تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) معناه : هل انتهى إليك خبر الذي حاج إبراهيم وهو نمروذ ؟ قاله قتادة. وهو أول من تجبر في الأرض وادعى الربوبية. والمحاجة : المجادلة، ثم بين المحاجة في سياق الآية.
قوله :( أن آتاه الله الملك ) أي : كانت تلك المحاجة في الربوبية من نظر الملك وطغيانه.
وقوله تعالى :( إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت ) وفي القصص : أن الناس قحطوا على عهد نمروذ، وكانوا يتمارون من عنده الطعام، وكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام يسأله من ربك ؟ فإذا قال : أنت، باع منه الطعام، فجاء إليه إبراهيم فيمن جاء يمتار الطعام، فقال له نمروذ : من ربك ؟ قال : ربي الذي يحيي ويميت، فأشغل(١) بالمحاجة ولم يعطه شيئا، فانصرف عنه إبراهيم، ومر بكثيب من الرمل، فملأ منه الجواليق تطييبا لقلوب أهله، فلما بلغ منزله فإذا فيه الدقيق.
وقوله تعالى :( قال أنا أحيي وأميت ) هذا قول نمروذ حين قال له إبراهيم : ربى الذي يحيى ويميت. قال سفيان : إنه دعا برجلين وجب القتل عليهما، فقتل أحدهما ولم يقتل الآخر، فهذا إحياؤه وإماتته.
وقوله :( قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) فإن قال قائل : لم انتقل إبراهيم من حجة إلى حجة، وهذا يكون عجزا ؟ قيل : كانت الحجة الأولى لازمة، ومعارضة نمروذ إياه كانت فاسدة ؛ لأنه أراد به الحياة والموت اختراعا، ولم يعارضه بمثله لكنه خاف أن يشتبه على السامعين، فأتى بحجة أوضح من الأولى ؛ مبالغة في الإلزام، وقطعا لشغب.
وقوله :( فبهت الذي كفر ) أي : تحير بغلبة الحجة عليه. ومنه قول الشاعر :
وما هو إلا أن أراها فجأةفأبهت حتى ما أكاد أجيب
فإن قال قائل : كيف بهت وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له : سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب ؟ قلنا : إنما لم يقله ؛ لأنه خاف أن لو سأله ذلك دعا، فأتى بها من المغرب ؛ فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه. والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهار للحجة عليه، ولتكون معجزة لإبراهيم.
وقوله :( والله لا يهدي القوم الظالمين ) ظاهر المعنى.
١ - في "ك": فاشتغل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى