اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
تقدَّم الكلامُ في " أَلَمْ تَرَ إِلَى " في قوله :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] قال القرطبيّ(١) : وهذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التَّعجب، أي : أعجبوا له قال الفرَّاء(٢) :" أَلَمْ تَرَ "، بمعنى : هل رأيتَ الَّذي حاجَّ إبراهيم، وهل رأَيْتَ الَّذي مرَّ على قرية ؟
وقرأ عليٌّ(٣) رضي اللهُ عنه : بِسُكون الرَّاء وتقدَّم أيضاً توجيهها. والهاءُ في " رَبِّهِ " فيها قولان :
أظهرهما : أنها تعود على " إبراهيم ".
والثاني : على " الَّذِي "، ومعنى حاجَّه : أظهرَ المغالبة في حجته.
أعلم أَنَّه تعالى ذكر هاهنا قصصاً ثلاثاً.
الأولى : في بيان إِثبات العالم بالصَّانع، والثانية والثالثة : في إثبات الحشرِ والنَّشرِ والبعث.
فالأولى مناظرة إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع ملك زمانِهِ، وهي هذه.
قال مجاهِدٌ هو النُّمروذُ بن كنعانَ بن سام بن نُوح، هو أول من وضع التَّاجَ على رأسه، وتجبر وادَّعى الرُّبوبية(٤) ؛ حاجَّ إبراهيم أي : خاصمَهُ وجادله، واختلفوا في وقتِ هذه المحاجَّةِ. فقال مقاتل : لمّا كسَّرَ الأَصنامَ سجنه النمروذ، ثم أخرجه ليحرقهُ فقال [ له ] : من رَبُّكَ الذي تَدعُونا إليه ؛ فقال :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
وقال آخرون : كان هذا بعد إلقائه في النَّار(٥).
وقال قتادةُ : هو أَوَّلُ من تَجَبَّرَ، وهو صاحب الصَّرح ببابل(٦).
وقيل هو نُمروذُ بن فالج بن عابر بن شالخ بن أَرفخشذ بن سام، وحكى السُّهيليُّ أنه النُّمروذُ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وكان ملكاً على السَّواد، وكان ملكه الضحاك الَّذي يُعْرَفُ بالأزدهاق وذلك أن النَّاس قحطوا على عهد نمروذ، وكان النَّاسُ يمتارون من عنده الطَّعام، وكان إذا أتاه الرَّجلُ في طلب الطَّعام سأَلَ : مَنْ رَبُّكَ فإن قال : أَنْت ؛ نال من الطعام فأتاه إبراهيم فيمن أتاه، فقال له نمروذُ : من رَبُّكَ ؛ فقال له إبراهيم : ربيّ الّذِي يُحْيي وَيُمِيتُ. فاشتغل بالمحاجَّة، ولم يعطه شيئاً، فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمر على كثيبٍ من رَمْلٍ أعفرٍ، فأخذ منه تطييباً لقلوبِ أهْلِه إذا دخل عليهم ؛ فلما أَتى أَهلهُ، ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته فإذا هو بأجود طعام رأَتهُ ؛ فصنعت له منه فقربته إليه، فقال من أين هذا ؟ قالت مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جئت به، فعرف أن الله - تعالى - رزقه فَحَمَدَ اللهَ تعالى(٧).
قوله :﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ﴾ فيه وجهان :
أظهرهما : أَنَّهُ مفعولٌ من أجله على حذفِ العِلّة، أي : لأَنْ آتاه، فحينئذٍ في محلِّ " أَنْ " الوجهان المشهوران، أعني النَّصب، أو الجرِّ، ولا بُدَّ من تقديرِ حرفِ الجرِّ قبل " أَنْ " ؛ لأَنَّ المفعول مِنْ أجلهِ هنا نَقَّص شرطاً، وهو عدمُ اتِّحادِ الفاعلِ، وإنما حُذفت اللامُ، لأَنَّ حرف الجرِّ يطَّرد حذفُهُ معها، ومع أنَّ، كما تقدَّم. وفي كونِهِ مفعولاً من أجلِهِ وجهان :
أحدهما : أَنَّهُ من باب العكسِ في الكلام بمعنى : أنه وضعَ المُحاجَّة موضع الشُّكْر، إذ كان مِنْ حقِّه أن يشكرَ في مقابلة إتيانِ المُلْكِ، ولكنَّهُ عَمِلَ على عكس القضية، كقوله تعالى :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، وتقول :" عَادَاني فُلانٌ ؛ لأني أَحسنت إليه " وهو باب بليغٌ.
والثاني : أَنَّ إيتاءَ المُلْكِ حَمَلَه على ذلك ؛ لأَنَّهُ أورثه الكِبْرَ وَالبَطَرَ، فَنَشَأَ عنهما المُحاجَّةُ.
الوجه الثاني : أنَّ " أَنْ "، وما في حيِّزها واقعةٌ موقعَ ظرفِ الزَّمانِ، قال الزَّمخشريُّ رحمه الله " وَيَجُوزُ أن يكونَ التَّقديرُ : حاجَّ وقتَ أَنْ آتاهُ اللهُ ". وهذا الذي أجازه الزمخشريُّ فيه نظر ؛ لأَنَّهُ إِنْ عنى أَنَّ ذلكَ على حذفِ مُضافٍ ففيه بُعْدٌ من جهةِ أَنَّ المحاجَّة لم تقع وقتَ إِيتاءِ اللهِ له المُلْك، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الوقتِ، فلا يُحْمَل على الظَّاهر، وهو أنَّ المُحاجَّة وَقَعَت ابتداء إيتاءِ المُلْك، بل يُحْمَلُ على أنَّ المُحاجَّة وقعت وقتَ وجود المُلْك، وإن عنى أَنَّ " أَنْ " وما حيِّزها واقعةٌ موقع الظَّرف، فقد نصَّ النَّحويون على منع ذلك وقالوا : لا يَنُوب عن الظَّرف الزَّماني إلا المصدرُ الصَّريحُ، نحو :" أَتيتُكَ صِيَاحَ الدِّيكِ " ولو قلت :" أَنْ يصيحَ الدِّيكُ " لم يَجز. كذا قاله أبو حيَّان قال شهاب الدين وفيه نظرٌ، لأنه قال :" لا ينوبٌ عن الظَّرفِ إلا المصدرُ الصّريح "، وهذا معارضٌ بأنهم نَصُّوا على أنَّ " ما " المصدريةَ تنوبُ عن الزَّمانِ، وليست بمصدرٍ صريحٍ.
والضمير في " آتاه " فيه وجهان :
أظهرهما : أَنْ يعودَ على " الَّذِي "، وهو قول جمهور المفسرين وأَجاز المهدويُّ أن يعودَ على " إِبْرَاهِيم "، أي : ملك النُّبُوَّة. قال ابن عطيَّة :" هذا تَحَاملٌ من التَّأْوِيل "، وقال أبو حيان : هذا قولُ المعتزلة، قالوا : لأنَّ الله تعالى قال :﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] والمُلْك عهدٌ، ولقوله تبارك وتعالى :﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٥٤]. وعودُ الضَّمير إِلى أقرب مذكور واجب، وأقرب مذكورٍ إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأجيب عن الأَوَّل بأَنَّ الملك حصل لآل إبراهيم، وليس فيها دلالةٌ على حصوله لإبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -.
وعن الثاني : بأن الذي حاج إبراهيم كان هو المَلِكُ، فعود الضَّمير إليه أَوْلَى.
قوله :" إِذْ قَالَ " فيه أربعةُ أوجهٍ :
أظهرها : أَنَّهُ معمولٌ لحاجَّ.
