البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
برز : يبرز بروزاً، ظهر، وامرأة برزة أخذ منها السن، فلم تستر وجهها، ومن ذلك البراز والمتبرّز.
أفرغ : صب وفرغ من كذا، خلا منه.
ثبت : استقر ورسخ، وثبته أقّره ومكنه بحيث لا يتزحزح.
القدم : الرجل وهي مؤنثة تقول في تصغيرها : قديمة، والاشتقاق في هذه الكلمة يرجع لمعنى التقدم.
﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده﴾ صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر واستوى، والمبارزة في الحرب أن يظهر كل قرن لصاحبه بحيث يراه قرنه، وكان جنود طالوت ثلاثمائة ألف فارس، وقيل : مائة ألف، وقال عكرمة : تسعين ألفاً.
﴿قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا﴾ الصبر : هنا حبس النفس للقتال، فزعوا إلى الدعاء لله تعالى فنادوا بلفظ الرب الدال على الإصلاح وعلى الملك، ففي ذلك إشعار بالعبودية.
وقولهم : أفرغ علينا صبراً سؤال بأن يصب عليهم الصبر حتى يكون مستعلياً عليهم، ويكون لهم كالظرف وهم كالمظروفين فيه.
﴿وثبت أقدامنا﴾ فلا تزل عن مداحض القتال، وهو كناية عن تشجيع قلوبهم وتقويتها، ولما سألوا ما يكون مستعلياً عليهم من الصبر سألوا تثبيت أقدامهم وإرساخها.
﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ أي : أعنا عليهم، وجاؤا بالوصف المقتضي لخذلان أعدائهم، وهو الكفر، وكانوا يعبدون الأصنام، وفي قولهم : ربنا، إقرار لله تعالى بالوحدانية، وقرار له بالعبودية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت الآيات الكريمة أخبار بني إسرائيل حيث استفيدوا تمليك طالوت عليهم أن لذلك آية تدل على تملكيه، وهو أن التابوت الذي فقدتموه يأتيكم مشتملاً على ما كان فيه من السكينة والبقية المخلفة عن آل موسى وآل هارون، وأن الملائكة تحمله، وإن في ذلك آية أيّ آية لمن كان مؤمناً، لأن هذا خارق عظيم.
وفصل طالوت بالجنود وتبريزه بهم من ديارهم للقاء العدوّ يدل على أنهم ملكوه وانقادوا له، وأخبرهم عن الله مبتليهم بنهر فاحتمل أن يكون الله نبأه، واحتمل أن يكون ذلك بإخبار نبيهم له عن الله، وأن من شرب منه كرعاً فليس منه إلاَّ من اغترف غرفة بيده، وأن من لم يطعمه فإنه منه، وأخبر الله أنهم قد خالف أكثرهم فشربوا منه، ولما عبروا النهر ورأوا ما هو فيه جالوت من العَدد والعُدد اخبروا أنهم لا طاقة لهم بذلك، فأجابهم من أيقن بلقاء الله : بأن الكثرة لا تدل على الغلبة، فكثيراً ما غلب القليل الكثير بتمكين الله وإقداره، وأنه إذا كان الله مع الصابرين فهم المنصورون، فحضوا على التصابر عند لقاء العدوّ، وحين برزوا لأعدائهم، ووقعت العين على العين لجأوا إلى الله تعالى بالدعاء والاستغاثة، وسألوا منه الصبر على القتال وتثبيت الأقدام عند المداحض، والنصر على من كفر به، وكانت نتيجة هذا القول وصدق القتال أن مكنهم من أعدائهم وهزموهم وقتل ملكهم، واذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وأعطى الله داود ملك بني إسرائيل والنبوّة وهي : الحكمة، وعلمه مما أراد أن يعلمه من : الزبور، وصنعة اللبوس، وغير ذلك مما علمه.
ثم ذكر تعالى أن إصلاح الأرض هو بدفع بعض بعضاً، فلولا أن دفع الله عن بني إسرائيل بهزيمة قوم جالوت وقتل داود جالوت، لغلب عليهم أعداؤهم واستؤصلوا قتلاً ونهباً وأسراً، وكذلك من جرى مجراهم، ولكن فضل الله هو السابق، حيث لم يمكن منهم أعداءهم، ومكنهم منهم.
ثم أخبر تعالى أن هذه الآيات التي تضمنت هذه العبر وهذه الخوارق تلاها الله على نبيه بالحق الذي لا شك فيه، ثم أخبره أنه مرسل من جملة المرسلين الذين تقدّموه في الزمان، والرسالة فوق النبوّة، ودل على رسالته إخباره بهذا القصص المتضمن للآيات الباهرة الدالة على صدق من أخبر بها، من غير أن يعلمه بها معلم إلاَّ الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى