اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
هذه القصة الثالثة الدالَّةُ على صحَّة البعث.
في العامل في " إذْ " ثلاثةُ أوجه :
أظهرها : أنه قال :" أَوَلَمْ تُؤْمِن "، أي : قال له ربَّه وقتَ قوله ذلك.
والثاني : أنه " أَلَمْ تَرَ " أي : ألم تر إذ قال إبراهيم.
والثالث : أنه مضمرٌ تقديره : واذكر قاله الزجاح ف " إِذْ " على هذين القولين مفعولٌ به، لا ظرفٌ. و " ربِّ " منادى مضافٌ لياءِ المتكلم، حُذفَتْ ؛ استغناءً عنها بالكسرةِ قبلَها، وهي اللغةُ الفصيحةُ، وحُذِف حرفُ النداءِ.
وقوله :" أَرِنِي " تقدَّم ما فيه من القراءات، والتوجيه في قوله :﴿وَأَرِنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] والرؤية هنا بصرية تتعدَّى لواحدٍ، ولمَّا دخلَتْ همزةُ النقل، أكسبته مفعولاً ثانياً، والأولُ ياءُ المتكلم، والثاني الجملة الاستفهامية، وهي معلقة للرؤية و " رأى " البصرية تُعَلَّق، كما تعلق " نَظر " البصرية، ومن كلامهم :" أَمَا تَرَى أَيُّ بَرْقٍ هاهنا ".
و " كَيْفَ " في محلِّ نصب : إمَّا على التشبيه بالظرف، وإمَّا على التشبيه بالحال، كما تقدَّم في قوله :﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. والعاملُ فيها " تُحيي " وقدَّره مكي(١) : بأي حالٍ تُحْيي الموتى، وهو تفسيرُ معنًى، لا إعرابٍ.
قال القرطبيُّ(٢) : الاستفهامُ بكيف، إنما هو سؤالٌ عن حالةِ شيءٍ موجودٍ متقرر الوجوه عند السائل، والمسؤول ؛ نحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا : ومتى قلت : كيف ثوبُكَ ؟ وكيف زيدٌ ؟ فإِنَّما للسؤال عن حالٍ من أحواله، وقد تكون " كَيْفَ " خبراً عن شيءٍ شأنه أَنْ يُسْتفهم عنه بكيف، نحو قولك : كيف شِئتَ فكُنْ، ونحو قول البخاريّ :" كَيْفَ كان بَدْءُ الوَحْي "، و " كَيْفَ " في هذه الآية إِنَّما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإحياءُ متقرِّرٌ، ولكن لمَّا وجدنا بعض المنكرين لوجود شيءٍ، قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة ذلك الشيء، يعلم أنها لا تصح ؛ فيلزم من ذلك أَنَّ الشيء في نفسه لا يصحُّ ؛ مثاله أَنْ يقول مُدَّعٍ أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المكذِّب له : أَرِني كيف ترفعه فهذه طريقةُ مجاز في العبارة، ومعناها تسلِيمٌ جدلي، كأنه يقول : افرِض أَنَّكَ ترفعه، فأرني كيف ترفعه فلما كان في عبارة الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام هذا الاشتراك المجازي، خلص اللهُ له ذلك، وحمله على أَنْ بيَّن له الحقيقة، فقال له :" أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ ؟ قال : بَلَى " فكمل الأَمر، وتخلص من كُلِّ شكٍّ.
فإِن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى لم يُسَمِّ عزيراً، بل قال :﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وهاهُنَا سمَّى إبراهيم، مع أَنَّ المقصُودَ في كِلتا القصَّتين شيءٌ واحِدٌ ؟ !
فالجواب(٣) : قال ابن الخطيب رحمه الله : والسببُ فيه : أَنَّ عزيراً لم يحفظِ الأَدَبَ، بل قال ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] ولذلك جعل الإِحياء، والإِماتة في نفسه، وإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام حفظ الأَدب، ورَاعاهُ ؛ فقال أَوَّلاً " رَبِّ " ثُمَّ دعا فقال :﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ولذلك جعل الإِحياء، والإِماتة في الطيور.
قوله :﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ في هذه الواوِ وجهان :
أظهرهما : أنها للعطفِ قُدِّمت عليها همزةُ الاستفهامِ، لأنها لها صدرُ الكلامِ والهمزةُ هنا للتقريرِ ؛ لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على النفي، قَرَّره ؛ كقول القائل :[ الوافر ]
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَاوَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ(٤)
و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، المعنى : أنتم خيرُ، وقد شرحنا.
