مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين. أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾.
اعلم أنه تعالى ذكر ههنا قصصا ثلاثة : الأولى : منها في بيان إثبات العلم بالصانع، والثانية والثالثة : في إثبات الحشر والنشر والبعث، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم ﷺ مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول :
أما قوله تعالى :﴿ألم تر﴾ فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال : ألم تر إلى فلان كيف يصنع، معناه : هل رأيت كفلان في صنعه كذا.
أما قوله :﴿إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ فقال مجاهد : هو نمروذ بن كنعان، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل : إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل، وقيل : بعد إلقائه في النار، والمحاجة المغالبة، يقال : حاججته فحججته، أي غالبته فغلبته، والضمير في قوله ﴿في ربه﴾ يحتمل أن يعود إلى إبراهيم، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن، والأول أظهر، كما قال :﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله﴾ [الأنعام: ٨٠] والمعنى وحاجه قومه في ربه.
أما قوله :﴿أن آتاه الله الملك﴾ فاعلم أن في الآية قولين الأول : أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم ﷺ الملك، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول : قوله تعالى :﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ [النساء: ٥٤] أي سلطانا بالنبوة، والقيام بدين الله تعالى والثاني : أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير، فوجب أن يكون هذا الضمير عائدا إليه والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم.
وأجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام.
وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك ههنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى، وأيضا فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمنا، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى.
وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه الأول : أن قوله تعالى :﴿أن آتاه الله الملك﴾ يحتمل تأويلات ثلاثة، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا : الضمير عائد إلى الملك لا إلى إبراهيم، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه الله الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي، والتأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكرا على أن آتاه ربه الملك، كما يقال : عاداني فلان لأني أحسنت إليه، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونظيره قوله تعالى :
﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢] وهذا التأويل أيضا لا يليق بالنبي فإنه يجب عليه إظهار المحاجة قبل حصول الملك وبعده أما الملك العاتي فإنه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له، فثبت أنه لا يستقيم لقوله ﴿أن آتاه الله الملك﴾ معنى وتأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي.
الحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم ﷺ في إظهار الدعوة إلى الدين الحق، ومتى كان الكافر سلطانا مهيبا، وإبراهيم ما كان ملكا، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكا، ولما كان الكافر ملكا، فوجب المصير إلى ما ذكرنا.
الحجة الثانية : ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن إبراهيم ﷺ لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين ويستبقي الآخر، بل كان إبراهيم ﷺ يمنعه منه أشد منع، بل كان يجب أن يكون كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف، لأنه من المحتمل أن يقال : إن إبراهيم ﷺ كان ملكا وسلطانا في الدين والتمكن من إظهار المعجزات، وذلك الكافر كان ملكا مسلطا قادرا على الظلم، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين، وأيضا فيجوز أن يقال إنما قتل أحد الرجلين قودا، وكان الاختيار إليه، واستبقى الآخر، إما لأنه لا قتل عليه أو بذل الدية واستبقاه.
وأيضا قوله ﴿أنا أحيي وأميت﴾ خبر ووعد، ولا دليل في القرآن على أنه فعله، فهذا ما يتعلق بهذه المسألة.
أما قوله تعالى :﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، وذلك لأن من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة، والظاهر أنه متى ادعى الرسالة، فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلها، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال :﴿إني رسول رب العالمين﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلهية بقوله ﴿رب السماوات والأرض﴾ فكذا ههنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة، فقال نمروذ : من ربك ؟ فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت، إلا أن تلك المقدمة حذفت، لأن الواقعة تدل عليها.
المسألة الثانية : دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة، وذلك لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين، والإحياء والإماتة كذلك، لأن الخلق عاجزون عنهما، والعلم بعد الاختيار ضروري، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم، وذلك المؤثر إما أن يكون موجبا أو مختارا، والأول : باطل، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر، فكان يجب أن لا يتبدل الإحياء بالإماتة، وأن لا تتبدل الإماتة بالإحياء، والثاني : وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل والصفة والطبيعة والخاصية، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لابد في الإحياء والإماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها، وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه كقوله ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخره، وقوله ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ [التين: ٤، ٥] وقال تعالى :﴿الذي خلق الموت والحياة﴾ [الملك: ٢].
