محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٦٠ من سورة البقرة في ١٢٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٩٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

١٢٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إِلَيْكَ ثُمّ اجْعَلْ عَلَىَ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنّ جُزْءًا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : ألم تر إذ قال إبراهيم ربّ أرني. وإنما صلح أن يعطف بقوله :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ على قوله :﴿أوْ كالّذِي مَرّ على قَرْيَةٍ﴾ وقوله :﴿ألَمْ تَرَ إِلى الّذِي حَاجّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ﴾ لأن قوله :﴿ألَمْ تَرَ﴾ ليس معناه : ألم تر بعينيك، وإنما معناه : ألم تر بقلبك، فمعناه : ألم تعلم فتذكر، فهو وإن كان لفظه لفظ الرؤية فيعطف عليه أحيانا بما يوافق لفظه من الكلام، وأحيانا بما يوافق معناه.
واختلف أهل التأويل في سبب مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموت ؟ فقال بعضهم : كانت مسألته ذلك ربه، أنه رأى دابة قد تقسمتها السباع والطير، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها مع تفرّق لحومها في بطون طير الهواء وسباع الأرض ليرى ذلك عيانا، فيزداد يقينا برؤيته ذلك عيانا إلى علمه به خبرا، فأراه الله ذلك مثلاً بما أخبر أنه أمره به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾ ذكر لنا أن خليل الله إبراهيم ﷺ أتى على دابة توزّعتها الدوابّ والسباع، فقال :﴿رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى قَالَ أوَلَمْ تُوءْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾.
حدثت عن الحسن، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾ قال : مرّ إبراهيم على دابة ميت قد بلي وتقسمته الرياح والسباع، فقام ينظر، فقال : سبحان الله، كيف يحيي الله هذا ؟ وقد علم أن الله قادر على ذلك، فذلك قوله :﴿رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج : بلغني أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق، إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزّعت لحمها وبقي عظامها. فلما ذهبت السباع، وطارت الطير على الجبال والآكام، فوقف وتعجب ثم قال : ربّ قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع والطير ﴿رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُوءْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ ولكن ليس الخبر كالمعاينة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : مرّ إبراهيم بحوت نصفه في البرّ، ونصفه في البحر، فما كان منه في البحر فدوابّ البحر تأكله، وما كان منه في البرّ فالسباع ودوابّ البرّ تأكله، فقال له الخبيث : يا إبراهيم متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟ فقال : يا ربّ أرني كيف تحيي الموتى ! قال : أولم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئنّ قلبي.
وقال آخرون : بل كان سبب مسألته ربه ذلك، المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمروذ في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، قال : لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصه الله في سورة الأنبياء، قال نمروذ فيما يذكرون لإبراهيم : أرأيت إلَهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو ؟ قال له إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت. قال نمروذ : أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم : كيف تحيي وتميت ؟ ثم ذكر ما قصّ الله من محاجته إياه. قال : فقال إبراهيم عند ذلك :﴿رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أوَلَمْ تُوءْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ من غير شكّ في الله تعالى ذكره ولا في قدرته، ولكنه أحبّ أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه، فقال : ليطمئنّ قلبي، أي ما تاق إليه إذا هو علمه.
وهذان القولان، أعني الأول وهذا الآخر، متقاربا المعنى في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى كانت ليرى عيانا ما كان عنده من علم ذلك خبرا.
وقال آخرون : بل كانت مسألته ذلك ربه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلاً، فسأل ربه أن يريه عاجلاً من العلامة له على ذلك ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلاً، ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيدا. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه أن يأذن له أن يبشر إبراهيم بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس في البيت فدخل داره، وكان إبراهيم أغير الناس، إن خرج أغلق الباب¹ فلما جاء وجد في داره رجلاً، فثار إليه ليأخذه، قال : من أذن لك أن تدخل داري ؟ قال ملك الموت : أذن لي ربّ هذه الدار، قال إبراهيم : صدقت ! وعرف أنه ملك الموت، قال : من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلاً. فحمد الله وقال : يا ملك الموت أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار. قال : يا إبراهيم لا تطيق ذلك. قال : بلى. قال : فأعرِضْ ! فأعرض إبراهيم ثم نظر إليه، فإذا هو برجل أسود تنال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم، ثم أفاق وقد تحوّل ملك الموت في الصورة الأولى، فقال : يا ملك الموت لو لم يلق الكافر عند الموت من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين ! قال : فأعرِضْ ! فأعرض إبراهيم ثم التفت، فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا، في ثياب بيض، فقال : يا ملك الموت لو لم يكن للمؤمن عند ربه من قرّة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت، وقام إبراهيم يدعو ربه يقول :﴿رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾ حتى أعلم أني خليلك ﴿قَالَ أوَلَمْ تُوءْمِنْ﴾ بأني خليلك، يقول تصدق، ﴿قَالَ بَلْى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ بخلولتك.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير :﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ قال : بالخُلة.
وقال آخرون : قال ذلك لربه لأنه شكّ في قدرة الله على إحياء الموتى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب في قوله :﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ قال : قال ابن عباس : ما في القرآن آية أرجى عندي منها.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل، عن سعيد بن المسيب، قال : اتّعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا، قال : ونحن يومئذٍ شببة، فقال أحدهما لصاحبه : أيّ آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة ؟ فقال عبد الله بن عمرو ﴿يا عِبادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ﴾ حتى ختم الآية، فقال ابن عباس : أما إن كنت تقول إنها، وإن أرجى منها لهذه الأمة قول إبرهيم ﷺ ﴿رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أوَلَمْ تُوءْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾.
حدثنا القاسم، قال : ثني الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء بن أبي رباح، عن قوله :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قالَ أوَلَمْ تُوءْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لَيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس، فقال :﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى. . . قال فخذ أربعة من الطير﴾ ليريه.
حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال : حدثنا سعيد بن تليد، قال : حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال : ثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال :«نَحْنُ أحَقّ بالشّكّ مِنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَ : رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى، قَالَ أوَلَمْ تُوءْمِنْ ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال : فذكر نحوه.
وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صحّ به الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال، وهو قوله :«نَحْنُ أحَقّ بالشّكّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ رَبّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى، قَالَ أَوَلَمْ تُوءْمِنْ » وأن تكون مسألته ربه ما سأله أن يريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفا من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البرّ وبعضه في البحر قد تعاوره دوابّ البرّ ودوابّ البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال : متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟ فسأل إبراهيم حينئذٍ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ليعاين ذلك عيانا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه :﴿أوَلَمْ تُوءْمِنْ﴾ يقول : أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر ؟ قال : بلى يا ربّ، لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئنّ قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت.
حدثني بذلك يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد.
ومعنى قوله :﴿لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه. وهذا التأويل الذي قلناه في ذلك هو تأويل الذين وجهوا معنى قوله :﴿لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ إلى أنه ليزداد إيمانا، أو إلى أنه ليوفق. ذكر من قال ذلك : ليوفق، أو ليزداد يقينا أو إيمانا :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير :﴿لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ قال : ليوفق.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان. وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير :﴿لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ قال : ليزداد يقيني.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك :﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ يقول : ليزداد يقينا.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ قال : وأراد نبيّ الله إبراهيم ليزداد يقينا إلى يقينه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : قال معمر وقال قتادة : ليزداد يقينا.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ألم تر إذ قال إبراهيم: ربِّ أرني. وإنما صلح أن يعطف بقوله: (وإذ قال إبراهيم) على قوله: (أو كالذي مرّ على قرية)، وقوله: (ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه) لأن قوله: (ألم تر) ليس معناه: ألم تر بعينيك، وإنما معناه: ألم تر بقلبك، فمعناه: ألم تعلم فتذكر، (١). فهو وإن كان لفظه لفظ"الرؤية" فيعطف عليه أحيانًا بما يوافق لفظه من الكلام، وأحيانًا بما يوافق معناه.
* * *
واختلف أهل التأويل في سبب مسألة إبراهيم ربَّه أن يريه كيف يحيي الموتى. فقال بعضهم: كانت مسألته ذلك ربَّه، أنه رأى دابة قد تقسَّمتها السباعُ والطيرُ، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها، مع تفرق لحومها في بطون طير الهواء وسباع الأرض ليرى ذلك عيانًا، فيزداد يقينًا برؤيته ذلك عيانًا إلى علمه به خبرًا، فأراه الله ذلك مثلا بما أخبر أنه أمره به.
* ذكر من قال ذلك:
٥٩٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) ذكر لنا أنّ خليل الله إبراهيم ﷺ أتى على دابة توزعتها الدوابّ والسباع، فقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي).
٥٩٦٤ - حدثنا عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد،
(١) انظر معنى"الرؤية" فيما سلف من هذا الجزء ٥: ٤٢٩، والتعليق عليه رقم: ٢.
قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (رب أرني كيف تحيي الموتى) قال: مر إبراهيم على دابة ميت قد بَلي وتقسَّمته الرياح والسباعُ، فقام ينظر، فقال: (١). سبحان الله! كيف يحيي الله هذا؟ وقد علم أن الله قادرٌ على ذلك: فذلك قوله: (رب أرني كيف تحيي الموتى).
٥٩٦٥- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: بلغني أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق، إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزَّعت لحمها، (٢). وبقي عظامها. فلما ذهبت السِّباع، وطارت الطير على الجبال والآكام، فوقف وتعجب، (٣). ثم قال: ربّ قد علمتُ لتجمعنَّها من بطون هذه السباع والطير! ربّ أرني كيف تحيي الموتى! قال: أولم تؤمن، قال: بلى! ولكن ليس الخبر كالمعاينة.
٥٩٦٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: مر إبراهيم بحوت نصفه في البرّ، ونصفه في البحر، فما كان منه في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان منه في البرِّ فالسباع ودواب البر تأكله، فقال له الخبيث: (٤). يا إبراهيم، متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: يا رب، أرني كيف تحيي الموتى! قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى! ولكن ليطمئن قلبي!
* * *
وقال آخرون: بل كان سبب مسألته ربَّه ذلك، المناظرةُ والمحاجَّة التي جرت بينه وبين نمرود في ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
(١) في المخطوطة: "فقدم ينظر"، والصواب ما في المطبوعة.
(٢) تمزع القوم الشيء: تقاسموا وفرقوه بينهم،. من التمزيع: وهو التقطيع والتفريق.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "فوقف" بالفاء، والأجود حذفها.
(٤) الخبيث، يعنى إبليس لعنه الله.
٥٩٦٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصَّه الله في"سورة الأنبياء"، قال نمروذ، فيما يذكرون، لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته، وتذكُر من قدرته التي تعظِّمه بها على غيره، ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت! قال نمروذ: أنا أحيي وأميت! فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ = ثم ذكر ما قصّ الله من محاجته إياه = قال: فقال إبراهيم عند ذلك: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي = من غير شكّ في الله تعالى ذكره ولا في قدرته، ولكنه أحبَّ أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه فقال:"ليطمئن قلبي"، أي: ما تاق إليه إذا هو علمه.
* * *
قال أبو جعفر: وهذان القولان -أعني الأول وهذا الآخر- متقاربا المعنى في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا.
* * *
وقال آخرون: بل كانت مسألته ذلك ربَّه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلا فسأل ربه أن يريه عاجلا من العلامة له على ذلك، ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلا ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيِّدًا.
* ذكر من قال ذلك:
٥٩٦٨ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربَّه أن يأذن له أن يبشر إبراهيم بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس في البيت، فدخل داره = وكان إبراهيم أغيرَ الناس، إن خرج أغلق الباب = فلما جاء ووجد في داره رجلا
ثار إليه ليأخذه، (١). قال: من أذن لك أن تدخل داري؟ قال ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار، قال إبراهيم: صدقت! وعرف أنه ملك الموت. قال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت جئتك أبشِّرك بأن الله قد اتخذك خليلا! فحمد الله وقال: يا ملك الموت، أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاسَ الكفار. قال: يا إبراهيم لا تطيق ذلك. قال: بلى. قال: فأعرِضْ! فأعرضَ إبراهيم ثم نظر إليه، فإذا هو برجل أسود تنال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهبُ النار. فغشي على إبراهيم، ثم أفاقَ وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى، فقال: يا ملك الموت، لو لم يلقَ الكافر عند الموت من البلاء والحزن إلا صورتَك لكفاه، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين؟ قال: فأعرض! فأعرض إبراهيم، ثم التفت، فإذا هو برجل شابّ أحسنِ الناس وجهًا وأطيبه ريحًا، (٢). في ثياب بيض، فقال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربّه من قرَّة العين والكرامة إلا صورتك هذه، لكان يكفيه.
فانطلق ملك الموت، وقام إبراهيم يدعو ربه يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك! قال: أولم تؤمن بأني خليلك؟ = يقول: تصدق = قال: بلى! ولكن ليطمئن قلبي بِخُلولتك. (٣).
(١) في المطبوعة: "فلما جاء وجد في داره رجلا، فثار إليه ليأخذه قال"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) من العربي المعرق، عود الضمير على الجمع مذكرًا مفردًا، كما جاء في الخبر، وكما جاء في خبر عمار بن ياسر (ابن سعد ٣ /١ /١٨٣) :" كان عمار بن ياسر من أطول الناس سكوتًا وأقله كلامًا" وكما في الحديث: "خبر النساء صوالح قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده"، وكقول ذي الرمة. وَمَيَّةُ أَحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ جِيدًا... وَسَالِفَةً، وَأَحْسَنُهُ قَذَالاَ.
(٣) الخلة (بضم وفتح اللام المشددة) والخلالة (بفتح الخاء وكسرها) والخلولة والخلالة (بضم الخاء) : الصداقة.
٥٩٦٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: (ولكن ليطمئن قلبي) قال: بالخُلَّة. (١).
* * *
وقال آخرون: قال ذلك لربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى.
* ذكر من قال ذلك:
٥٩٧٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب في قوله: (ولكن ليطمئن قلبي) قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرْجَى عندي منها. (٢).
٥٩٧١ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل، عن سعيد بن المسيب، قال: اتَّعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا. قال: ونحن يومئذ شَبَبَة، فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) (٣). [الزمر: ٥٣] حتى ختم الآية. فقال ابن عباس: أمَّا إن كنت تقول: إنها، وإن أرجى منها لهذه
(١) الأثر: ٥٩٦٩ -"عمرو بن ثابت بن هرمز البكري" ويقال له: عمرو بن أبي المقدام روى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش وغيرهم، روى عنه أبو داود الطيالسي، وسهل بن حماد، ويحيى بن آدم وغيرهم. قال ابن المبارك: "لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت، فإنه كان يسب السلف"، وضعفه أبو زرعة وابن معين والبخاري. وقال أبو داود في السنن: " رافضي خبيث وكان رجل سوء". مات سنة ١٧٢، مترجم في التهذيب. وأبو: ثابت بن هرمز أبو المقدام.
روى عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرها. وروى عنه ابنه والثوري وشعبة وغيرهم. كان شيخًا عاليًا صاحب سنة. مترجم في التهذيب.
(٢) الأثر: ٥٩٧٠ -أخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٣٥ ونسبه لعبد الرزاق وابن جرير. وقوله: "أرجي" أفعل تفضيل من"الرجاء"، وهو الأمل نقيض اليأس.
(٣) زدت في أول الآية: "قل" على سنن القراءة.
الأمة قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). (١).
٥٩٧٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء بن أبي رباح، عن قوله: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كلف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) قال: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوبَ الناس، فقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى)، قال: (فخذ أربعةً من الطير)، ليريه.
٥٩٧٣ - حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قالا حدثنا سعيد بن تليد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:"نحنُ أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي". (٢).
(١) الأثر: ٥٩٧١ -خرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٣٥، ونسبه لعبد بن حميد، وابن المنذر وابن جرير، والحاكم قال: "وصححه". وهو في المستدرك بغير هذا اللفظ ١: ٦٠ من طريق"بشر بن حجر السامي، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر قال: التقى ابن عباس وابن عمرو، فقال له ابن عباس... " ثم قال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع". وكأن علة انقطاعه أن عبد العزيز بن أبي سلمة لم يدرك محمد بن المنكدر، فإنه مات سنة ١٣٠.
هذا: ومعنى قوله: "أما إن كنت تقول إنها"، فإن في الجملة حذوفًا جارية على لغة العرب في الاجتزاء، ومعناه: "أما إن كنت تقول ذلك، إنها لمن أرجى الآيات، وأرجى منها قول إبراهيم.
وحذف خبر"إن" كثير في العربية، من ذلك ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، إن الأنصار قد فضلونا، إنهما آوونا، وفعلوا بنا وفعلوا، فقال: ألستم تعرفون ذلك لهم؟ قالوا: بلى! قال: فإن ذلك". فقوله"فإن ذلك"، معناه: فإن ذلك مكافأة منكم لهم، أي معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم، مكافأة لهم. قال أبو عبيد: "وهذا اختصار من كلام العرب، يكتفي منه بالضمير، لأنه قد علم ما أراد به قائله"، انظر أمالي ابن الشجري ١: ٣٢٢، وغيره.
(٢) الأثر: ٥٩٧٣ -"زكريا بن يحيى بن أبان المصري"، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب. و"سعيد بن تليد"، هو: "سعيد بن عيسى بن تليد الرعيني" نسب إلى جده. روى عنه البخاري وروى له النسائي بواسطة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم المصري. كان ثقة ثبتا في الحديث.
وعبد الرحمن بن القاسم بن خالد العتقي المصري". روى عن مالك الحديث والمسائل، وعن بكر بن مضر، ونافع بن أبي نعيم القاري. قال ابن يونس: "ذكر أحمد بن شعيب النسوي ونحن عنده، عبد الرحمن بن القاسم، فأحسن الثناء عليه وأطنب" وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "كان خيرًا فاضلًا ممن تفقه على مالك، وفرع على أصوله، وذب عنها، ونصر من انتحلها". مترجم في التهذيب. و"عمرو ابن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري". روى عن أبيه وسالم بن أبي النضر، والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الرحمن بن القاسم، ويونس بن يزيد الأيلي وهو من أقرانه. روى عنه مجاهد ابن جبر وصالح بن كيسان، وهما أكبر منه، وقتادة وبكير بن الأشج، وهما من شيوخه، ورشدين ابن سعد، وبكر بن مضر وغيرهم. وهو ثقة. قال أبو حاتم: "كان أحفظ أهل زمانه، ولم يكن له نظير في الحفظ" وقال سعيد بن عفير: "كان أخطب الناس وأرواهم". مترجم في التهذيب. وانظر بقية تخريجه في الأثر التالي.
٥٩٧٤ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: فذكر نحوه. (١).
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صحَّ به الخبر عن رسول الله صلى أنه قال، وهو قوله:"نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ " = وأن تكون مسألته ربَّه ما سأله أن يُريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرضَ في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفًا: (٢). من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليعاين ذلك عيانًا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقي
(١) الأثر: ٥٩٧٤ -هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه، قال: "حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب" كمثل إسناد الطبري. وبمثل لفظه في الإسناد السابق. انظر الفتح ٨: ١٥٠، ١٥١، واستوفى الكلام فيه الحافظ في الفتح أيضًا في شرح" كتاب أحاديث الأنبياء"، من البخاري (الفتح ٦: ٢٩٣، ٢٩٤)، وأشار إلى إسناد ابن جرير السالف. وانظر كلام الحافظ في إسناده.
(٢) يعنى الأثر رقم: ٥٩٦٦، والذي قاله الطبري من تمام الأثر فيما أرجح.
فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك. فقال له ربه: (أولم تؤمن) ؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب! لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رُؤيتي هذا الحوت.
٥٩٧٥ - حدثني بذلك يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد. (١).
* * *
ومعنى قوله: (ليطمئن قلبي) ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه.
* * *
وهذا التأويل الذي. قلناه في ذلك هو تأويل الذين وجَّهوا معنى قوله: (ليطمئن قلبي) إلى أنه: ليزداد إيمانًا = أو إلى أنه: ليوقن. (٢).
* ذكر من قال ذلك: ليوقن = أو ليزداد يقينًا أو إيمانًا. (٣).
٥٩٧٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير: (ليطمئن قلبي) قال: ليوقن. (٤).
٥٩٧٧ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان. وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: (ليطمئن قلبي) قال: ليزداد يقيني.
٥٩٧٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: (ولكن ليطمئن قلبي) يقول: ليزداد يقينًا.
٥٩٧٩ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: (ولكن ليطمئن قلبي) قال: وأراد نبي الله إبراهيم ليزداد يقينًا إلى يقينه.
٥٩٨٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال معمر وقال قتادة: ليزداد يقينًا.
(١) الأثر: ٥٩٧٥ - هو من تمام الأثر الذي أشرت إليه رقم: ٥٩٦٦.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "ليوفق"، في هذه المواضع الثلاثة، وهو خطأ لا معنى له، وصوابها ما أثبت، من تفسير القرطبي ٣: ٣٠٠.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "ليوفق"، في هذه المواضع الثلاثة، وهو خطأ لا معنى له، وصوابها ما أثبت، من تفسير القرطبي ٣: ٣٠٠.
(٤) في المخطوطة والمطبوعة: "ليوفق"، في هذه المواضع الثلاثة، وهو خطأ لا معنى له، وصوابها ما أثبت، من تفسير القرطبي ٣: ٣٠٠.
٥٩٨١ - حدثنا عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (ولكن ليطمئن قلبي) قال: أراد إبراهيم أن يزداد يقينًا.
٥٩٨٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا محمد بن كثير البصري، قال: حدثنا إسرائيل، قال: حدثنا أبو الهيثم، عن سعيد بن جبير: (ليطمئن قلبي) قال: ليزداد يقيني.
٥٩٨٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: (ولكن ليطمئن قلبي) قال: ليزداد يقينًا.
٥٩٨٤ - حدثنا صالح بن مسمار، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا خلف بن خليفة، قال: حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد وإبراهيم في قوله: (ليطمئن قلبي) قال: لأزداد إيمانًا مع إيماني.
٥٩٨٥ - حدثنا صالح، قال: حدثنا زيد، قال: أخبرنا زياد، عن عبد الله العامري، قال: حدثنا ليث، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير في قول الله: (ليطمئن قلبي) قال: لأزداد إيمانًا مع إيماني.
* * *
وقد ذكرنا فيما مضى قولَ من قال: معنى قوله: (ليطمئن قلبي) بأني خليلك. (١).
* * *
وقال آخرون: معنى قوله: (ليطمئن قلبي) لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.
* ذكر من قال ذلك:
(١) الأثران رقم: ٥٩٦٨، ٥٩٦٩.
٥٩٨٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (ليطمئن قلبي) قال: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.
* * *
وأما تأويل قوله: (قال أولم تؤمن)، فإنه: أولم تصدق؟ (١). كما:-
٥٩٨٧ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي.
٥٩٨٨ - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير قوله: (أولم تؤمن) قال: أولم توقن بأني خليلك؟
٥٩٨٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (أولم تؤمن) قال: أولم توقن.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قال الله له: (فخذ أربعة من الطير)، فذكر أن الأربعة من الطير: الديكُ، والطاوُوس، والغرابُ، والحمام.
* ذكر من قال ذلك:
٥٩٩٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أن أهل الكتاب الأول يذكرون أنه أخذ طاووسا، وديكًا، وغرابًا، وحمامًا.
٥٩٩١ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن
(١) انظر فهارس اللغة فيما سلف"الإيمان" بمعنى التصديق.
ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الأربعة من الطير: الديك، والطاووس، والغراب، والحمام.
٥٩٩٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج: (قال فخذ أربعة من الطير) قال ابن جريج: زعموا أنه ديك، وغراب، وطاووس، وحمامة.
٥٩٩٣ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (قال فخذ أربعة من الطير) قال: فأخذ طاووسًا، وحمامًا، وغرابًا، وديكًا; مخالِفةٌ أجناسُها وألوانُها.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾


قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والحجاز والبصرة: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بضم الصاد من قول القائل:"صُرْت إلى هذا الأمر" (١). إذا ملت إليه ="أصُورُ صَوَرًا"، ويقال:"إني إليكم لأصْوَر" أي: مشتاق مائل، ومنه قول الشاعر: (٢).
اللهُ يَعْلَمُ أنَّا فِي تَلَفُّتِنَايَوْمَ الفِرَاقِ إلَى أَحْبَابِنَا صُورُ (٣)
وهو جمع"أصْور، وصَوْراء، وصُور، مثل أسود وسوداء" ومنه قول الطرماح:
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "صرت هذا الأمر" بإسقاط"إلى"، والصواب ما أثبت.
(٢) غير معروف قائله، وأنشده الفراء.
(٣) اللسان (صور) والخزانة ١: ٥٨، وشرح شواهد المغني: ٢٦٦ وغيرها كثير، وكان في المطبوعة هنا: "إلى أحبابنا"، وأثبت ما في المخطوطة. وبعد البيت بيت من الشواهد المستفيضة:
وَأَنَّنِي حَوْثُمَا يَثْنِي الهَوَى بَصَرِيمِنْ حَوْثُمَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُورُ
.
عَفَائِفُ إِلا ذَاكَ أَوْ أَنْ يَصُورَهَاهَوًى، والْهَوَى للعَاشِقِينَ صَرُوعُ (١)
يعني بقوله:"أو أن يصورها هوى"، يميلها.
* * *
فمعنى قوله: (فصُرْهن إليك) اضممهن إليك ووجِّههن نحوك، كما يقال:"صُرْ وجهك إليّ"، أي أقبل به إليّ. ومن وَجَّه قوله: (فصرهن إليك) إلى هذا التأويل، كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكرُه استغناءً بدلالة الظاهر عليه. ويكون معناه حينئذ عنده: قال: (فخذ أربعةً من الطير فصرهن إليك)، ثم قطعهن، (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا).
* * *
وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم"الصاد": قطِّعهن، كما قال توبة بن الحميِّر:
فَلَمَّا جَذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ... بِأَطْرَافِ عِيدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا...
(١) ديوانه: ١٥٢، وهو من أبيات جياد، قبله:
إِذَا ذُكِرَتْ سَلْمَى لَهُ، فَكَأَنَّمَاتَغَلْغَلَ طِفْلٌ فِي الفُؤَادِ وَجِيعُ
وَإِذْ دَهْرُنَا فِيهِ اغْتِرَارٌ، وَطَيْرُنَاسَوَاكِنٌ فِي أَوْكَارِهِنَّ وُقُوعُ
قَضَتْ مِنْ عِيَافٍ وَالطَّرِيدَةِ حَاجَةًفَهُنَّ إلى لَهْوِ الحَدِيثِ خُضُوعُ
عَفَائِفُ إلاّ ذَاكَ.........................
فَآلَيْتُ أَلْحَى عَاشِقًا مَا سَرَى القَطَاوَأَجْدَرَ من وادِي نَطَاةَ وَلِيعُ
قوله: "طفل"، أي من هم الهوى والحب، ينمو منذ كانوا أطفالا. وعياف، والطريدة، لعبتان من لعب صبيان الأعراب، فيقول: إن سلمى وأترابها، قد أدركن وكبرن، فترفعن عن لعب الصغار والأحداث، وحبب إليهن الحديث والغزل. فهن يخضعن له ويملن، ولكنهن عفيفات مسلمات، ليس لهن من نزوات الصبا إلا الأحاديث والغزل، وإلا أن يعطف قلوبهن الهوى والعشق، والهوى صروع قتال، يصرع من يلم به. فلما رأى ذلك منهز ومن نفسه، أقسم أن لا يلوم محبًّا على فرط عشقه. وقوله: "أجدر" أي أخرج الشجر ثمره كالحمص. والوليع: طلع النخل. ووادي نطاة: بخبير، وهو كثير النخل.
فَأَدْنَتْ لِيَ الأسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُهَابِنَهْضِي وَقَدْ كَادَ ارْتِقَائِي يَصُورُهَا (١)
يعني: يقطعها. وإذا كان ذلك تأويل قوله: (فصرهن)، كان في الكلام تقديم وتأخير، ويكون معناه: فخذ أربعة من الطير إليك فصِرهن = ويكون"إليك" من صلة"خذ".
* * *
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة:"فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ" بالكسر، بمعنى قطعهن.
وقد زعم جماعة من نحويي الكوفة أنهم لا يعرفون:"فصُرهن" ولا"فصرهن" بمعنى قطعهن، في كلام العرب -وأنهم لا يعرفون كسر"الصاد" وضمها في ذلك إلا بمعنى واحد، = وأنهما جميعًا لغتان بمعنى"الإمالة" = وأن كسر"الصاد" منها لغة في هذيل وسليم; وأنشدوا لبعض بني سليم: (٢).
وَفَرْعٍ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُعَلَى الِّليتِ قِنْوَانُ الكُرُوم الدَّوَالِح (٣)
(١) هذان البيتان من قصيدة طويلة عندي في شعر توبة بن الحير. والبيت الأول هنا ينبغي أن يؤخر، لأن المعنى لا يستقيم على رواية أبي جعفر: وترتيبها في رواية شعره، مع اختلاف الرواية:فَقَالَتْ:
فَنَادَيْتُ لَيْلَى، والحُمُولُ كَأَنَّهَامَوَاقِيرُ نَخْلٍ زَعْزَعَتْهَا دُبُورَها
أَرَى أَنْ لا تُفِيدَكَ صحبتيلِهَيْبَةِ أعْدَاءٍ تَلَظَّى صُدُورُهَا
فَمَدَّتْ لِيَ الأَسْبَابَ حتَّى بَلَغْتُهَابِرِفْقِي، وَقَدْ كَادَ ارْتِقَائِي يَصُورُهَا
فَلَمَّا دَخَلْتُ الخِدْرَ أَطَلَّتْ نُسُوعُهُوَأَطْرَافُ عِيْدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا
ورواية الطبري"فلما جذبت الحبل" و"بأطراف عبدان"، ليست جيدة، والأسباب جمع سبب: وهي الحبال، حتى يصعد إليها في خدرها. وقوله"نهضي" في روايته، أي نهوضي وحركتي من حيث كنت مختفيًا. وأط الرحل يئط: سمع صوت عيدانه وصريرها. والنسوع جمع نسع: وهو سير مضفور تشديد به الرحال. كانت الحبال جديدة فأطت وسمع صوتها. والأسور جمع أسر: وهو عقد الخلق وقوته. أي أن العيدان جديدة شديدة القوى. متينة. فذلك أشد لأطيطها.
(٢) لا أعرف قائله.
(٣) معاني القرآن للفراء ١: ١٧٤. اللسان (صير) الفرع الشعر التام الحثل، وحف أسود حسن كثير عزيز، الليت صحفة العنق. وهما الليتان، قنوان: جمع قنو (بكسر فسكون) وهو عذق النحل وما فيه من الرطب. والدوالح جمع دالح: وهو المثقل بالحمل هنا. وأصله فيما يمشي، يقال بعير دالح: إذا مشى بحمله الثقيل مشيًا غير منبسط. وكذلك السحاب دالح، أي مثقل بطيء المر. وهي استعارة جيدة محكمة.
يعني بقوله:"يصير"، يميل = وأنّ أهل هذه اللغة يقولون:"صاروه وهو يصيره صَيرًا"،"وصِرْ وَجهك إليّ"، أي أمله، كما تقول:"صُره". (١).
* * *
وزعم بعض نحويي الكوفة أنه لا يعرف لقوله: (فصُرهن) ولا لقراءة من قرأ:"فصرهن" بضم"الصاد" وكسرها، وجهًا في التقطيع، (٢). إلا أن يكون"فصِرْ هن إليك"! في قراءة من قرأه بكسر"الصاد" من المقلوب، وذلك أن تكون"لام" فعله جعلت مكان عينه، وعينه مكان لامه، فيكون من"صري يصري صَرْيًا"، فإن العرب تقول:"بات يَصْرِي في حوضه": إذا استقى، ثم قطع واستقى، (٣). ومن ذلك قول الشاعر: (٤).
صَرَتْ نَطْرَةً لَوْ صَادَفَتْ جَوْزَ دَارِعٍغَدَا وَالْعَوَاصِي مِنْ دَمِ الجَوْفِ تَنْعَرُ (٥)
"صَرَت"، قطعتْ نظرة، ومنه قول الآخر: (٦).
يَقُولُونَ: إنّ الشَّأَمَ يَقْتُلُ أَهْلَهُ... فَمَنْ لِي إِذَا لَمْ آتِهِ بِخُلُودِ... تَعَرَّبَ آبَائِي، فَهَلا صَرَاهُمُ... مِنَ المَوْتِ أَنْ لَمْ يَذْهَبُوا وَجُدُودِي! ؟ (٧)
(١) انظر ما سلف في معاني القرآن للفراء ١: ١٧٤.
(٢) أي: بمعنى التقطيع.
(٣) هذا بيان جيد، لا تجده في كتب اللغة.
(٤) لم أعرف قائله.
(٥) اللسان (نعر) (عصا)، ومعاني القرآن ١: ١٧٤ -جوز كل شيء: وسطه، والدراع: لابس الدرع. والعواصي جمع عاص، يقال: "عرق عاص" وهو الذي لا يرقأ ولا ينقطع دمه، كأنه يعصى في الانقطاع الذي يبغي منه ولا يطيع، وأشد ما يكون ذلك في عروق الجوف. ونعر العرق بالدم: إذا فار فورانًا لا يرقأ، كأن له صوتًا من شدة خروج الدم منه. فهو نعار ونعور.
(٦) لم أعرف قائلهما.
(٧) معاني القرآن للفراء ١: ١٧٤، معجم ما استعجم: ٧٧٣، اللسان (عرب) (شأم).
وتعرب القوم: أقاموا بالبادية، ولم يحضروا القرى. يقول سكن آبائي وجدودي البوادي وأقاموا فيها ولم يحضروا القرى، فلم يك ذلك نجاة لهم من المنايا. وقوله: "وجدودي، عطف على"آبائي"، ورواية البيت في اللسان أجود:
تَعَرَّبَ آبائِي، فَهَلاَّ صَرَاهُمُمِنَ المَوْتِ رَمْلاَ عَالِجٍ وزَرُودِ
وهما موضعان مصحان من أرض العرب.
يعني: قطعهم، ثم نقلت ياؤها التي هي لام الفعل فجعلت عينا للفعل، وحوّلت عينها فجعلت لامها، فقيل:"صار يصير"، كما قيل:"عَثِي يَعْثَى عَثًا"، ثم حولت لامها، فجعلت عينها، فقيل:"عاث يعيث. (١).
* * *
فأما نحويو البصرة فإنهم قالوا: (فصرهن إليك) سواء معناه إذا قرئ بالضم من الصاد وبالكسر في أنه معنيٌّ به في هذا الموضع التقطيع. قالوا: وهما لغتان: إحداهما:"صار يصور"، والأخرى:"صَار يصير"، واستشهدوا على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذي ذكرنا قبل، وببيت المعلَّى بن جَمَّال العبدي (٢).
وَجَاءَت خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَايَصُورُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ (٣)
(١) انظر ما سلف من ذلك في ٢: ١٢٣، ١٢٤.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "بن حماد"، وهو تصحيف، فإن المراجع كلها اتفقت على أنه"ابن جمال" بالجيم أو"بني حمال" بالحاء. وهو ينسب لأوس بن حجر التميمي، ولآخر غيره يقال له: أوس بن حجر كما ترى في المراجع المذكورة بعد.
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨١ وأمالي القالي ٢: ٥٢، والتنبيه: ٩٣، وسمط اللآلي: ٦٨٥، ٦٨٦، ثم في لسان العرب (ظأب) (ظاب) (صور) (دهس) (خلع) (صوع) (عنق) (زنم)، وفي كتب أخرى، ويأتي البيت منسوبًا لأوس بن حجر هكذا:وهو بيت ملفق، وصواب رواية الشعر مادة (زنم) من اللسان:
يَصُوعُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمٌلَهُ ظَأْب كمَا صَخِبَ الغرِيمُ
وجَاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَايَصُوعُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ
يُفَرِّقُ بَيْنَهَا صَدْعٌ رَبَاعٌلَهُ ظَأْبٌ كَما صَخِبَ الغَرِيمُ
الخلعة بكسر الخاء وضمها: خيار المال، يعنى المعزي التي سيقت إليه، كانت كلها خيارًا. والدهس جمع دهساء: وهي من المعزى، السوداء المشربة حمرة لا تغلو. وقوله: "يصوع" هذه الرواية أخرى بمعنى يفرق. وذلك إذا أراد سفادها. والتيس إذا أرسل في الشاء صاعها، أي فرقها إذا أراد سفادها. والتيس إذا أرسل في الشاء صاعها، أي فرقها إذا أراد سفادها. وعنوق جمع عناق: وهي أنثي المعز. وهو جمع عزيز. والأحوى: الذي تضرب حمرته إلى السواد، يعنى تيس المعز، ويعنى أنه كريم. والزنيم: الذي له زنمتان في حلقة. والصدع (بفتح الصاد وسكون الدال أو فتحها) : وهو الفتى الشاب المدمج الخلق، الصلب القوي. ورباع: أي دخل في السنة الرابعة، وذلك في عز شبابه وقوته. وظأب التيس: صوته وجلبته وصياحه وصخبه، وهو أشد ما يكون منه عند السفاد. والغريم: الذي له الدين على المدين، ويقال للمدين غريم. يقول: إذا أراد سفادها هاج وفرقها، وكان له صخب كصخب صاحب الدين على المدين الذي يماطله ويماحكهم ويلويه دينه.
بمعنى: يفرِّق عنوقها ويقطعها = وببيت خنساء:
*لَظَلَّتْ الشُّمُّ مِنْهَا وَهْيَ تَنْصَارُ* (١)
يعني بالشم: الجبال، أنها تتصدع وتتفرق -وببيت أبي ذؤيب:
فَانْصَرْنَ مِنْ فَزَعٍ وَسَدَّ فُرُوجَهُ... غُبْرٌ ضَوَارٍ: وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ (٢)
قالوا: فلقول القائل:"صُرْت الشيء"، معنيان: أملته، وقطعته. وحكوا سماعًا:"صُرْنا به الحكم": فصلنا به الحكم.
* * *
(١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨١ وفيه مراجعه. والبيت ليس في ديوانها.
(٢) ديوانه: ١٢ المفضليات: ٨٧٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٨١، والأضداد للأصمعي وابن السكيت ٣٣، ١٨٧. وهذه الرواية التي رواها أبو عبيدة والأصمعي وابن السكيت والطبري" فانصرن"، رواية غربية، وهي في سياقه الشعر أغرب. وأنا أنكر معناها وأجده مخلا بالشعر. وذلك أن سياقه في صفة ثور الوحش، ثور من قد تقضى شبايه، لم تزل كلاب القناص تروعه حتى شعفت فؤاده. فإذا أصبح الصباح داخله الفزع خشية أن يباكره صياد بكلا به. فهو لا يزال يرمي بعينه في غيوب الأرض ثم يغضي ليتسمع، فيصدق سمعه ما يرى. وهو عندئذ واقف في الشمس يتشمس من ندى الليل، فيقول أبو ذؤيب:
فَغَدَا يُشَرِّقُ مَتْنَهُ، فَبَدَا لَهُأُولَى سَوَابِقِها قَرِيبًا تُوزَعُ
يقول: بدت له طلائع الكلاب قد دنت منه، والقناص يكفها حتى يرسلها جميعا عليه. فَاهْتَاجَ من فَرَعٍ، وسَدَّ فُرُوجَهُ... غُبْرٌ ضَوَارٍ: وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ
يقول هاجه الفزع فعدا عدوًا شديدًا والكلاب من خلفه وحواليه قد أخذت عليه مذهبه. ويروى"فانصاع من فزع" أي ذهب في شق. والغبر الضواري: هي كلاب الصياد، "منها وافيان": كلبان سالما الأذنين. والأجدع: مقطوع الأذن. إما علامة له، وإما من طول ممارسته لصيد الثيران وضربها له بقرونها حتى انقطعت آذانه.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن البصريين =: من أن معنى الضم في"الصاد" من قوله: (فصرهن إليك) والكسر، سواء بمعنى واحد - وأنهما لغتان، معناهما في هذا الموضع: فقطعهن - وأنّ معنى"إليك" تقديمها قبل"فصرهن"، من أجل أنها صلة قوله:"فخذ" = (١). أولى بالصواب من قول الذين حكينا قولهم من نحويّي الكوفيين، الذي أنكروا أن يكون للتقطيع في ذلك وجه مفهوم إلا على معنى القلب الذي ذكرت - (٢). لإجماع أهل التأويل على أن معنى قوله: (فصرهن) غير خارج من أحد معنيين: إما"قطِّعهن"، وإما"اضْمُمْهن إليك"، بالكسر قرئ ذلك أو بالضم. ففي إجماع جميعهم على ذلك = على غير مراعاة منهم كسر الصاد وضمها، ولا تفريق منهم بين معنيي القراءتين، أعني الكسر والضم = أوضح الدليل على صحّة قول القائلين من نحويي أهل البصرة في ذلك ما حكينا عنهم من القول، وخطأ قول نحويي الكوفيين; لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله: (فصرهن) بمعنى فقطعهن، على أنّ أصل الكلام"فاصرهن"، ثم قلبت فقيل:"فصِرْهن" بكسر"الصاد"، لتحول"ياء"،"فاصرهن" مكان رائه، وانتقال رائه مكان يائه، لكان لا شكّ -مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم- قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده، وبينه إذا قرئ بضمها، إذ كان غير جائز لمن قلب"فاصِرهن" إلى"فصِرهن" أن يقرأه"فصُرْهن" بضم"الصاد"، وهم، مع اختلاف قراءتهم ذلك، قد تأولوه تأويلا واحدًا على أحد الوجهين اللذين ذكرنا. ففي ذلك أوضحُ الدليل على خطأ قول من قال: إن ذلك إذا قرئ بكسر"الصاد" بتأويل: التقطيع، مقلوب من:"صَرِي يَصْرَى" إلى"صار يصير" = وجهل من زعم أن قول القائل:"صار يصور"، و"صار يصير" غير معروف في كلام العرب بمعنى: قطع.
* * *
(١) قوله"أولى بالصواب"، خبر قوله: "وهذا القول الذي ذكرناه... أولى بالصواب... ".
(٢) سياق العبارة: "... أولى بالصواب... لإجماع جميع أهل التأويل... ".
ذكر من حضرنا قوله في تأويل قول الله تعالى ذكره: (فصرهن) أنه بمعنى: فقطّعهن.
٥٩٩٤ - حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (فصرهن) قال: هي نبطيَّة، فشقِّقْهن. (١).
٥٩٩٥ - حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي جَمْرة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك)، قال: إنما هو مثلٌ. قال: قطعهن، ثم اجعلهن في أرباع الدنيا، رُبعًا ههنا، ورُبعًا ههنا، ثم ادعهن يأتينك سعيًا. (٢).
٥٩٩٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (فصرهن) قال: قطعهن.
٥٩٩٧ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: (فصرهن إليك) يقول: قطعهن.
٥٩٩٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، مثله.
٥٩٩٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن
(١) الأثر: ٥٩٩٤ -"سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط". قال ابن أبي حاتم: سئل عنه أبي فقال: صدوق، وسمعت حجاج ابن الشاعر يبالغ في الثناء عليه ويذكره بالخير. مترجم في التهذيب، وتاريخ بغداء ٩: ٥٢. و"محمد بن الصلت بن الحجاج الأسدي" مضى برقم: ٣٠٠٢. و"أبو كدينة" هو: يحيى بن المهلب البجلى. مضى في رقم ٤١٩٣ بغير ترجمة. قال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة. مترجم في التهذيب.