والثاني : أنها واوُ الحالِ، دخلت عليها ألفُ التقرير، قال ابن عطية ؛ وفيه نظرٌ من حيث إنها إذا كانَتْ للحالِ، كانت الجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ، وإذا كانت كذلك، استدعَتْ ناصباً، وليس ثمَّ ناصبٌ في اللفظِ، فلا بُدَّ من تقديره ؛ والتقديرُ " أَسأَلْتَ وَلَمْ تُؤْمِنْ "، فالهمزةُ في الحقيقة، إِنما دخَلَتْ على العامل في الحالِ. وهذا ليس بظاهر، بل الظاهرُ الأَوَّلُ، ولذلك أُجيبت ببلى، وعلى ما قال ابنُ عطية يَعْسُر هذا المعنى.
وقوله :" بلى " جوابٌ للجملة المنفيَّة، وإنْ صار معناه الإِثبات اعتباراً باللفظ لا بالمعنى، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانبُ اللفظِ دون المعنى، نحو :﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] وقد تقدَّم تحقيقه واللهُ أَعْلَمُ.
قوله :" لِّيَطْمَئِنَّ " اللامُ لامُ كَيْ، فالفعلُ منصوبٌ بعدها، بإضمار " أَنْ "، وهو مبنيٌّ لاتِّصاله بنون التوكيد واللامُ متعلِّقة بمحذوفٍ بعد " لكنْ " تقديرُه : ولكن سألتُكَ كيفية الإِحياء للاطمئنان، ولا بُدَّ من تقدير حذفٍ آخر، قبل " لكنْ " ؛ حتَّى يصحَّ معه الاستدراكُ، والتقديرُ : بلى آمنْتُ، وما سألتُ غير مؤمنٍ، ولكنْ سألتُ ليطمئِنَّ قَلْبي ليحصل الفرقُ بين المعلوم بالبرهان وبين المعلوم عياناً.
قال السُّدِّيُّ، وابن جبير :" أَوَلَمْ تُؤْمِن " بأَنَّكَ خليلي ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بالخُلَّةِ(٥).
والطُّمأنينةُ : السكونُ، وهي مصدرُ " اطمأنَّ " بوزن : اقْشَعَرَّ، وهي على غير قياس المصادر، إذ قياسُ " اطْمَأنَّ " أَن يكون مصدرُه على الاطمئنان. واختلف في " اطْمَأَنَّ " هل هو مقلوبٌ ؛ أم لا ؟ فمذهب سيبويه(٦) رحمه الله أنه مقلوبٌ من " طَأْمَنَ "، فالفاءُ طاءٌ، والعينُ همزةٌ، واللامُ ميمٌ، فقُدِّمت اللامُ على العينِ فوزنه : افْلَعَلَّ بدليل قولهم : طامنتُه، فتطامَنَ. ومذهبُ الجرمي : أنه غيرُ مقلوب، وكأَنَّه يقول : إِنَّ اطمَأَنَّ وطَأْمَنَ مادَّتانِ مُسْتَقلَّتانِ، وهو ظاهرُ كلام أبي البقاء(٧) فإنه قال : والهَمزةُ في " لِيَطْمَئِنَّ " أصلٌ، ووزنه يفعَلِلُّ، ولذلك جاء ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] مثل :" اقْشَعْرَرْتُمْ ". انتهى. فوزنه على الأصل دونَ القلب، هذا غيرُ بعيدٍ ؛ ألا ترى أَنَّهم في " جَبَذَ، وجَذَبَ، قالوا : ليس أحدهما مقلُوباً من الآخر لاستواءِ المادَّتين في الاستعمال.
ولترجيح كلٍّ من المذهبين موضعٌ غير هذا.

فصلٌ في الداعي على السؤال


ذكروا في سبب سؤال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام وجوهاً :
أحدها : قال الحسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، وعطاءٌ، وابن جريج : أَنَّهُ رأى جيفةً مطروحةً على شطّ البحر، قال ابن جريج(٨) : جيفة حمارٍ، بساحل البحر وقال عطاءٌ : بحيرة طبريَّة ؛ فإذا مَدَّ البحر أكل منها دوابُّ البحر، وإذا جزر البحر، جاءت السِّباعُ وأَكلت، وإذا ذهب السباع، جاءت الطيورُ، فأكلت وطارت، فقال إبراهيم : ربِّ أَرِنِي كيف تجمعُ أجزاءَ الحيوانِ من بطون السباع، والطيور، ودوابِّ البحر ؟ فقيل : أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ ؟ قال : بلى، ولكن المطلُوبُ من السؤال(٩) أن يصير العلمُ الاستدلاليُّ ضروريًّا.
