إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل : أي في الدنيا.
وحدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قالوا : هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قبْل يقولون : ما أشبهه به.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قالوا : هَذَا الّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْل في الدنيا، قال : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها يعرفونه.
قال أبو جعفر : وقال آخرون : بل تأويل ذلك : هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضا. ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله. كما :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن مهدي، قال : حدثنا سفيان، قال : سمعت عمرو بن مرّة يحدث عن أبي عبيدة، قال : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها مثل القلال، كلما نزعت منها ثمرة عادة مكانها أخرى. قالوا : فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت نظيرة التي نزعت فأكلت في كل معانيها. قالوا : ولذلك قال الله جل ثناؤه : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها لاشتباه جميعه في كل معانيه.
وقال بعضهم : بل قالوا : هَذَا الّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْلُ لمشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم بن الحسين، قال : حدثنا الحسين بن داود، قال : حدثنا شيخ من المَصّيصة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، قال : يؤتي أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتي بأخرى فيقول : هذا الذي أُتينا به من قبل، فيقول المَلَكُ : كل فاللون واحد والطعم مختلف.
وهذا التأويل مذهب من تأوّل الآية، غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة. والذي يدل على صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلين إن معنى ذلك : هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال : كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا فأخبر جل ثناؤه أن من قيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقا أن يقولوا : هذا الذي رُزقنا من قبل. ولم يخصص بأن ذلك من قيلهم في بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله، كما هو من قيلهم في وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه محال أن يكون من قيلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الجنة : هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ هذا من ثمار الجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيره : هذا هو الذي رزقناه من قبل إلا أن ينسبهم ذو غرّة وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم لأول رزق رزقوه منها من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله : كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا من غير نصب دلالة على أنه معنيّ به حال من أحوال دون حال. فقد تبين بما بينا أن معنى الآية : كلما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقا، قالوا : هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ هذا في الدنيا.
فإن سألنا سائل فقال : وكيف قال القوم : هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ والذي رُزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه ؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولاً لا حقيقة له ؟ قيل : إن الأمر على غير ما ذهبت إليه في ذلك، وإنما معناه : هذا من النوع الذي رزقناه من قبل هذا من الثمار والرزق، كالرجل يقول لآخر : قد أعدّ لك فلان من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى، فيقول المقول له ذاك : هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعده له من الطعام هو طعامه، لأن أعيان ما أخبره صاحبه أنه قد أعدّه له هو طعامه. بل ذلك مما لا يجوز لسامع سمعه يقول ذلك أن يتوهم أنه أراده أو قصده لأن ذلك خلاف مخرج كلام المتكلم وإنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه دون المجهول من معانيه. فكذلك ذلك في قوله : قالُوا هَذَا الّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ إذ كان ما كانوا رزقوه من قبل قد فني وعدم فمعلوم أنهم عنوا بذلك هذا من النوع الذي رزقناه من قبل، ومن جنسه في السّمات والألوان على ما قد بينا من القول في ذلك في كتابنا هذا.
وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله :( وأتوا به متشابها ) أنه متشابه في الفضل : أي كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه. قال أبو جعفر : وليس هذا قولا نستجيز التشاغل بالدلالة على فساده لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل، وحسب قول بخروجه عن قول أهل العلم دلالة على خطئه.
القول في تأول قوله : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها.
قال أبو جعفر : والهاء في قوله : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها عائدة على الرزق، فتأويله : وأُتوا بالذي رزقوا من ثمارها متشابها.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل المتشابه في ذلك، فقال بعضهم : تشابهه أن كله خيار لا رذل فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا خلاد بن أسلم، قال : أخبرنا النضر بن شميل، قال : أخبرنا أبو عامر عن الحسن في قوله : مُتَشابِها قال : خيارا كلها لا رذل فيها.
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء : قرأ الحسن آيات من البقرة، فأتى على هذه الآية : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها قال : ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه ؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْل.
وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : قال الحسن : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها قال : يشبه بعضه بعضا ليس فيه مرذول.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها أي خيارا لا رذل فيه، وأن ثمار الدنيا ينقى منها ويرذل منها، وثمار الجنة خيار كله لا يرذل منه شيء.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : ثمر الدنيا منه ما يرذل ومنه نُقاوة، وثمر الجنة نقاوة كله يشبه بعضه بعضا في الطيب ليس منه مرذول.
وقال بعضهم : تشابهه في اللون وهو مختلف في الطعم. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النّبي ﷺ : وأتُوا بِهِ مُتَشابِها في اللون والمرأى، وليس يشبه الطعم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وأتُوا بِهِ مُتَش

تفسير هذه الآية من كتب أخرى