والثاني : أن يكون معمولاً لآتاه، ذكرهُ أبو البقاء(٨). وفيه نظرٌ من حيثُ إنَّ وقت إيتاءِ المُلْكِ ليس وقتَ قولِ إبراهيم، ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الظَّرفِ كما تقدَّم.
والثالث : أن يكون بدلاً من ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ إذا جُعِلَ بمعنى الوقت، أجازه الزَّمخشريّ بناءً منه على أَنَّ " أَنْ " واقعةٌ موقعَ الظَّرف، وقد تقدَّم ضعفُهُ، وأيضاً فإِنَّ الظّرفين مختلفان، كما تقدَّم إلا بالتَّجوز المذكورِ. وقال أبو البقاء(٩) رحمه الله " وَذَكَرَ بَعْضُهم أنه بَدَلٌ من " أَنْ آتَاهُ الملك " وليس بشيءٍ ؛ لأَنَّ الظرفَ غيرُ المصدرِ، فلو كان بدلاً لكان غلطاً إلا أَنْ تُجْعَل " إذ " بمعنى " أَنْ " المصدرية، وقد جاء ذلك " انتهى. وهذا بناءً منه على أنَّ " أَنْ " مفعولٌ من أجله، وليست واقعةً موقع الظَّرفِ، أمَّا إِذَا كانت " أَنْ " واقعةٌ موقع الظرف فلا تكون بدل غلط، بل بدلُ كلِّ من كُلِّ، كما هو قول الزمخشري وفيه ما تقدَّم بجوابه، مع أَنَّه يجوزُ أَنْ تكون بدلاً مِنْ " أَنْ آتاهُ "، و " أَنْ آتَاهُ " مصدرٌ مفعولٌ من أجلِهِ بدلَ اشتمالٍ ؛ لأَنَّ وقتَ القولِ لاتِّسَاعِهِ مُشتملٌ عليه وعلى غيره.
الرابع : أَنَّ العامِلَ فيه " تَرَ " منق وله :" أَلَمْ تَرَ " ذكره مكيٌّ(١٠) رحمه الله تعالى، وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأَنَّ الرُّؤية على كِلاَ المذكورين في نظيرها لم تكن في وقتِ قوله :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
قوله :﴿الَّذِي يُحْيِي﴾ مبتدأٌ في محلِّ نصب بالقول.
الظَّاهر أن هذا جواب سؤالٍ سابق غير مذكورٍ ؛ لأَنَّ الأَنبياء بعثوا للدَّعوة ومتى ادَّعى الرسالة والدَّعوة، فلا بدَّ وأن يطالبه المنكر بإثبات أَنَّ للعالم إلهاً ؛ ألا ترى لما قال موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] فاحتجَّ موسى على إثبات الإِله بقوله ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤] فكذا هاهنا لما ادَّعى إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - الرِّسالة قال النُّمروذ من ربك ؟ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت.
وقرأ حمزة :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بإسكان الياء، وكذلك ﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، و﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، و﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠] و﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] و﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص: ٤١] و﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، و﴿عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] و﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، و﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ﴾ [ تبارك : ٢٨ ] أسكن الياء فيهن حمزة ؛ وافق ابن عامر والكسائي في " لعبادي الذين آمنوا " وابن عامر في " آيَاتِي الَّذِين "، وفتحها الآخرون.
استدلَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام على إثبات الإله بالإحياء والإماتة، وهو دليلٌ في غاية القُوَّة لأَنَّهُ لا سبيل إلى معرفةِ اللهِ تعالى إِلاَّ بواسطة أفعاله التي لا يُشاركُهُ فيها أحدٌ من القادرين، والإحياء والإماتة كذلك ؛ لأَنَّ الخلق عاجزون عنهما والعلم بعد الاختيار ضروري، وهذا الدَّليل ذكره اللهُ تعالى في مواضع من كتابه كقوله :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخرها وقوله :﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤، ٥] وقال :﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ الملك : ٢ ].