الثاني : قال محمد بن إسحاق، والقاضي(١٠) إِنَّ سببهُ أَنَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام في مناظرته مع النُّمروذ، لما قال :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال الملعون ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فأطلق محبوساً، وقتل رجلاً، فقال إبراهيم ليس هذا بإحياءٍ وإماتة، وإنما الإِحياءُ، أن [ الله ] يقصد إلى جسد ميِّت فيُحْييه. فقال له نمروذ : أَنتَ عانيته ؟ فلم يقدر أن يقول : نعم، فقال له نمروذ : قُل لربّك حتَّى يحيي، وإِلاَّ قتلتك، فسأل اللهَ تعالى ذلك.
وقوله :" لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " يعني : بنجاتي من القتل، أو ليطمئِنَّ قلبي بقوة حُجَّتي، وإذا قيل لي : أنت عانيته ؟ فأقول : نعم، وأَنَّ عدولي منها إلى غيرها، ما كان بسبب ضعفِ تلك الحُجَّة، بل بسبب جهل [ المستمع ].
الثالث : قال ابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، والسديُّ : إِنَّ الله تعالى أوحى إليه إِنِّي متَّخذٌ بشراً خليلاً، فاستعظم إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك، وقال : إِلهي، ما علامةُ ذلك ؟ فقال تعالى : علامتُه : أَنْ يُحْيي الميِّت بدعائه فلمَّا عظُم مقام إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام في مقام العُبُودية وأداءِ الرسالة خطر بباله إنّي لعلِّي أكون ذلك الخليل فسأل إحياء الميت، فقال الله : أَوَ لَمْ تُؤْمِنُ ؟ قال : بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بأَنِّي خليلٌ لك(١١).
الرابع : أنه عليه السلام إِنَّما سأل ذلك لقومه ؛ لأَنَّ أَتْبَاع الأَنبياءِ كانوا يُطالبونهم بأشياء : تارةً باطلةٌ وتارةً حقة، كقولهم لموسى ﴿اجْعَلْ لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فسأل إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك. والمقصودُ أَنْ يُشاهِدَه قومه فيزول الإنكارُ عنهم.
الخامس : قال ابن الخطيب(١٢) رحمه الله : إِنَّ الأمَّة لا يحتاجون إلى العلم بأَنَّ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام صادق في ادِّعاء الرسالة إلى معجزة تظهر عليه، فكذلك الرسولُ، عن وصول الملك إليه، وإِخباره بأَنَّ اللهَ بعثه رسولاً يحتاج إلى معجزة تظهرُ على يد ذلك الملك ؛ ليعلم الرسولُ أَنَّ ذلك الواصل ملكٌ لا شيطانٌ، فلا يبعد أَن يقال : إنه لمَّا جاء الملك إلى إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام وأخبره بأن اللهَ بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة، فقال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ على أَنَّ الآتي ملكٌ كريمٌ لا شيطانٌ رجيمٌ.
[ قال ابن الخطيب(١٣) : وعلى قول المتكلمين طلب العلم الضروريِّ، لأَنَّ الاستدلاليَّ مما يتطرقُ إليه الشكوكُ، والشُّبهاتُ، ولعلَّه طالع في الصُّحف المتقدمة أَنَّ عيسى يُحيي الموْتَى بدعائه، ومعنى " لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " على أَني لستُ أَقَلَّ منزلةً من عيسى، أو أَنَّهُ سارع في الطَّاعة بذبح ولده، كأنه قال أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح، ففعلتُ، فأنا أسألُك أن تجعل غير ذي روح رُوحانيّاً ؛ ليطمئن قلبي بإجابتك، أو أَنَّ المعنى أَرِني كيف يكونُ الحشرُ يوم القيامة ؟ أَي : ليطمئِنَّ قلبي بهذا التشريف أو يكون قصَّة سماع الكلام، لا نفس الإِحياء ](١٤).
قال ابن الخطيب(١٥) : وهاهنا سؤالٌ صعبٌ، وهو أنَّ الإنسان حال حصول العلم له إمَّا يكون مجوِّزاً لنقيضه أو لا.
فإن جوَّز نقيضه بوجهٍ من الوجوه، فذلك ظنٌّ قويٌّ لا اعتقاد جازم، وإن لم يجوّز نقيضه بوجه من الوجوه، امتنع وقوع التفاوت في المعلوم.
وهذا الإشكال إنما يتوجَّه إذا قلنا : المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أمَّا إذا قلنا : المقصود شيءٌ آخر، فالسؤال زائلٌ.
روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال :" نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قال : رَبِّ أَرِنِي كَ
١ - ينظر: المشكل ١/١٠٩..
٢ - ينظر: القرطبي ٣/١٩٤..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٣..
٤ - تقدم برقم (٣٥٧)..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٨٩)..
٦ - ينظر: الكاتب لسيبويه ٢/٣٨٠..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٣..
٨ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٤٧..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٨٦-٤٨٧)..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٤..
١١ - تقدم..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٤..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٤-٣٥..
١٤ - سقط في ب..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٥-٣٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى