جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿أَوْ كَالّذِي مَرّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ نظير الذي عنى بقوله :﴿ألَمْ تَرَ الّذِي حاجّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبّهَ﴾ من تعجيب محمد ﷺ منه.
وقوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ عطف على قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِي حاجّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ﴾. وإنما عطف قوله :﴿أوْ كالّذِي﴾ على قوله :﴿إلى الّذِي حاجّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ﴾ وإن اختلف لفظاهما، لتشابه معنييهما، لأن قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِي حاجّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ﴾ بمعنى : هل رأيت يا محمد كالذي حاجّ إبراهيم في ربه، ثم عطف عليه بقوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ لأن من شأن العرب العطف بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه وإن خالف لفظه لفظه. وقد زعم بعض نحويي البصرة أن «الكاف » في قوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ زائدة، وأن المعنى : ألم ترى إلى الذي حاجّ إبراهيم، أو الذي مرّ على قرية. وقد بينا قبل فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
واختلف أهل التأويل في الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال بعضهم : هو عُزَيْر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِها﴾ قال : عزير.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو خزيمة، قال : سمعت سليمان بن بريدة في قوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال : هو عزير.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خاويَةٌ على عُرُوشِها﴾ قال : ذكر لنا أنه عزير.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة ( مثله ).
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ قال : قال الربيع : ذكر لنا والله أعلم أن الذي أتى على القرية هو عزير.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِها﴾ قال : عزير.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط عن السدي :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ قال : عزير.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿أوْ كالّذي مَرّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ إنه هو عزير.
حدثني يونس، قال : قال لنا سلم الخواص : كان ابن عباس يقول : هو عزير.
وقال آخرون : هو إرميا بن حلقيّا وزعم محمد بن إسحاق أن إرميا هو الخضر.
حدثنا بذلك ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا ابن إسحاق، قال : اسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل، إرميا بن حلَقيّا، وكان من سبط هارون بن عمران.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله :﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أن إرميا لما خرِب بيت المقدس وحرقت الكتب، وقف في ناحية الجبل، فقال :﴿أَنى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال : هو إرميا.
حدثني محمد بن عسكر، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : سمعت عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن قيس بن سعد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير في قول الله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِها﴾ قال : كان نبيا وكان اسمه إرميا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن عبد الله بن عبيد، مثله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني بكر بن مضر قال : يقولون والله أعلم : إنه إرميا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره عجّب نبيه ﷺ ممن قال إذ رأى قرية خاوية على عروشها :﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ مع علمه أنه ابتدأ خلقها من غير شيء، فلم يقنعه علمه بقدرته على ابتدائها، حتى قال : أنى يحييها الله بعد موتها ! ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصحّ من قبله البيان على اسم قائل ذلك، وجائز أن يكون ذلك عزيرا، وجائز أن يكون إرميَا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك. وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم، وأنه الذي بيده الحياة والموت من قريش، ومن كان يكذّب بذلك من سائر العرب، وتثبيت الحجة بذلك على من كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل بإطلاعه نبيه محمد ﷺ على ما يزيل شكهم في نبوّته، ويقطع عذرهم في رسالته، إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها إلى نبيه محمد ﷺ في كتابه من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد ﷺ وقومه، ولم يكن علم ذلك إلا عند أهل الكتاب، ولم يكن محمد ﷺ وقومه منهم، بل كان أميا وقومه أميون، فكان معلوما بذلك عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره أن محمدا ﷺ لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله إليه. ولو كان المقصود بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك لكانت الدلالة منصوبة عليه نصبا يقطع العذر ويزيل الشك، ولكن القصد كان إلى ذمّ قيله، فأبان تعالى ذكره ذلك لخلقه.
واختلف أهل التأويل في القرية التي مرّ عليها القائل :﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فقال بعضهم : هي بيت المقدس. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سهل بن عسكر ومحمد بن عبد الملك، قالا : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، قال : لما رأى إرميا هدم بيت المقدس كالجبل العظيم، قال :﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾.
ثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، قال : هي بيت المقدس.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق عمن لا يتهم أنه سمع وهب بن منبه يقول ذلك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أنه بيت المقدس، أتى عزير بعد ما خرّبه بختنصر البابلي.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِها﴾ أنه مرّ على الأرض المقدسة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ قال : القرية : بيت المقدس، مرّ بها عُزَيْر بعد إذ خرّبها بختنصر.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿أوْ كالّذِي مَرّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قال : القرية بيت المقدس، مرّ عليها عزير وقد خرّبها بختنصر.
وقال آخرون : بل هي القرية التي كان الله أهلك فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم ( الله ) موتوا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره :﴿ألَمْ تَرَى إلى الّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ قال : قرية كان نزل بها الطاعون، ثم اقتصّ قصتهم التي ذكرناها في موضعها عنه، إلى أن بلغ فقال لهم الله موتوا في المكان الذي ذهبوا يبتغون فيه الحياة، فماتوا ثم أحياهم الله ﴿إنّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ على النّاسِ ولكنّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾. قال : ومرّ بها رجل وهي عظام تلوح، فوقف ينظر، فقال ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها، فَأماتَهُ اللّهُ مائَةَ عامٍ ثُمّ بَعَثَهُ﴾ إلى قوله ﴿لَمْ يَتَسَنّه﴾.
والصواب من القول في ذلك كالقول في اسم القائل :﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ سواء لا يختلفان.
( القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ على عُرُوشِها﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ وهي خالية من أهلها وسكانها، يقال من ذلك : خوت الدار تَخْوي خَواءً وخُوِيّا، وقد يقال للقرية : خَوِيَت، والأول أعرب وأفصح. وأما في المرأة إذا كانت نفساء فإنه يقال : خَوِيَتْ تَخْوَى خَوًى منقوصا، وقد يقال فيها : خَوَتْ تَخْوِي، كما يقال في الدار، وكذلك خَوِيَ الجوف يَخْوَى خَواءً شَديدا، ولو قيل في الجوف ما قيل في الدار وفي الدار ما قيل في الجوف كان صوابا، غير أن الفصيح ما ذكرت. وأما العروش : فإنها الأبنية والبيوت، واحدها عَرْش، وجمع قليله أَعْرُش، وكل بناء فإنه عرش، ويقال : عرش فلان ( دارا ) يعرِش ويعرُش، وعرّش تعريشا، ومنه قول الله تعالى ذكره :﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ يعني يبنون، ومنه قيل عريش مكة، يعني به : خيامها وأبنيتها.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال ابن عباس : خاوية : خراب. قال ابن جريج : بلغنا أن عزيرا خرج فوقف على بيت المقدس وقد خرّبه بختنصر، فوقف فقال : أبعد ما كان لك من القدس والمقاتِلة والمال ما كان ! فحزن.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِها﴾ قال : هي خراب.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : مرّ عليها عزير وقد خرّبها بختنصر.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِها﴾ يقول : ساقطة على سقفها.