فإن قيل : لِمَ قدَّم هنا ذِكر الحياةِ على الموتِ في قوله ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وقدَّمَ الموتَ على الحياةِ في آياتٍ كقوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]، وحكى عن إِبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام قوله في ثنائِهِ على الله تعالى ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١].
فالجواب : أَنَّ الدَّليل إذا كان المقصود منه الدَّعوة إلى اللهِ تعالى يجب أَنْ يكون في غاية الوضُوح، ولا شكّ أَنَّ عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإِنسان عليها أتم، فلا جرم قَدَّم ذكر الحياة هُنا.
" قَالَ أَنَا أُحْيِي " مبتدأٌ، وخبرٌ منصوب المحلِّ بالقول أيضاً. وأخبر عن " أَنَا " بالجملة الفعلية، وعن " رَبّي " بالموصولِ بها ؛ لأَنَّه في الإِخبار بالموصولِ يُفيد الاختصاص بالمُخبَرِ عنه بخلافِ الثاني، فإِنَّهُ لم يدَّعِ لنفسه الخسيسة الخصوصية بذلك.
و " أَنَا " : ضميرٌ مرفوعٌ مُنفصلٌ، والاسمُ منه " أَنَ " والألفُ زائدةٌ ؛ لبيان الحركةِ في الوقفِ، ولذلك حُذِفت وصلاً، ومن العربِ مَنْ يثبتها مطلقاً، فقيل : أُجريَ الوصلُ مجرى الوقف ؛ قال القائل في ذلك :[ المتقارب ]
وَكَيْفَ أَنَا وَانْتِحَالي القَوَا *** فِي بَعْدَ المَشِيبِ كَفَى ذَاكَ عَا
وقرأ عليٌّ(٣) رضي اللهُ عنه : بِسُكون الرَّاء وتقدَّم أيضاً توجيهها. والهاءُ في " رَبِّهِ " فيها قولان :
أظهرهما : أنها تعود على " إبراهيم ".
والثاني : على " الَّذِي "، ومعنى حاجَّه : أظهرَ المغالبة في حجته.
فصل
أعلم أَنَّه تعالى ذكر هاهنا قصصاً ثلاثاً.
الأولى : في بيان إِثبات العالم بالصَّانع، والثانية والثالثة : في إثبات الحشرِ والنَّشرِ والبعث.
فالأولى مناظرة إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع ملك زمانِهِ، وهي هذه.
قال مجاهِدٌ هو النُّمروذُ بن كنعانَ بن سام بن نُوح، هو أول من وضع التَّاجَ على رأسه، وتجبر وادَّعى الرُّبوبية(٤) ؛ حاجَّ إبراهيم أي : خاصمَهُ وجادله، واختلفوا في وقتِ هذه المحاجَّةِ. فقال مقاتل : لمّا كسَّرَ الأَصنامَ سجنه النمروذ، ثم أخرجه ليحرقهُ فقال [ له ] : من رَبُّكَ الذي تَدعُونا إليه ؛ فقال :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
وقال آخرون : كان هذا بعد إلقائه في النَّار(٥).
وقال قتادةُ : هو أَوَّلُ من تَجَبَّرَ، وهو صاحب الصَّرح ببابل(٦).
وقيل هو نُمروذُ بن فالج بن عابر بن شالخ بن أَرفخشذ بن سام، وحكى السُّهيليُّ أنه النُّمروذُ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وكان ملكاً على السَّواد، وكان ملكه الضحاك الَّذي يُعْرَفُ بالأزدهاق وذلك أن النَّاس قحطوا على عهد نمروذ، وكان النَّاسُ يمتارون من عنده الطَّعام، وكان إذا أتاه الرَّجلُ في طلب الطَّعام سأَلَ : مَنْ رَبُّكَ فإن قال : أَنْت ؛ نال من الطعام فأتاه إبراهيم فيمن أتاه، فقال له نمروذُ : من رَبُّكَ ؛ فقال له إبراهيم : ربيّ الّذِي يُحْيي وَيُمِيتُ. فاشتغل بالمحاجَّة، ولم يعطه شيئاً، فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمر على كثيبٍ من رَمْلٍ أعفرٍ، فأخذ منه تطييباً لقلوبِ أهْلِه إذا دخل عليهم ؛ فلما أَتى أَهلهُ، ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته فإذا هو بأجود طعام رأَتهُ ؛ فصنعت له منه فقربته إليه، فقال من أين هذا ؟ قالت مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جئت به، فعرف أن الله - تعالى - رزقه فَحَمَدَ اللهَ تعالى(٧).