(٢) الأثر: ٥٩٩٥ -"أبو جمرة" هو: نصر بن عمران بن عصام الضبعي. روى عن أبيه وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وعنه شعبة وإبراهيم بن طهمان وابنه علقمة وغيرها. مترجم في التهذيب.
وقد مضى غير مترجم في رقم: ٣٢٥٠، وسقط في الطبع من اسمه راء"جمرة". وفي المطبوعة والمخطوطة"أبو حمزة"، وهو خطأ.
جعفر، عن سعيد: (فصرهن) قال: قال جناح ذِه عند رأس ذِه، ورأس ذِه عند جناح ذِه.
٦٠٠٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم أبو عمرو، عن عكرمة في قوله: (فصرهن إليك) قال: قال عكرمة بالنبطيَّة: قطّعهن.
٦٠٠١ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن يحيى، عن مجاهد: (فصرهن إليك) قال: قطعهن.
٦٠٠٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فصرهن إليك) انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقًا، (١) ثم اخلط لحومهن بريشهن.
٦٠٠٣ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فصرهن إليك) قال: انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقًا. (٢)
٦٠٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: (فصرهن إليك) أمر نبيُّ الله عليه السلام أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن.
٦٠٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فصرهن إليك) قال: فمزقهن. قال: أمر أن يخلط الدماء بالدماء، والريش بالريش،"ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا".
٦٠٠٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا
(١) هكذا جاء في الموضعين، في المخطوطة والمطبوعة، إلا أنها في المطبوعة: "انتفهن" منقوطة، وفي المخطوطة: "اسفهن" غير منقوطة. وأنا أرى أن أقرأها: "أشبعهن، ريشهن ولحومهن تمزيقا"، أو حرفًا يقارب هذا المعنى.
(٢) هكذا جاء في الموضعين، في المخطوطة والمطبوعة، إلا أنها في المطبوعة: "انتفهن" منقوطة، وفي المخطوطة: "اسفهن" غير منقوطة. وأنا أرى أن أقرأها: "أشبعهن، ريشهن ولحومهن تمزيقا"، أو حرفًا يقارب هذا المعنى.
عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك: (فصرهن إليك) يقول: فشقِّقهن، وهو بالنبطية"صري"، وهو التشقيق.
٦٠٠٧ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (فصرهن إليك) يقول قطعهن.
٦٠٠٨ - حدثنا عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: (فصرهن إليك) يقول: قطعهن إليك ومزقهن تمزيقًا.
٦٠٠٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (فصرهن إليك) أي قطعهن، وهو"الصَّوْر" في كلام العرب.
* * *
قال أبو جعفر: ففيما ذكرنا من أقوال من روينا في تأويل قوله: (فصرهن إليك) أنه بمعنى: فقطعهن إليك، دلالةٌ واضحة على صحة ما قلنا في ذلك، وفساد قول من خالفنا فيه.
وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ قرأ القارئ ذلك بضم"الصاد":"فصُرْهن" إليك أو كسرها"فصِرْهن" إذ كانت لغتين معروفتين بمعنى واحد. (١). غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبّهما إليّ أن أقرأ به"فصُرْهن إليك" بضم"الصاد"، لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما في إحياء العرب.
* * *
[وأما قول من تأوّل قوله: (فصرهن إليك) بمعنى: اضممهن إليك ووجّهن نحوك واجمعهن، فهو قولٌ قال به من أهل التأويل نفر قليل]. (٢).
(١) في المطبوعة: "أن كانت اللغتان معروفتين"، لم يحسن قراءة المخطوطة، لسرعة الكاتب فيما كتب وإهماله.
(٢) هذا الذي بين القوسين زيادة استظهرتها من سياق التفسير، وهو رده على القول الأول الذي مضى في ص ٤٦٩ س ٣ إلى ٧، ولم يعد ثانية إلى ذكره. وكان مكانه في المطبوعة: "وعند نفر قليل من أهل التأويل أنها بمعنى: أوثق". وهو تصرف من ناسخ قديم أو طابع. أما المخطوطة، فكان نصها هكذا متصلا بما قبله وما بعده. "وأكثرهما في أحياء العرب من أهل التأويل نفر قليل" ذكر من قال ذلك". والذي استظهرته أقرب إلى سياق التفسير إن شاء الله. وهذا دليل آخر على شدة إهمال الناسخ في كثير من المواضع لعجلته وقلة حذره.
* ذكر من قال ذلك:
٦٠١٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (فصرهن إليك) "صرهن": أوثِقْهُنّ.
٦٠١١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله: (فصرهن إليك) قال: اضممهن إليك.
٦٠١٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (فصرهن إليك) قال: اجمعهن.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا).
فقال بعضهم: يعني بذلك: على كل ربع من أرباع الدنيا جزءًا منهن.
* ذكر من قال ذلك:
٦٠١٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا) قال: اجعلهن في أرباع الدنيا: ربعًا ههنا، وربعًا ههنا، وربعًا ههنا، وربعًا ههنا، (ثم ادعهن يأتينك سعيا). (١).
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "عن أبي حمزة"، وهو خطأ. انظر ما سلف من التعليق على الأثر: ٥٩٩٥.
٦٠١٤ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا) قال: لما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا.
٦٠١٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: قال: أمر نبي الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبُل، فذكر لنا أنه شكل على أجنحتهن، (١) وأمسك برؤوسهن بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبَضعة إلى البَضعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ثم دعاهن فأتينه سعيًا على أرجلهن، ويلقي كل طير برأسه. (٢). وهذا مثل آتاه الله إبراهيم، يقول: كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناسَ يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها.
٦٠١٦ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ذبحهن، ثم قطعهن، ثم خلط بين لحومهن وريشهن، ثم قسّمهن على أربعة أجزاء، فجعل على كل جبل منهن جزءًا، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبَضعة إلى البَضعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم. ثم دعاهن فأتينه سعيًا، يقول: شدًّا على أرجلهن. وهذا مثل أراه الله إبراهيم، يقول: كما بعثتُ هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها.
٦٠١٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أن أهل الكتاب يذكرون أنه أخذَ الأطيار الأربعة، ثم قطَّع
(١) لم أفهم لقوله: "شكل على أجنحتهن" معنى، ولعل فيها تصحيفًا لم أتبينه، ولعل معناه أنه نثر ريش أجنحتهن. ولم أجد الخبر في مكان آخر.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: " ويلقي كل طير برأسه"، والصواب زيادة"إلى".
كل طير بأربعة أجزاء، ثم عمد إلى أربعة أجبال، فجعل على كل جبل ربعًا من كل طائر، فكان على كل جبل ربع من الطاووس، وربع من الديك، وربع من الغراب وربع من الحمام. ثم دعاهن فقال:"تعالين بإذن الله كما كنتُن"، فوثب كل ربع منها إلى صاحبه حتى اجتمعن، فكان كل طائر كما كان قبل أن يقطعه. ثم أقبلن إليه سعيًا، كما قال الله. وقيل: يا إبراهيم هكذا يجمع الله العباد، ويحيي الموتى للبعث من مشارق الأرض ومغاربها، وشامِها ويَمنها! فأراه الله إحياء الموتى بقدرته، حتى عرف ذلك، يعني: ما قال نمروذ من الكذب والباطل. (١).
٦٠١٨ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا) قال: فأخذ طاووسًا، وحمامة، وغرابًا، وديكًا، ثم قال: فرّقهن، اجعل رأس كل واحد وجؤشوش الآخر وجناحي الآخر ورجلي الآخر معه. (٢). فقطعهن وفرقهن أرباعًا على الجبال، ثم دعاهن فجئنه جميعًا، فقال الله: كما ناديتهن فجئنَك، فكما أحييت هؤلاء وجمعتهن بعدَ هذا، فكذلك أجمع هؤلاء أيضًا - يعني الموتى.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم اجعل على كل جبل من الأجبال التي كانت الأطيار والسباع التي كانت تأكل من لحم الدابة التي رآها إبراهيم ميتة، فسأل إبراهيم عند رؤيته إياها، أن يريه كيف يحييها وسائر الأموات غيرها. وقالوا: كانت سبعة أجبال.
* كر من قال ذلك:
٦٠١٩ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لما قال إبراهيم ما قال = عند رؤيته الدابة التي تفرقت الطيرُ
(١) في المطبوعة: "بغير ما قال نمرود... " وفي المخطوطة: " بعير ما قال" غير منقوطة، وصواب قراءته ما أثبت. وهذا تفسير للإشارة في قوله: "حتى عرف ذلك".
(٢) الجؤشوش: الصدر. يقال: "مضى جؤشوش من الليل" أي: صدر منه، مجاز من ذلك.
والسباع عنها حين دنا منها، وسأل ربّه ما سأل = قال: (فخذ أربعة من الطير) = قال ابن جريج: فذبحها = ثم اخلط بين دمائهن وريشهن ولحومهن، (١). ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا حيث رأيت الطيرَ ذهبت والسباعَ. قال: فجعلهن سبعة أجزاء، وأمسك رؤوسهن عنده، ثم دعاهن بإذن الله، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بَضْعة وكل عظم يطير بعضه إلى بعض من رؤوس الجبال، حتى لقيت كل جثة بعضها بعضًا في السماء، ثم أقبلن يسعَيْن، حتى وصلت رأسها.
٦٠٢٠ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك)، ثم اجعل على سبعة أجبال، فاجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم ادعهن يأتينك سعيًا! فأخذ إبراهيم أربعة من الطير، فقطّعهن أعضاء، لم يجعل عضوًا من طير مع صاحبه. ثم جعل رأس هذا مع رجل هذا، وصدر هذا مع جناح هذا، وقسَّمهن على سبعة أجبال، ثم دعاهن فطار كل عضو إلى صاحبه، ثم أقبلن إليه جميعًا.
* * *
وقال آخرون: بل أمره الله أن يجعل ذلك على كل جبل.
* ذكر من قال ذلك:
٦٠٢١ - حدثني محمد بن عمرو، قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا)، قال: ثم بدِّدهن على كل جبل يأتينك سعيًا، وكذلك يُحيي الله الموتى.
٦٠٢٢ - حدثني المثنى، قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ثم اجعلهن أجزاء على كل جبل، ثم ادعهن يأتينك سعيًا، كذلك يحيى الله الموتى. هو مثل ضربه الله لإبراهيم.
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "ثم خلط... "، فعل ماض، والصواب ما أثبت.
٦٠٢٣ - حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا) ثم بددهن أجزاءً على كل جبل = ثم (ادعهن)، تعالين بإذن الله. فكذلك يُحيي الله الموتى. مثل ضربه الله لإبراهيم صلى الله عليه وسلم.
٦٠٢٤ - حدثني المثنى، قال: حدثني إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: أمره أن يُخالف بين قوائمهن ورؤوسهن وأجنحتهن، ثم يجعل على كل جبل منهن جزءًا.
٦٠٢٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا)، فخالف إبراهيم بين قوائمهن وأجنحتهن.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بالآية ما قاله مجاهد، وهو أن الله تعالى ذكره أمرَ إبراهيم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن، على جميع الأجبال التي كان يصل إبراهيم في وقت تكليف الله إياه تفريقَ ذلك وتبديدَها عليها أجزاء. لأن الله تعالى ذكره قال له: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا) و"الكل" حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه، لفظه واحد ومعناه الجمع. (١).
فإذا كان ذلك كذلك، فلن يجوز أن تكون الجبال التي أمر الله إبراهيمَ بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة، عليها خارجةً من أحد معنيين: إما أن تكون بعضًا، أو جميعا. (٢).
فإن كانت"بعضًا" فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم
(١) انظر ما سلف في معنى"كل" ٣: ١٩٥.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "أو جمعا"، والصواب ما أثبت، وسيأتي على الصواب بعد قليل في المخطوطة.
السبيلُ إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه.
= أو يكون"جميعا"، فيكون أيضًا كذلك. (١).
وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على"كل جبل"، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، (٢) وإمَّا ما في الأرض من الجبال.
فأما قول من قال:"إن ذلك أربعة أجبل"، وقول من قال:"هن سبعة"، فلا دلالة عندنا على صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به، وإنما أمر الله إبراهيم ﷺ أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرقة على كل جبل، ليري إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهنَّ متفرقات متبدِّدات في أماكن مختلفة شتى، حتى يؤلف بعضهن إلى بعض، فيعدن = كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن على الجبال = أطيارًا أحياءً يطرن، فيطمئنّ قلب إبراهيم، ويعلم أنّ كذلك جَمْعُ الله أوصال الموتى لبعث القيامة، (٣). وتأليفه أجزاءهم بعد البلي وردّ كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذي كان قبل الردَى. (٤).
* * *
قال أبو جعفر: و"الجزْء" من كل شيء هو البعض منه، كان منقسمًا جميعه عليه على صحة أو غير منقسم. فهو بذلك من معناه مخالف معنى"السهم". لأن"السهم" من الشيء، هو البعض المنقسم عليه جميعه على صحة. ولذلك كثر استعمال الناس في كلامهم عند ذكرهم أنصباءَهم من المواريث:"السهام" دون"الأجزاء". (٥).
* * *
(١) في المطبوعة: "جمعا"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: "من كل جبل وقد عرفهن... " في المخطوطة: "... قد عرفهن" بغير واو. وقد زدت"من أجبل" حتى تستقيم العبارة، مستظهرًا مما مضى.
(٣) في المطبوعة:
"أن كذلك يجمع الله" وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) في المطبوعة: "قبل الرد"، والصواب من المخطوطة. والردى: الهلاك.
(٥) هذه تفرقة جيدة قلما تصيبها في كتب اللغة، فقيدها.
وأما قوله: (ثم ادعهن) فإن معناه ما ذكرت آنفًا عن مجاهد، أنه قال: هو امه أمر أن يقول لأجزاء الأطيار بعد تفريقهن على كل جبل:"تعالين بإذن الله".
* * *
فإن قال قائل: أمِر إبراهيم أن يدعوهنّ وهن ممزَّقات أجزاء على رؤوس الجبال أمواتًا، أم بعد ما أحيِين؟ فإن كان أمر أن يدعوهنّ وهن ممزقات لا أرواح فيهن، فما وجه أمر من لا حياة فيه بالإقبال؟ وإن كان أمر بدعائهن بعد ما أحيين، فما كانت حاجة إبراهيم إلى دعائهن، وقد أبصرهن يُنْشرن على رؤوس الجبال؟ قيل: إن أمر الله تعالى ذكره إبراهيمَ ﷺ بدعائهن وهن أجزاء متفرقات، إنما هو أمر تكوين = كقول الله للذين مسخهم قرَدة بعد ما كانوا إنسًا: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [البقرة: ٦٥] = لا أمرَ عبادةٍ، فيكون محالا إلا بعد وجُود المأمور المتعبَّد.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: (واعلم) يا إبراهيم، أن الذي أحيا هذه الأطيار بعد تمزيقك إياهن، وتفريقك أجزاءهن على الجبال، فجمعهن وردّ إليهن الروح، حتى أعادهن كهيئتهنّ قبل تفريقهن = (عزيز)، في بطشه إذا بطش بمن بطش من الجبابرة والمتكبرة، الذين خالفوا أمرَه، وعصوا رُسله، وعبدوا غيره، وفي نقمته حتى ينتقم منهم = (حكيم) في أمره.
* * *
٦٠٢٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق: (واعلم أن الله عزيز حكيم)، قال: عزيز في بطشه، حكيم في أمره.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام، أسبابا، منها : أنه لما قال لنمروذ :﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أحب أن يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة فقال :﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية : حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال : رب أرني كيف تحيى الموتى ؟ قال : أو لم تؤمن. قال : بلى، ولكن ليطمئن قلبي " وكذا رواه مسلم، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب(١) به - فليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف. وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة، أحدها. . . (٢).
وقوله :﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ اختلف المفسرون في هذه الأربعة : ما هي ؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مُتَّهم لنص عليه القرآن، فروي عن ابن عباس أنه قال : هي الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة. وعنه أيضًا : أنه أخذ وزًّا، ورألا - وهو فرخ النعام - وديكا، وطاووسًا. وقال مجاهد وعكرمة : كانت حمامة، وديكا، وطاووسًا، وغرابًا.
وقوله :﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْك﴾ أي : قطعهن. قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وأبو الأسود الدؤلي، ووهب بن منبه، والحسن، والسدي، وغيرهم.
وقال العوفي، عن ابن عباس :﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْك﴾ أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن ونتف ريشهن، ومزقهن(٣) وخلط بعضهن في ببعض، ثم جزأهن أجزاءً، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل : أربعة أجبل(٤). وقيل : سبعة. قال ابن عباس : وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله عز وجل، أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله عز وجل، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم، عليه السلام، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جثته بحول الله وقوته ؛ ولهذا قال :﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي : عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا ممانع لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
قال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب في قوله :﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال : قال ابن عباس : ما في القرآن آية أرجى عندي منها(٥).
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال : اتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا. قال : ونحن شببة، فقال أحدهما لصاحبه : أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة ؟ فقال عبد الله بن عمرو : قول الله تعالى :﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٥٣]. فقال ابن عباس : أما إن كنت تقول : إنها، وإن أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم :﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾(٦).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني ابن أبي سلمة عن محمد بن المنْكَدِر، أنه قال : التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص : أي آية في القرآن أرجى عندك ؟ فقال عبد الله بن عمرو : قول الله عز وجل :﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا [ مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ](٧) الآية - فقال ابن عباس : لكن أنا أقول(٨) : قول الله :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فرضي من إبراهيم قوله :﴿بَلَى﴾ قال : فهذا لما يعترض(٩) في النفوس(١٠) ويوسوس به الشيطان.
وهكذا رواه الحاكم في المستدرك، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، بإسناده، مثله. ثم قال : صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(١١).
١ صحيح البخاري برقم (٤٥٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٥١)..
٢ وقع هنا بياض بجميع النسخ، ووقع في نسخة مساعدة من مؤسسة الملك فيصل الخيرية في هذا الموضع، وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة: أحدها: قول إسماعيل المزني: لم يشك النبي ﷺ ولا إبراهيم، عليه السلام، في أن الله سبحانه قادر على إحياء الموتى، وإنما بدأ لجاهل يجيبهما إلى ما سألاه. وقال الخطابي في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم": ليس اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، ولكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك في قدرة الله على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بألا يشك، قال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" وفيه الإعلام بأن المسألة من جهة إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل زيادة العلم بالعيان، لأنه يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيد الاستدلال، وقيل: قال هذا ﷺ تواضعا وتقديما لإبراهيم قوله: "أو لم تؤمن قال: بلى قد آمنت". وأظن هذا من تصرف الناسخ، لأنه كتب بالجانب بياض في الأصل. قال الشيخ أحمد شاكر عند هذا الموضع من كتابه "العمدة" الذي هو مختصر تفسير ابن كثير (٢/١٧٠)."هنا بياض في المخطوطة الأزهرية والمطبوعة، لعل الحافظ ابن كثير تركه ليكتب الأقوال في ذلك، ثم لم يفعل سهوا أو نسيانا وقد أفاض الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/٢٩٤، ٢٩٥) في ذكر أقوال العلماء في ذلك. وأجود ذلك عندي قول ابن عطية: "إن الحديث مبني على نفي الشك، والمراد بالشك فيه: الخواطر التي لا تثبت. وأما الشك المصطلح - وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر - فهو منفي عن الخليل قطعا؛ لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة ؟! وأيضا فإن السؤال لما وقع بـ (كيف) دل على حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان فـ (كيف) في الآية سؤال عن هيئة الإحياء لا عن نفس الإحياء فإنه ثابت مقرر. وقال غيره: معناه: إذا لم نشك نحن، فإبراهيم أولى ألا يشك، أي: لو كان الشك متطرفا إلى الأنبياء؛ لكنت أنا أحق به منه، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك وإنما قال ذلك تواضعا منه"..
٣ في أ: "وفرقهن"..
٤ في أ: "أربعة أجزاء"..
٥ في ج: "أرجى آية منها"..
٦ تفسير الطبري (٥/٤٨٩)..
٧ زيادة من ج، أ..
٨ في ج، أ: "إن كنت تقول"..
٩ في جـ: "لما يعرض"..
١٠ في أ، و: "في الصدور"..
١١ المستدرك (١/٦٠) وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعا..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾
ذَكَرُوا لِسُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَسْبَابًا، مِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لِنُمْرُوذَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أَحَبَّ أَنْ يَتَرَقَّى مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ فِي ذَلِكَ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ، وَأَنْ يَرَى ذَلِكَ مُشَاهِدَةً فَقَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي كيف تحيى الموتى؟ قال: أو لم تُؤْمِنْ. قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ (١) بِهِ -فَلَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا بِالشَّكِّ مَا قَدْ يَفْهَمُهُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، بِلَا خِلَافٍ. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ، أَحَدُهَا... (٢).
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: مَا هِيَ؟ وَإِنْ كَانَ لَا طَائِلَ تَحْتَ تَعْيِينِهَا، إِذْ لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ مُتَّهم لَنَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْغُرْنُوقُ، وَالطَّاوُسُ، وَالدِّيكُ، وَالْحَمَامَةُ. وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ أَخَذَ وَزًّا، وَرَأْلًا -وهو فرخ النعام -وديكا، وطاووسًا. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة، وديكا، وطاووسًا، وَغُرَابًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْك﴾ أَيْ: قَطِّعْهُنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو
(١) صحيح البخاري برقم (٤٥٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٥١).
(٢) وقع هنا بياض بجميع النسخ، ووقع في نسخة مساعدة من مؤسسة الملك فيصل الخيرية في هذا الموضع، وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ
أَحَدُهَا: قول إسماعيل المزني: لم يشك النبي ﷺ ولا إبراهيم، عليه السلام، في أن الله سبحانه قادر على إحياء الموتى، وإنما بدأ لجاهل يجيبهما إلى ما سألاه. وقال الخطابي في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم": ليس اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، ولكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك في قدرة الله على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بألا يشك، قال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: "لو لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الداعي" وفيه الإعلام بأن المسألة من جهة إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل زيادة العلم بالعيان، لأنه يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيد الاستدلال، وقيل: قال هذا ﷺ تواضعا وتقديما لإبراهيم قوله: "أو لم تؤمن قال: بلى قد آمنت".
وأظن هذا من تصرف الناسخ، لأنه كتب بالجانب بياض في الأصل. قال الشيخ أحمد شاكر عند هذا الموضع من كتابه "العمدة" الذي هو مختصر تفسير ابن كثير (٢/١٧٠).
"هنا بياض في المخطوطة الأزهرية والمطبوعة، لعل الحافظ ابن كثير تركه ليكتب الأقوال في ذلك، ثم لم يفعل سهوا أو نسيانا وقد أفاض الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/٢٩٤، ٢٩٥) في ذكر أقوال العلماء في ذلك. وأجود ذلك عندي قول ابن عطية: "إن الحديث مبني على نفي الشك، والمراد بالشك فيه: الخواطر التي لا تثبت. وأما الشك المصطلح - وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر - فهو منفي عن الخليل قطعا؛ لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟! وأيضا فإن السؤال لما وقع بـ (كيف) دل على حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان فـ (كيف) في الآية سؤال عن هيئة الإحياء لا عن نفس الإحياء فإنه ثابت مقرر. وقال غيره: معناه: إذا لم نشك نحن، فإبراهيم أولى ألا يشك، أي: لو كان الشك متطرفا إلى الأنبياء؛ لكنت أنا أحق به منه، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك وإنما قال ذلك تواضعا منه".
مَالِكٍ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْك﴾ أَوْثِقْهُنَّ، فَلَمَّا أَوْثَقَهُنَّ ذَبَحَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، فَذَكَرُوا أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الطَّيْرِ فَذَبَحَهُنَّ، ثُمَّ قَطَّعَهُنَّ وَنَتَفَ رِيشَهُنَّ، وَمَزَّقَهُنَّ (١) وَخَلَطَ بعضهن في ببعض، ثُمَّ جَزَّأَهُنَّ أَجْزَاءً، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، قِيلَ: أَرْبَعَةُ أَجْبُلٍ (٢). وَقِيلَ: سَبْعَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَخَذَ رُؤُوسَهُنَّ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَدْعُوَهُنَّ، فَدَعَاهُنَّ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الرِّيشِ يَطِيرُ إِلَى الرِّيشِ، وَالدَّمِ إِلَى الدَّمِ، وَاللَّحْمِ إِلَى اللَّحْمِ، وَالْأَجْزَاءِ مِنْ كُلِّ طَائِرٍ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى قَامَ كُلُّ طَائِرٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَأَتَيْنَهُ يَمْشِينَ سَعْيًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ لَهُ فِي الرُّؤْيَةِ الَّتِي سَأَلَهَا، وَجَعَلَ كُلُّ طَائِرٍ يَجِيءُ لِيَأْخُذَ رَأْسَهُ الَّذِي فِي يَدِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا قَدَّمَ لَهُ غَيْرَ رَأْسِهِ يَأْبَاهُ، فَإِذَا قَدَّمَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ تَرْكَبُ مَعَ بَقِيَّةِ جُثَّتِهِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَزِيزٌ لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمَا شَاءَ كَانَ بِلَا مُمَانِعٍ لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَرْجَى عِنْدِي مِنْهَا (٣).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ يُحَدِّثُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: اتَّعَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يَجْتَمِعَا. قَالَ: وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَرْجَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمرو: قول الله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٥٣]. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا إِنْ كُنْتَ تَقُولُ: إِنَّهَا، وَإِنَّ أَرْجَى مِنْهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٤).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المنْكَدِر، أَنَّهُ قَالَ: الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَرْجَى عِنْدَكَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَوْلُ اللَّهِ عز وجل: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا [مِنْ رَحْمَةِ اللَّه] (٥)﴾ الْآيَةَ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَكِنَّ أَنَا أَقُولُ (٦) : قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فَرَضِيَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ قَوْلَهُ: ﴿بَلَى﴾ قَالَ: فَهَذَا لِمَا يَعْتَرِضُ (٧) فِي النُّفُوسِ (٨) وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (٩).
(١) في أ: "وفرقهن".
(٢) في أ: "أربعة أجزاء".
(٣) في ج: "أرجى آية منها".
(٤) تفسير الطبري (٥/٤٨٩).
(٥) زيادة من ج، أ.
(٦) في ج، أ: "إن كنت تقول".
(٧) في جـ: "لما يعرض".
(٨) في أ، و: "في الصدور".
(٩) المستدرك (١/٦٠) وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعا.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
وهذا فيه أيضا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث والجزاء، فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين، فلهذا قال الله له :﴿أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولو العرفان، فقال له ربه ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ أي : ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة وعلى يديك. ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾ أي : مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض، واجعل على كل جبل، أي : من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء ﴿ثم ادعهن يأتينك سعيا﴾ أي : تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران، ففعل إبراهيم عليه السلام ذلك وحصل له ما أراد وهذا من ملكوت السماوات والأرض الذي أراه الله إياه في قوله ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ ثم قال :﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ أي : ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات، فلم يستعص عليه شيء منها، بل هي منقادة لعزته خاضعة لجلاله، ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته، لا يفعل شيئا عبثا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٦٠} ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
اضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ، وَقَطِّعْهُنَّ.

