غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات : تعرف ممَّا مرَّ.
الوقوف :﴿إلا هو﴾ ج، لأن قوله :﴿الحي القيوم﴾ يصلح بدلاً عن الضمير وخبر ضمير آخر محذوف ﴿القيوم﴾ ج لاختلاف الجملتين، ﴿ولا نوم﴾ ط، ﴿وما في الأرض﴾ ط لابتداء الاستفهام. ﴿بإذنه﴾ ط لانتهاء الاستفهام. ﴿وما خلفهم﴾ ج للفرق بين الأخبار عن علمه الكامل مطلقاً وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي. ﴿بما شاء﴾ ج لاختلاف الجملتين. ﴿حفظهما﴾ ج ﴿العظيم﴾ ه. ﴿الغي﴾ ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب. ﴿الوثقى﴾ ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالاً للعروة أي : استمسك بها غير منفصمة ﴿لها﴾ ط. ﴿عليم﴾ ه. ﴿آمنوا﴾ لا، لأن ﴿يخرجهم﴾ حال والعامل معنى الفعل في ﴿ولي﴾ تقديره : الله يليهم مخرجاً لهم أو مخرجين ﴿إلى النور﴾ ط للفصل بين الفريقين :﴿الطاغوت﴾ لا، لأن ﴿يخرجونهم﴾ حال. إلى الظلمات ط. ﴿النار﴾ ج. ﴿خالدون﴾ هـ.
قوله سبحانه :﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم. " فعيل " بمعنى " فاعل " والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين. والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم يكونوا في الظلمة ألبتة ؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله :﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾[آل عمران: ١٠٣] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار. ويروى أنه ﷺ سمع إنساناً قال : أشهد أن لا إله إلا الله فقال :" على الفطرة " فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله قال :" خرج من النار " ومن المعلوم أنه ما كان فيها. قال الواحدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه تعالى أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام ﴿وجعل الظلمات والنور﴾[الأنعام: ١] فإنه عنى به الليل والنهار. قال : وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.
قلت : قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النَفس بها نورية وإشراقاً فلا حاجة إلى هذا التكلف. ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه. كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود. وإسناد الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مراراً. ﴿أولئك﴾ الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل ﴿أصحاب النار﴾ فيكون زجراً للكل ووعيداً لهم أعاذنا الله من ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿الحي القيوم﴾ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه " الحي " مشتمل على جميع أسمائه وصفاته. فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال. واسمه " القيوم " دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه ؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته " الحي " معاني جميع أسمائه وصفاته ؛ وعند تجلي صفته " القيوم " فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا " الحي القيوم " إذ سلب " الحي " جميع أسماء الله وسلب " القيوم " قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة. فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه. فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم. كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال : الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.
﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة. ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي ﷺ كأنه قيل : من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد ﷺ فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها
وعسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً }[الإسراء: ٧٩].
﴿ويعلم﴾ محمد ﷺ ﴿ما بين أيديهم﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله ﷺ " أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام " ﴿وما خلفهم﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل﴾[هود: ١٢٠] ويعلم أمور أخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿إلا بما شاء﴾ أن يخبرهم عنه ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه ؛ ومثال الكرسي : سره. وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله تعالى في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾
[طه: ٩] وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.
﴿ولا يؤده حفظهما﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض،
﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾[البقرة: ٣١] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال :﴿وهو العلي العظيم﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه. ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿لا إكراه في الدين﴾ كما قال ﷺ :" ليس الدين بالتمني " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.
ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ يتبرأ منه ؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله. وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى. وشهود القلب مع المولى. وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر. ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿تبت إليك﴾[الأحقاف: ١٥] أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل :
ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾[القصص: ٨٨] ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه ﴿إن بطش ربك لشديد﴾[البروج: ١٢] ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان ؛ فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة ﴿يحبهم ويحبونه﴾[المائدة: ٥٤] ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال ﷺ :" جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين.
ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال :﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء. ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿أنداداً يحبونهم كحب الله﴾[البقرة: ١٦٥] ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس ؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿أولئك﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم. والله المستعان.
التأويل :﴿الحي القيوم﴾ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه " الحي " مشتمل على جميع أسمائه وصفاته. فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال. واسمه " القيوم " دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه ؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته " الحي " معاني جميع أسمائه وصفاته ؛ وعند تجلي صفته " القيوم " فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا " الحي القيوم " إذ سلب " الحي " جميع أسماء الله وسلب " القيوم " قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة. فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه. فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم. كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال : الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.
﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة. ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي ﷺ كأنه قيل : من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد ﷺ فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها
وعسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً }[الإسراء: ٧٩].
﴿ويعلم﴾ محمد ﷺ ﴿ما بين أيديهم﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله ﷺ " أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام " ﴿وما خلفهم﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل﴾[هود: ١٢٠] ويعلم أمور أخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿إلا بما شاء﴾ أن يخبرهم عنه ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه ؛ ومثال الكرسي : سره. وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله تعالى في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾
[طه: ٩] وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.
﴿ولا يؤده حفظهما﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض،
﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾[البقرة: ٣١] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال :﴿وهو العلي العظيم﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه. ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿لا إكراه في الدين﴾ كما قال ﷺ :" ليس الدين بالتمني " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.
ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ يتبرأ منه ؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله. وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى. وشهود القلب مع المولى. وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر. ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿تبت إليك﴾[الأحقاف: ١٥] أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل :
ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾[القصص: ٨٨] ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه ﴿إن بطش ربك لشديد﴾[البروج: ١٢] ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان ؛ فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة ﴿يحبهم ويحبونه﴾[المائدة: ٥٤] ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال ﷺ :" جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين.
ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال :﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء. ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿أنداداً يحبونهم كحب الله﴾[البقرة: ١٦٥] ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس ؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿أولئك﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم. والله المستعان.
الوقوف :﴿إلا هو﴾ ج، لأن قوله :﴿الحي القيوم﴾ يصلح بدلاً عن الضمير وخبر ضمير آخر محذوف ﴿القيوم﴾ ج لاختلاف الجملتين، ﴿ولا نوم﴾ ط، ﴿وما في الأرض﴾ ط لابتداء الاستفهام. ﴿بإذنه﴾ ط لانتهاء الاستفهام. ﴿وما خلفهم﴾ ج للفرق بين الأخبار عن علمه الكامل مطلقاً وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي. ﴿بما شاء﴾ ج لاختلاف الجملتين. ﴿حفظهما﴾ ج ﴿العظيم﴾ ه. ﴿الغي﴾ ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب. ﴿الوثقى﴾ ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالاً للعروة أي : استمسك بها غير منفصمة ﴿لها﴾ ط. ﴿عليم﴾ ه. ﴿آمنوا﴾ لا، لأن ﴿يخرجهم﴾ حال والعامل معنى الفعل في ﴿ولي﴾ تقديره : الله يليهم مخرجاً لهم أو مخرجين ﴿إلى النور﴾ ط للفصل بين الفريقين :﴿الطاغوت﴾ لا، لأن ﴿يخرجونهم﴾ حال. إلى الظلمات ط. ﴿النار﴾ ج. ﴿خالدون﴾ هـ.
قوله سبحانه :﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم. " فعيل " بمعنى " فاعل " والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين. والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم يكونوا في الظلمة ألبتة ؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله :﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾[آل عمران: ١٠٣] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار. ويروى أنه ﷺ سمع إنساناً قال : أشهد أن لا إله إلا الله فقال :" على الفطرة " فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله قال :" خرج من النار " ومن المعلوم أنه ما كان فيها. قال الواحدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه تعالى أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام ﴿وجعل الظلمات والنور﴾[الأنعام: ١] فإنه عنى به الليل والنهار. قال : وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.
قلت : قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النَفس بها نورية وإشراقاً فلا حاجة إلى هذا التكلف. ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه. كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود. وإسناد الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مراراً. ﴿أولئك﴾ الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل ﴿أصحاب النار﴾ فيكون زجراً للكل ووعيداً لهم أعاذنا الله من ذلك.
﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة. ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي ﷺ كأنه قيل : من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد ﷺ فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها
وعسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً }[الإسراء: ٧٩].
﴿ويعلم﴾ محمد ﷺ ﴿ما بين أيديهم﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله ﷺ " أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام " ﴿وما خلفهم﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل﴾[هود: ١٢٠] ويعلم أمور أخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿إلا بما شاء﴾ أن يخبرهم عنه ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه ؛ ومثال الكرسي : سره. وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله تعالى في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾
[طه: ٩] وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.
﴿ولا يؤده حفظهما﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض،
﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾[البقرة: ٣١] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال :﴿وهو العلي العظيم﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه. ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿لا إكراه في الدين﴾ كما قال ﷺ :" ليس الدين بالتمني " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.
ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ يتبرأ منه ؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله. وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى. وشهود القلب مع المولى. وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر. ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿تبت إليك﴾[الأحقاف: ١٥] أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل :
| لي سكرتان وللندمان واحدة | شيء خصصت به من بينهم وحدي |
ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال :﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء. ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿أنداداً يحبونهم كحب الله﴾[البقرة: ١٦٥] ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس ؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿أولئك﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم. والله المستعان.
التأويل :﴿الحي القيوم﴾ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه " الحي " مشتمل على جميع أسمائه وصفاته. فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال. واسمه " القيوم " دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه ؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته " الحي " معاني جميع أسمائه وصفاته ؛ وعند تجلي صفته " القيوم " فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا " الحي القيوم " إذ سلب " الحي " جميع أسماء الله وسلب " القيوم " قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة. فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه. فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم. كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال : الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.
﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة. ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي ﷺ كأنه قيل : من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد ﷺ فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها
وعسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً }[الإسراء: ٧٩].
﴿ويعلم﴾ محمد ﷺ ﴿ما بين أيديهم﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله ﷺ " أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام " ﴿وما خلفهم﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل﴾[هود: ١٢٠] ويعلم أمور أخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿إلا بما شاء﴾ أن يخبرهم عنه ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه ؛ ومثال الكرسي : سره. وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله تعالى في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾
[طه: ٩] وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.
﴿ولا يؤده حفظهما﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض،
﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾[البقرة: ٣١] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال :﴿وهو العلي العظيم﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه. ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿لا إكراه في الدين﴾ كما قال ﷺ :" ليس الدين بالتمني " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.
ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ يتبرأ منه ؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله. وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى. وشهود القلب مع المولى. وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر. ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿تبت إليك﴾[الأحقاف: ١٥] أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل :
| لي سكرتان وللندمان واحدة | شيء خصصت به من بينهم وحدي |
ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال :﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء. ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿أنداداً يحبونهم كحب الله﴾[البقرة: ١٦٥] ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس ؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿أولئك﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم. والله المستعان.