قوله :﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ﴾ فيه وجهان :
أظهرهما : أَنَّهُ مفعولٌ من أجله على حذفِ العِلّة، أي : لأَنْ آتاه، فحينئذٍ في محلِّ " أَنْ " الوجهان المشهوران، أعني النَّصب، أو الجرِّ، ولا بُدَّ من تقديرِ حرفِ الجرِّ قبل " أَنْ " ؛ لأَنَّ المفعول مِنْ أجلهِ هنا نَقَّص شرطاً، وهو عدمُ اتِّحادِ الفاعلِ، وإنما حُذفت اللامُ، لأَنَّ حرف الجرِّ يطَّرد حذفُهُ معها، ومع أنَّ، كما تقدَّم. وفي كونِهِ مفعولاً من أجلِهِ وجهان :
أحدهما : أَنَّهُ من باب العكسِ في الكلام بمعنى : أنه وضعَ المُحاجَّة موضع الشُّكْر، إذ كان مِنْ حقِّه أن يشكرَ في مقابلة إتيانِ المُلْكِ، ولكنَّهُ عَمِلَ على عكس القضية، كقوله تعالى :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، وتقول :" عَادَاني فُلانٌ ؛ لأني أَحسنت إليه " وهو باب بليغٌ.
والثاني : أَنَّ إيتاءَ المُلْكِ حَمَلَه على ذلك ؛ لأَنَّهُ أورثه الكِبْرَ وَالبَطَرَ، فَنَشَأَ عنهما المُحاجَّةُ.
الوجه الثاني : أنَّ " أَنْ "، وما في حيِّزها واقعةٌ موقعَ ظرفِ الزَّمانِ، قال الزَّمخشريُّ رحمه الله " وَيَجُوزُ أن يكونَ التَّقديرُ : حاجَّ وقتَ أَنْ آتاهُ اللهُ ". وهذا الذي أجازه الزمخشريُّ فيه نظر ؛ لأَنَّهُ إِنْ عنى أَنَّ ذلكَ على حذفِ مُضافٍ ففيه بُعْدٌ من جهةِ أَنَّ المحاجَّة لم تقع وقتَ إِيتاءِ اللهِ له المُلْك، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الوقتِ، فلا يُحْمَل على الظَّاهر، وهو أنَّ المُحاجَّة وَقَعَت ابتداء إيتاءِ المُلْك، بل يُحْمَلُ على أنَّ المُحاجَّة وقعت وقتَ وجود المُلْك، وإن عنى أَنَّ " أَنْ " وما حيِّزها واقعةٌ موقع الظَّرف، فقد نصَّ النَّحويون على منع ذلك وقالوا : لا يَنُوب عن الظَّرف الزَّماني إلا المصدرُ الصَّريحُ، نحو :" أَتيتُكَ صِيَاحَ الدِّيكِ " ولو قلت :" أَنْ يصيحَ الدِّيكُ " لم يَجز. كذا قاله أبو حيَّان قال شهاب الدين وفيه نظرٌ، لأنه قال :" لا ينوبٌ عن الظَّرفِ إلا المصدرُ الصّريح "، وهذا معارضٌ بأنهم نَصُّوا على أنَّ " ما " المصدريةَ تنوبُ عن الزَّمانِ، وليست بمصدرٍ صريحٍ.