إعراب الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

وروي عن ابن عباس والحسن كَيْفَ نُنْشِزُها والمعنى واحد كما يقال:
رجع ورجعته إلا أنّ المعنى المعروف في اللغة أنشر الله الموتى فنشروا وقيل: ننشرها مثل نشرت الثوب كما قال الأعشى: [السريع] ٥٨-
حتّى يقول النّاس ممّا رأوايا عجبا للميّت النّاشر «١»

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ ويجوز في غير القرآن ربّي بإثبات الياء فمن حذف قال: النداء موضع حذف ومن أثبت قال: هي اسم فإذا حذفت كان الاختيار أن أقف بغير إشمام فأقول: ربّ فيشبه هذا المفرد. أَرِنِي قد ذكرناه «٢». كَيْفَ في موضع نصب أي بأي حال تحيي الموتى. وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي سألتك ليطمئن قلبي ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً. قال أبو إسحاق: المعنى ثم اجعل على كلّ جبل من كلّ واحد جزءا، وقرأ أبو جعفر وعاصم (جزءا) على فعل يَأْتِينَكَ سَعْياً نصب على الحال.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦١]

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)
فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ رفع بالابتداء. قال يعقوب الحضرمي «٣» : وقرأ بعضهم فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ «٤» على أنبتت مائة حبة وكذلك قرأ بعضهم وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [الملك: ٦] على وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ [الملك: ٥] وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٣]