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقال :﴿الذي خلق الموت والحياة﴾ [الملك: ٢] وحكي عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى :﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾ [الشعراء: ٨١] فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت، حيث قال :﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾.
والجواب : لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإنسان عليها أتم، فلا جرم وجب تقديم الحياة ههنا في الذكر.
أما قوله تعالى :﴿أنا أحيي وأميت﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة، دعا ذلك الملك الكافر شخصين، وقتل أحدهما، واستبقى الآخر، وقال : أنا أيضا أحيي وأميت، هذا هو المنقول في التفسير، وعندي أنه بعيد، وذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر، وهو أن إبراهيم ﷺ لما احتج بالإحياء والإماتة من الله قال المنكر، تدعى الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أو تدعى صدور الإحياء والإماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أما الأول : فلا سبيل إليه، وأما الثاني : فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية، وتناول السم قد يفضي إلى الموت، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال : هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضا من الله تعالى، وأما الإحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية، فظهر الفرق.
وإذا عرفت هذا فقوله ﴿إن الله يأت بالشمس من المشرق﴾ ليس دليلا آخر، بل تمام الدليل الأول : ومعناه : أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك، إلا أن حركات الأفلاك من الله فكان الإحياء والإماتة أيضا من الله تعالى، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه، وأنه لا يصلح نقضا عليه، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة، لا ما هو المشهور عند الكل، والله أعلم بحقيقة الحال.
المسألة الثانية : أجمع القراء على إسقاط ألف ﴿أنا﴾ في الوصل في جميع القرآن، إلا ما روي عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة، والصحيح ما عليه الجمهور، لأن ضمير المتكلم هو ﴿أن﴾ وهو الهمزة والنون، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في سكوته للوقف، وكما إن هذه الهاء تسقط عند الوصل، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل، لأن ما يتصل به يقوم مقامه، ألا ترى أن همزة ال
اعلم أنه تعالى ذكر ههنا قصصا ثلاثة : الأولى : منها في بيان إثبات العلم بالصانع، والثانية والثالثة : في إثبات الحشر والنشر والبعث، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم ﷺ مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول :
أما قوله تعالى :﴿ألم تر﴾ فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال : ألم تر إلى فلان كيف يصنع، معناه : هل رأيت كفلان في صنعه كذا.
أما قوله :﴿إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ فقال مجاهد : هو نمروذ بن كنعان، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل : إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل، وقيل : بعد إلقائه في النار، والمحاجة المغالبة، يقال : حاججته فحججته، أي غالبته فغلبته، والضمير في قوله ﴿في ربه﴾ يحتمل أن يعود إلى إبراهيم، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن، والأول أظهر، كما قال :﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله﴾ [الأنعام: ٨٠] والمعنى وحاجه قومه في ربه.
أما قوله :﴿أن آتاه الله الملك﴾ فاعلم أن في الآية قولين الأول : أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم ﷺ الملك، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول : قوله تعالى :﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ [النساء: ٥٤] أي سلطانا بالنبوة، والقيام بدين الله تعالى والثاني : أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير، فوجب أن يكون هذا الضمير عائدا إليه والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم.
وأجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام.
وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك ههنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى، وأيضا فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمنا، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى.
وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه الأول : أن قوله تعالى :﴿أن آتاه الله الملك﴾ يحتمل تأويلات ثلاثة، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا : الضمير عائد إلى الملك لا إلى إبراهيم، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه الله الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي، والتأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكرا على أن آتاه ربه الملك، كما يقال : عاداني فلان لأني أحسنت إليه، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونظيره قوله تعالى :
﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢] وهذا التأويل أيضا لا يليق بالنبي فإنه يجب عليه إظهار المحاجة قبل حصول الملك وبعده أما الملك العاتي فإنه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له، فثبت أنه لا يستقيم لقوله ﴿أن آتاه الله الملك﴾ معنى وتأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي.
الحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم ﷺ في إظهار الدعوة إلى الدين الحق، ومتى كان الكافر سلطانا مهيبا، وإبراهيم ما كان ملكا، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكا، ولما كان الكافر ملكا، فوجب المصير إلى ما ذكرنا.
الحجة الثانية : ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن إبراهيم ﷺ لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين ويستبقي الآخر، بل كان إبراهيم ﷺ يمنعه منه أشد منع، بل كان يجب أن يكون كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف، لأنه من المحتمل أن يقال : إن إبراهيم ﷺ كان ملكا وسلطانا في الدين والتمكن من إظهار المعجزات، وذلك الكافر كان ملكا مسلطا قادرا على الظلم، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين، وأيضا فيجوز أن يقال إنما قتل أحد الرجلين قودا، وكان الاختيار إليه، واستبقى الآخر، إما لأنه لا قتل عليه أو بذل الدية واستبقاه.
وأيضا قوله ﴿أنا أحيي وأميت﴾ خبر ووعد، ولا دليل في القرآن على أنه فعله، فهذا ما يتعلق بهذه المسألة.
أما قوله تعالى :﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، وذلك لأن من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة، والظاهر أنه متى ادعى الرسالة، فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلها، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال :﴿إني رسول رب العالمين﴾ [الزخرف: ٤٦] ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلهية بقوله ﴿رب السماوات والأرض﴾ فكذا ههنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة، فقال نمروذ : من ربك ؟ فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت، إلا أن تلك المقدمة حذفت، لأن الواقعة تدل عليها.
المسألة الثانية : دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة، وذلك لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين، والإحياء والإماتة كذلك، لأن الخلق عاجزون عنهما، والعلم بعد الاختيار ضروري، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم، وذلك المؤثر إما أن يكون موجبا أو مختارا، والأول : باطل، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر، فكان يجب أن لا يتبدل الإحياء بالإماتة، وأن لا تتبدل الإماتة بالإحياء، والثاني : وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل والصفة والطبيعة والخاصية، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لابد في الإحياء والإماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها، وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه كقوله ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخره، وقوله ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ [التين: ٤، ٥] وقال تعالى :﴿الذي خلق الموت والحياة﴾ [الملك: ٢].
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقال :﴿الذي خلق الموت والحياة﴾ [الملك: ٢] وحكي عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى :﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾ [الشعراء: ٨١] فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت، حيث قال :﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾.
والجواب : لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإنسان عليها أتم، فلا جرم وجب تقديم الحياة ههنا في الذكر.
أما قوله تعالى :﴿أنا أحيي وأميت﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة، دعا ذلك الملك الكافر شخصين، وقتل أحدهما، واستبقى الآخر، وقال : أنا أيضا أحيي وأميت، هذا هو المنقول في التفسير، وعندي أنه بعيد، وذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر، وهو أن إبراهيم ﷺ لما احتج بالإحياء والإماتة من الله قال المنكر، تدعى الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أو تدعى صدور الإحياء والإماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أما الأول : فلا سبيل إليه، وأما الثاني : فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية، وتناول السم قد يفضي إلى الموت، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال : هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضا من الله تعالى، وأما الإحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية، فظهر الفرق.
وإذا عرفت هذا فقوله ﴿إن الله يأت بالشمس من المشرق﴾ ليس دليلا آخر، بل تمام الدليل الأول : ومعناه : أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك، إلا أن حركات الأفلاك من الله فكان الإحياء والإماتة أيضا من الله تعالى، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه، وأنه لا يصلح نقضا عليه، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة، لا ما هو المشهور عند الكل، والله أعلم بحقيقة الحال.
المسألة الثانية : أجمع القراء على إسقاط ألف ﴿أنا﴾ في الوصل في جميع القرآن، إلا ما روي عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة، والصحيح ما عليه الجمهور، لأن ضمير المتكلم هو ﴿أن﴾ وهو الهمزة والنون، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في سكوته للوقف، وكما إن هذه الهاء تسقط عند الوصل، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل، لأن ما يتصل به يقوم مقامه، ألا ترى أن همزة ال