والضمير في " آتاه " فيه وجهان :
أظهرهما : أَنْ يعودَ على " الَّذِي "، وهو قول جمهور المفسرين وأَجاز المهدويُّ أن يعودَ على " إِبْرَاهِيم "، أي : ملك النُّبُوَّة. قال ابن عطيَّة :" هذا تَحَاملٌ من التَّأْوِيل "، وقال أبو حيان : هذا قولُ المعتزلة، قالوا : لأنَّ الله تعالى قال :﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] والمُلْك عهدٌ، ولقوله تبارك وتعالى :﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٥٤]. وعودُ الضَّمير إِلى أقرب مذكور واجب، وأقرب مذكورٍ إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأجيب عن الأَوَّل بأَنَّ الملك حصل لآل إبراهيم، وليس فيها دلالةٌ على حصوله لإبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -.
وعن الثاني : بأن الذي حاج إبراهيم كان هو المَلِكُ، فعود الضَّمير إليه أَوْلَى.
قوله :" إِذْ قَالَ " فيه أربعةُ أوجهٍ :
أظهرها : أَنَّهُ معمولٌ لحاجَّ.
والثاني : أن يكون معمولاً لآتاه، ذكرهُ أبو البقاء(٨). وفيه نظرٌ من حيثُ إنَّ وقت إيتاءِ المُلْكِ ليس وقتَ قولِ إبراهيم، ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الظَّرفِ كما تقدَّم.
والثالث : أن يكون بدلاً من ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ إذا جُعِلَ بمعنى الوقت، أجازه الزَّمخشريّ بناءً منه على أَنَّ " أَنْ " واقعةٌ موقعَ الظَّرف، وقد تقدَّم ضعفُهُ، وأيضاً فإِنَّ الظّرفين مختلفان، كما تقدَّم إلا بالتَّجوز المذكورِ. وقال أبو البقاء(٩) رحمه الله " وَذَكَرَ بَعْضُهم أنه بَدَلٌ من " أَنْ آتَاهُ الملك " وليس بشيءٍ ؛ لأَنَّ الظرفَ غيرُ المصدرِ، فلو كان بدلاً لكان غلطاً إلا أَنْ تُجْعَل " إذ " بمعنى " أَنْ " المصدرية، وقد جاء ذلك " انتهى. وهذا بناءً منه على أنَّ " أَنْ " مفعولٌ من أجله، وليست واقعةً موقع الظَّرفِ، أمَّا إِذَا كانت " أَنْ " واقعةٌ موقع الظرف فلا تكون بدل غلط، بل بدلُ كلِّ من كُلِّ، كما هو قول الزمخشري وفيه ما تقدَّم بجوابه، مع أَنَّه يجوزُ أَنْ تكون بدلاً مِنْ " أَنْ آتاهُ "، و " أَنْ آتَاهُ " مصدرٌ مفعولٌ من أجلِهِ بدلَ اشتمالٍ ؛ لأَنَّ وقتَ القولِ لاتِّسَاعِهِ مُشتملٌ عليه وعلى غيره.
الرابع : أَنَّ العامِلَ فيه " تَرَ " منق وله :" أَلَمْ تَرَ " ذكره مكيٌّ(١٠) رحمه الله تعالى، وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأَنَّ الرُّؤية على كِلاَ المذكورين في نظيرها لم تكن في وقتِ قوله :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
قوله :﴿الَّذِي يُحْيِي﴾ مبتدأٌ في محلِّ نصب بالقول.
فصل
الظَّاهر أن هذا جواب سؤالٍ سابق غير مذكورٍ ؛ لأَنَّ الأَنبياء بعثوا للدَّعوة ومتى ادَّعى الرسالة والدَّعوة، فلا بدَّ وأن يطالبه المنكر بإثبات أَنَّ للعالم إلهاً ؛ ألا ترى لما قال موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] فاحتجَّ موسى على إثبات الإِله بقوله ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤] فكذا هاهنا لما ادَّعى إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - الرِّسالة قال النُّمروذ من ربك ؟ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت.