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ابتداء والخبر محذوف أي قول معروف أمثل وأولى، ويجوز أن يكون قول معروف خبر ابتداء محذوف أي الذي أمرتم به قول معروف. وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وهذا مشكل يبيّنه الإعراب، بِالْمَغْفِرَةِ رفع بالابتداء، والخبر:
(١) الشاهد في ديوان الأعشى ص ١٩١، ولسان العرب (نشر)، وتهذيب اللغة ١١/ ٣٣٨، ومقاييس اللغة ٥/ ٤٣٠، وتاج العروس (نشر)، بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٧٣٤، والمخصص ٩/ ٩٢. [.....]
(٢) مرّ في إعراب الآية (١٢٨).
(٣) يعقوب بن إسحاق الحضرمي: أحد القراء العشرة، وإمام أهل البصرة، سمع الحروف من الكسائي (ت ٢٥٥ هـ). ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٨٦.
(٤) انظر مختصر ابن خالويه (١٦)، والبحر المحيط ٢/ ٣١٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾ الآية [٢٦٠].
ذكر المفسرون السبب في سؤال إبراهيم ربه أن يريه إحياء الموتى:
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا شعبة بن محمد، أخبرنا مكي بن عبدان، حدَّثنا أبو الأزهر، حدَّثنا روح، حدَّثنا سعيد، عن قتادة قال:
ذكِرَ لنا: أن إبراهيم آتى على دابة ميتة وقد توزعتها دواب البر والبحر، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟
وقال الحسن، وعطاء الخراساني، والضحاك، وابن جريج: [إن إبراهيم الخليل مر على دابة ميتة، قال ابن جريج]: كانت جيفة حمار بساحل البحر. قال عطاء: بحيرة طبرية. قالوا: فرآها وقد توزَّعتها دواب البر والبحر، فكان إذا مَدَّ البحرُ جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها، فما وقع منه يصير في الماء؛ وإذا جَزَرَ البحرُ جاءت السباع فأكلت منها، فما وقع منها يصير تراباً؛ فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها، فما سقط قطعته الريح في الهواء. فلما رأى ذلك إبراهيم تعجب منها، وقال: يا رب قد علمت لتجمعنها، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك.
وقال ابن زيد: مرّ إبراهيم بحوت ميت، نصفه في البر ونصفه في البحر فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان منه في البر فدواب البر تأكله؛ فقال له إِبليس الخبيث: متى يجمع الله هذه الأجزاء من بطون هؤلاء؟ فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بذهاب وسوسة إبليس منه.
أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني فيما أذن لي في روايته، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدَّثنا محمد بن سهل، حدَّثنا سلمة بن شبيب، حدَّثنا إبراهيم بن الحكم بن ابان، حدَّثنا أبي قال:
كنت جالساً مع عكرمة عند الساحل، فقال عكرمة: إِن الذين يغرقون في البحار تَقَسَّمُ الحيتان لحومهم، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، فتلقيها الأمواج على البر فتصير حائلَةً نَخِرَةً، فتمر بها الإبل فتأكلها فتبعر، ثم يجيء قوم فيأخذون ذلك البعر فيوقدون فتخمد تلك النار، فتجيء ريح فتسفي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة خرج أولئك وأهل القبور سواء، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: إِن إِبراهيم لما احتج على نمروذ فقال: ربي الذي يحيي ويميت. وقال نمروذ أنا أحيي وأميت؛ ثم قتل رجلاً وأطلق رجلاً قال: قد أمت ذلك وأحييت هذا. قال له إبراهيم: فإن الله يحيي بأن يرد الروح إلى جسد ميت، فقال له نمروذ: هل عاينت هذا الذي تقوله؟ فلم يقدر أن يقول: نعم رأيته، فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه إِحياء الموتى لكي يطمئن قلبه عند الاحتجاج، فإنه يكون مخبراً عن مشاهدة وعيان.
وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي: لما اتخذ الله إِبراهيم خليلاً استأذن ملك الموت ربه أن يأتي إبراهيم فيبشره بذلك، فأتاه فقال: جئتك أبشرك بأن الله تعالى اتخذك خليلاً، فحمد الله عز وجل وقال: ما علامة ذلك؟ فقال: أن يجيب الله دعاءك، ويحيي الموتى بسؤالك، ثم انطلق وذهب، فقال إِبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي بعلمي أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك؛ وأنك اتخذتني خليلاً.

القراءات في الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَرِنِى

(أَرنى) باختلاس كسرة الراء وترقيقها

الدوري عن أبي عمرو

(أَرْنى) بسكون الراء مفخمة

البزي عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

(أَرِنى) بكسرة خالصة للراء وترقيقها

أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم قالون عن نافع شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر إسحاق عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر إدريس عن خلف ورش عن نافع

إِبْرَاهِيمُ

(إبرَاهَام) بفتح الهاء وبعدها ألف

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر

(إبراهِيم) بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة

أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم البزي عن ابن كثير قالون عن نافع خلف عن حمزة روح عن يعقوب خلاد عن حمزة الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر إدريس عن خلف شعبة عن عاصم السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير ابن ذكوان عن ابن عامر إسحاق عن خلف

جُزْءاً

(جُزْءاً) بسكون الزاي وبعدها همزة منونة بالفتح

البزي عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف السوسي عن أبي عمرو أبو الحارث عن الكسائي قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة ورش عن نافع خلف عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر روح عن يعقوب حفص عن عاصم

(جُزُءاً) بضم الزاي المخففة وبعدها همزة منونة بالفتح

شعبة عن عاصم

(جُزّاً) بتشديد الزاي منونة بالفتح دون همز

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

فَصُرْهُنَّ

(فَصُرْهُنّ) بضم الصاد وتفخيم الراء

روح عن يعقوب حفص عن عاصم الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير

(فَصِرْهُنّ) بكسر الصاد وترقيق الراء

إدريس عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر إسحاق عن خلف خلف عن حمزة رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٦٠ من سورة البقرة