وقرأ حمزة :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بإسكان الياء، وكذلك ﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، و﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، و﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠] و﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] و﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [ص: ٤١] و﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، و﴿عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] و﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، و﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ﴾ [ تبارك : ٢٨ ] أسكن الياء فيهن حمزة ؛ وافق ابن عامر والكسائي في " لعبادي الذين آمنوا " وابن عامر في " آيَاتِي الَّذِين "، وفتحها الآخرون.
فصل
استدلَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام على إثبات الإله بالإحياء والإماتة، وهو دليلٌ في غاية القُوَّة لأَنَّهُ لا سبيل إلى معرفةِ اللهِ تعالى إِلاَّ بواسطة أفعاله التي لا يُشاركُهُ فيها أحدٌ من القادرين، والإحياء والإماتة كذلك ؛ لأَنَّ الخلق عاجزون عنهما والعلم بعد الاختيار ضروري، وهذا الدَّليل ذكره اللهُ تعالى في مواضع من كتابه كقوله :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخرها وقوله :﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤، ٥] وقال :﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ الملك : ٢ ].
فإن قيل : لِمَ قدَّم هنا ذِكر الحياةِ على الموتِ في قوله ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وقدَّمَ الموتَ على الحياةِ في آياتٍ كقوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]، وحكى عن إِبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام قوله في ثنائِهِ على الله تعالى ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١].
فالجواب : أَنَّ الدَّليل إذا كان المقصود منه الدَّعوة إلى اللهِ تعالى يجب أَنْ يكون في غاية الوضُوح، ولا شكّ أَنَّ عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإِنسان عليها أتم، فلا جرم قَدَّم ذكر الحياة هُنا.
" قَالَ أَنَا أُحْيِي " مبتدأٌ، وخبرٌ منصوب المحلِّ بالقول أيضاً. وأخبر عن " أَنَا " بالجملة الفعلية، وعن " رَبّي " بالموصولِ بها ؛ لأَنَّه في الإِخبار بالموصولِ يُفيد الاختصاص بالمُخبَرِ عنه بخلافِ الثاني، فإِنَّهُ لم يدَّعِ لنفسه الخسيسة الخصوصية بذلك.
و " أَنَا " : ضميرٌ مرفوعٌ مُنفصلٌ، والاسمُ منه " أَنَ " والألفُ زائدةٌ ؛ لبيان الحركةِ في الوقفِ، ولذلك حُذِفت وصلاً، ومن العربِ مَنْ يثبتها مطلقاً، فقيل : أُجريَ الوصلُ مجرى الوقف ؛ قال القائل في ذلك :[ المتقارب ]
وَكَيْفَ أَنَا وَانْتِحَالي القَوَا *** فِي بَعْدَ المَشِيبِ كَفَى ذَاكَ عَا
١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٨٤..
٢ - ينظر: المصدر السابق..
٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٥، البحر المحيط ٢/٢٩٧، الدر المصون ١/٦١٨..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٣٠) عن مجاهد..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٤١..
٦ - ذكره هذه الأقوال الفخر الرازي في "تفسيره" (٧/٢٠)..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٣٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٦) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" عن زيد بن أسلم..
٨ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٨..
٩ - ينظر: المصدر السابق..
١٠ - ينظر: المشكل ١/١٠٨..
٢ - ينظر: المصدر السابق..
٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٥، البحر المحيط ٢/٢٩٧، الدر المصون ١/٦١٨..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٣٠) عن مجاهد..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٤١..
٦ - ذكره هذه الأقوال الفخر الرازي في "تفسيره" (٧/٢٠)..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٣٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٦) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" عن زيد بن أسلم..
٨ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٨..
٩ - ينظر: المصدر السابق..
١٠ - ينظر: المشكل ١/١٠٨..