١٣ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٩٠ قولًا
١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنه شَكَلَ على أجنِحَتِهن، وأمسك برءوسهن بيده، فجعل العَظْمُ يذهب إلى العَظْمِ، والريشة إلى الريشة، والبَِضْعَةُ إلى البَِضْعَةِ، وبعين خليل الله إبراهيم، ثم دعاهن فأتينهـ سعيًا على أرجلهن، ويلقي كلُّ طير برأسه. وهذا مَثَلٌ آتاه الله إبراهيم، يقول: كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة كذلك يبعث الله الناسَ يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها١. (٣/ ٢١٩)
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤/ ٦٤١. وعزا السيوطي إلى عبد بن حميد نحوه.
٢
عن الحسن البصري، نحوه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿يأتينك سعيا﴾، قال: شدًّا على أرْجُلِهِنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٤-٦٤٥.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا﴾، فيها تقديم: فدَعاهُنَّ، فتواصلت الأعضاء والأجنحة، فأجابته جميعًا، ليس معهن رؤوسهن، ثم وضع رؤوسهن على أجسادهن، ففَقَتِ١ البَطَّةُ، وصوَّت الديك، ونَعَق الغراب، وقَرْقَرَ الحمامُ. يقول: خُذْهُنَّ فصُرْهُنَّ، وادْعُهُنَّ يَسْعِينَ على أرجلهن عند غروب الشمس٢
التخريج
  1. ١كذا في مطبوعة المصدر، ولعلها «قاقت»، وفي اللسان (قوق): قاقَ النعام: صوَّت.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٩.
٥
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: ثُمَّ دعاهُنَّ بإذن الله، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بضْعَةٍ وكل عظم يطير بعضه إلى بعض من رؤوس الجبال، حتى لَقِيَتْ كلُّ جُثَّةٍ بعضُها بعضًا في السماء، ثم أقْبَلْنَ يَسْعَيْن حتى وصلَتْ رأسَها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٦.
٦
قال يحيى بن سلاَّم: فقطع أعناقها، ثُمَّ خلط ريش بعضها ببعض، ودماء بعضها ببعض، ثم فرَّق بينها على أربعة أجبل، فنُودِيَت من السماء بالوحي: أيتها العظام المتفرقة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها العروق المتقطعة، اجتمعي يُرْجِع الله فيكِ أرواحَكِ. فجعل يجري الدم إلى الدم، وتطير الريشة إلى الريشة، ويثِبُ العظم إلى العظم، فعلَّق عليها رؤوسَها، وأدخل فيها أرواحها١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٥٦.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يقول: مقتدرٌ على ما يشاء، ﴿حَكِيمٌ﴾ مُحْكِمٌ لِما أراد، فعل هذا، وأرانيه مِن آياته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٣-٥١٤، وأبو الشيخ في العظمة ٢‏/‏٦١٨.
٨
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-: ﴿واعلم أن الله عزيز﴾ في نِقْمته، ﴿حكيم﴾ في أمره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٥٠.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾، فقال عند ذلك: أعلم أنّ الله عزيز في ملكه حكيم، يعني: حكم البعث. يقول: كما بعث هذه الأطيار الأربعة من هذه الجبال الأربعة فكذلك يبعث الله عز وجل الناسَ من أرباع الأرض كلها ونواحيها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٩.
١٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾، قال: عزيز في بطشه، حكيم في أمره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٥٠.
١١
قال سفيان الثوري، في قوله -جَلَّ وعَزَّ-: ﴿فصرهن إليك﴾ قال: قَطِّعْهُن بالنَّبَطِيَّة، ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ قَطِّعْهُن جُزْءًا [جُزْءًا]١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص٧٢.
١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿فصرهن إليك﴾، قال: اجْمَعْهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٣.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي جمرة– ﴿فصرهن إليك﴾ قال: قَطِّعْ أجْنِحَتَهنَّ، ثُمَّ اجْعَلْهُنَّ أرْباعًا، رُبُعًا ههنا، ورُبُعًا ههنا في أرباع الأرض، ﴿ثم ادعهن يأتينك سعيا﴾ قال: هذا مَثَلٌ، كذلك يُحْيي الله الموتى مِثْلَ هذا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٤٣ – تفسير)، وابن جرير ٤‏/‏٦٣٩-٦٤٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في البعث.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ عطية (٢/٥٦) هذا الأثر قائلًا: «كأنّ المعنى: اجعلها في أركان الأرض الأربعة». ثم انتَقَدَهُ، فقال: «وفي هذا القول بُعدٌ». ولم يذكر مستندًا.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: وضَعَهُنَّ على سبعة أجْبُل، وأخَذ الرؤوسَ بيده، فجعل يَنظُرُ إلى القَطْرَةِ تَلْقى القَطْرَةَ، والرِّيشةِ تَلْقى الرِّيشةَ، حتى صِرْنَ أحياءً ليس لَهُنَّ رؤوس، فجِئْن إلى رُؤُوسِهِنَّ، فَدَخَلْنَ فيها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٣.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: أخذ نصفين مختلفين، ثُمَّ أتى أربعة أجبُل، فجعل على كل جبل نصفين مختلفين، وهو قوله: ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٢، وأبو الشيخ في العظمة ٢‏/‏٦١٨.
١٦
عن أبي الجَوْزاء -من طريق عمرو بن مالك النُّكْرِي- ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال: أولم تؤمن قال بلى، ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: فقيل له: ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ أي: فعَلِّمْهُنِّ حتى يُجِبْنَكَ، قال: ثُمَّ أُمر بذبحها حين أجَبْنَهُ. قال: فذَبَحَهُنَّ، ثم نَتَفَهُنَّ وقطَّعهن. قال: فخَلَط دماءَهن بعضها ببعض، وريشهن ولحومهن، خَلَطَه كلَّه. قال: ثم قيل له: اجعل على أربعة أجبُل، ﴿على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا﴾. قال: ففعل، ثُمَّ دعاهُنَّ. قال: فجعل الدم يذهب إلى الدم، والريش إلى الريش، واللحم إلى اللحم، وكلُّ شيء إلى مكانه، حتى أجَبْنَهُ، فقال: ﴿أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٦‏/‏٣٠٦ (٥٧)-، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦‏/‏٢٣١-٢٣٢.
١٧
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح-: ثم اجعلهن أجزاء على كل جبل، ثم ادعهن يأتينك سعيًا، كذلك يحيي الله الموتى؛ هو مَثَلٌ ضربه الله لإبراهيم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٧.
١٨
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: أمره أن يُخالِف بين قوائِمِهِنَّ ورُؤُوسِهِنَّ وأجْنِحَتِهِنَّ، ثم يجعل على كل جبلٍ مِنهُنَّ جزءًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٧.
١٩
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾، قال: إن كان إبراهيمُ لَمُوقِنًا بأنّ الله يُحْيِي الموتى، ولكن لا يكون الخَبَرُ كالعِيان. إنّ الله أمره أن يأخذ أربعة من الطير، فيذبحهن، وينتفهن، ثم قطَّعهن أعضاءً أعضاءً، ثم خلط بينهن جميعًا، ثم جزَّأها أربعة أجزاء، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم تنحّى عنهنَّ، فجعل يَعْدو كُلُّ عُضْوٍ إلى صاحبه، حتى اسْتَوَيْنَ كما كُنَّ قبل أن يذبحهن، ثم أتينه سعيًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦‏/‏٢٣٢. وعزاه السيوطي إلى البيهقي في الشعب.
٢٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: أُمِر أن يأخُذَ أربعةً من الطير، فيَذْبَحَهُنَّ، ثم يَخلِطَ بين لحومِهنَّ وريشهِنَّ ودمائِهنّ، ثم يُجَزِّئَهنَّ على أربعةِ أجبُل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿قال: فخُذْ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل﴾ على سبعة أجبال، فاجعل ﴿على كل جبل منهن جزءًا، ثم أدعهن يأتينك سعيًا﴾، فأخذ إبراهيم أربعةً من الطير، فقطَّعهن أعضاء، لم يجعل عُضْوًا من طير مع صاحبه، ثم جعل رأس هذا مع رجل هذا، وصدر هذا مع جناح هذا، وقسَّمهن على سبعة أجبال، ثم دعاهُنَّ، فطار كُلُّ عُضْوٍ إلى صاحبه، ثم أقْبَلْنَ إليه جميعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٦.
٢٢
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: لَمّا قال إبراهيمُ ما قال عند رؤيته الدابَّةَ التي تَفَرَّقَتِ الطيرُ والسباعُ عنها حين دنا منها، وسأل ربَّه ما سأل، قال: ﴿فخذ أربعة من الطير﴾. قال ابن جُرَيْج: فذبحها، ثم خلط بين دمائهن وريشهن ولحومهن، ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾ حيث رأيتَ الطير ذهبتْ والسباع. قال: فجعَلَهُنَّ سبعة أجزاء، وأمسك رؤوسَهن عنده١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٦.
٢٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾، قال: فأخذ طاووسًا، وحمامة، وغرابًا، وديكًا، ثم قال: فرِّقهن؛ اجعل رأسَ كُلِّ واحد وجُؤْشُوشَ١ الآخر وجَناحَيِ الآخر ورِجْلَيِ الآخر معه، فقطَّعهن وفرَّقهن أرباعًا على الجبال، ثم دعاهُنَّ فجِئْنَه جميعًا، فقال الله: كما ناديتهن فجئنك؛ فكما أحييتَ هؤلاء وجمعتَهُنَّ بعد هذا فكذلك أجمع هؤلاء أيضًا -يعني: الموتى-٢
التخريج
  1. ١الجؤشوش: الصدر. اللسان (جوش).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٥.
٢٤
قال يحيى بن سلام: فقطع أعناقها، ثم خلط ريش بعضها ببعض، ودماء بعضها ببعض، ثم فرَّق بينها على أربعة أجبل١٢
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٥٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (٤/٦٤٨) مستندًا إلى ألفاظ الآية قولَ مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: أنّ الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام أن يُفَرّق أعضاء الأطيار الأربعة على كل جبل يصل إليه وقت تكليفه بتفريق ذلك. وعلَّل ذلك بأنّ «الله -تعالى ذِكْرُه- قال له: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾، و(كل) حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه، و(الجبل) لفظه لفظ واحد ومعناه الجمع. فإذ كان ذلك كذلك فلن يجوز أن تكون الجبالُ التي أُمِر إبراهيم بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة عليها خارجةً من أحد معنيين: إما أن تكون بعضًا أو جميعًا؛ فإن كانت بعضًا فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيل إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه، أو يكون جميعًا فيكون أيضًا كذلك». ثُمَّ علَّق (٤/٦٤٨) على قول مَن حصر الجبال بعدد معين، قائلًا: «فأمّا قولُ من قال: إن ذلك أربعة أجْبُلٍ. وقولُ من قال: هُنَّ سبعةٌ. فلا دلالة عندنا على صِحَّةِ شيء من ذلك فنستجيز القول به». وأيَّدَ ابنُ عطية (٢/٥٦) ما رجَّحه ابن جرير، فقال بعد أن عَدَّد الأقوال في الآية: «وبعيدٌ أن يُكَلّف جميعَ جبال الدنيا، فلن يحيط بذلك بصرُه، فيجيء ما ذهب إليه الطبريُّ جيدًا مُتَمَكِّنًا، والله أعلم أيّ ذلك كان».
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿ثم ادعهن﴾، قال: تَنَحّى ورؤُوسُها تحت قدمه، فدعا باسم الله الأعظم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ في العظمة.
٢٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق المثنى- ﴿ثم ادعهن﴾، قال: دَعاهُنَّ: باسم إله إبراهيمَ تَعالَيْنَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٣.
٢٧
قال مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿ثم ادعهن﴾: تَعالَيْنَ بإذن الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٧.
٢٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿يأتينك سعيا﴾، قال: فرجع كلُّ نِصْفٍ إلى نصفه، وكلُّ ريشٍ إلى طائره، ثم أقْبَلَت تطيرُ بغير رؤوسٍ إلى قدمِه، تريدُ رؤوسَها بأعناقها، فرفَع قدمَه، فوضَع كلُّ طائر منها عنقَه في رأسه، فعادت كما كانت، فقال إبراهيم حين رأى ذلك: أعلم أنّ الله عزيز حكيم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٢. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ في العظمة.
٢٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوْفيِّ- ﴿فصرهن﴾، قال: أوْثِقْهُنَّ، فلَمّا أوثَقَهُنَّ ذبَحَهُنَّ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٣-٦٤٤، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ عطية (٢/٥٤، ٥٥) أقوال ابن عباس وما في معناها، وقول عطاء من طريق ابن جريج، وقول قتادة من طريق معمر، وقول ابن زيد، ثم علَّق عليها بقوله: «فقد تأوَّل المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالة، فقوله: ﴿إلَيْكَ﴾ على تأويل التقطيع متعلق بـ(خُذ)، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق بـ(صُرْهُنَّ)».
٣٠
عن أبي الجوزاء -من طريق عمرو بن مالك- ﴿فصرهن﴾، قال: علِّمْهن، حتى كان إذا دعاهُنَّ أتَيْنَهُ، ثُمَّ شَقّقهُنَّ، فدَعاهُنَّ فأَتَيْنَهُ كما كُنَّ يَأْتِينَهُ قبل أن يُشَقَّقْنَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٢ واللفظ له، وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٦‏/‏٣٠٦ (٥٧)- مطولًا، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦‏/‏٢٣١-٢٣٢.
٣١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- ﴿فصرهن﴾، قال: جناحُ ذِه عند رأس ذِه، ورأسُ ذِه عند جناح ذِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٢ (٢٧١٢).
٣٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فصرهن إليك﴾، قال: يقول: انتِفْ ريشَهُنَّ ولحومَهُنَّ، ومزِّقْهُنَّ تَمزيقًا١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٤٤، وأخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤١. وعزاه السيوطي إلى البيهقي. وفي لفظ عند ابن جرير بزيادة: ثُمَّ اخلط لحومَهُنَّ بريشِهِنَّ.
٣٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي يحيى- ﴿فصرهن إليك﴾، قال: قَطِّعْهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١ عن مجاهد عن ابن عباس.
٣٤
عن أبي الأسود الدُّؤَلِيِّ، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١.
٣٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- ﴿فصرهن إليك﴾، يقول: فشَقِّقْهُنَّ. وهو بالنَّبَطِيَّة: صري، وهُو: التَّشْقِيقُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٢.
٣٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أبي عمرو- ﴿فصرهن﴾، قال: بالنَّبَطِيَّة: قَطِّعْهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٠.
٣٧
عن أبي مالك [غزوان الغِفارِيِّ] -من طريق حصين بن عبد الرحمن- في قوله: ﴿فصرهن إليك﴾، يقول: قَطِّعْهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١.
٣٨
وقال عطيَّةُ [العوفي]: معناه: اجْمَعْهُنَّ، واضْمُمْهُنَّ١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٥٤.
٣٩
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿فصرهن إليك﴾، قال: اضْمُمْهُنَّ إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٣.
٤٠
عن عطاء، قال: يقول: شَقِّقْهُنَّ، ثُمَّ اخْلِطْهُنَّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى البيهقي.
٤١
عن وهب بن مُنَبِّه، قال: ما مِن اللغة شيءٌ إلا منها في القرآن شيء. قيل: وما فيه من الرُّومِيَّةِ؟ قال: ﴿فصرهن﴾، يقول: قَطِّعْهُنَّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٤٢
عن قتادة بن دعامة، ﴿فصرهن﴾، قال: هذه الكلمة بالحَبَشِيَّةِ، يقول: قَطِّعْهُنَّ، واخْلِطْ دماءَهُنَّ وريشَهُنَّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فصرهن إليك﴾، قال: فمَزِّقْهُنَّ. قال: أُمِر أن يخلِط الدماء بالدماء، والرِّيش بالرِّيش، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٠٧، وابن جرير ٤‏/‏٦٤١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٢.
٤٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فصرهن إليك﴾، يقول: قَطِّعْهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٢، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١.
٤٥
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿فصرهن إليك﴾، يقول: قَطِّعْهُنَّ إليك، ومَزِّقْهُنَّ تمزيقًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٢.
٤٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فصرهن إليك﴾، بلغة النَّبَطِ صرهن: قَطِّعْهُن، واخْلِط ريشَهُنَّ ودماءَهُنَّ، ثُمَّ خالف بين الأعضاء والأجنحة، واجعل مُقَدَّم الطير مُؤَخَّر طيرٍ آخر، ثُمَّ فَرِّقْهُنَّ على أربعة أجبال١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٨-٢١٩.
٤٧
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿فصرهن إليك﴾، أي: قَطِّعْهُن. وهو الصَّوْرُ في كلام العرب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٢.
٤٨
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- قال: ﴿ليطمئن قلبي﴾ أن قد استُجِيب لي١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٠٧.
٤٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قال بلى﴾ صَدَّقْتُ، ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ لِيَسْكُنَ قلبي بأنّك أريتني الذي أردتُ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٨.
٥٠
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قال: بلى﴾، ولكن ليس الخبرُ كالمعاينة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٥.
٥١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمَة- في قوله: ﴿أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: مِن غير شكٍّ في الله، ولا في قدرته، ولكنَّه أحبَّ أن يعلم ذلك، وتاقَ إليه قلبُه، فقال: ﴿ليطمئن قلبي﴾، أي: ما تاق إليه إذا هو عَلِمَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٦.
٥٢
عن سفيان الثوري -من طريق عثمان بن زائدة- في قوله: ﴿ليطمئن قلبي﴾، قال: بالخُلّة١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٧‏/‏٧٦.
٥٣
قال يحيى بن سلام: ﴿قال أو لم تؤمن قال بلى﴾، يا رب، قد آمنتُ، ولكن لأعلم؛ حتى يطمئن قلبي -يعني: يسكن- كيف تجمع لحمَ هذه الدابَّةِ بعد ما أرِمَ١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٥٥.
٥٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق حَنَشٍ- ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾، قال: الغُرْنُوق، والطاووس، والدِّيك، والحمامة. الغُرنُوق: الكُرْكِيُّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١.
٥٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾، قال: والطير الذي أخذه وزٌّ، ورالٌ، وديكٌ، وطاووسٌ. قال: وأخذ من كل جِنسٍ مِن الطير واحدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠، وأبو الشيخ في العظمة ٢‏/‏٦١٨. وذكر ابن أبي حاتم عن منجاب -أحد رواة الأثر- أنّ الرال: فرخُ النعام.
٥٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: الأربعةُ من الطير: الديكُ، والطاووسُ، والغرابُ، والحمامُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٤، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥٧
عن عكرمة مولى ابن عباس، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠.
٥٨
عن عطاء بن أبي رباح، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٥٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٣٢٣.
٥٩
وقال عطاء الخراساني: أوحى إليه أن خُذْ بَطَّة خضراء، وغرابًا أسود، وحمامة بيضاء، وديكًا أحمر١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٥٤، وتفسير البغوي ١‏/‏٣٢٣.
٦٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قال فخذ أربعة من الطير﴾، قال: خذ ديكًا، وبَطَّة، وغرابًا، وحمامة، فاذبحهن. يقول: قَطِّعْهُنَّ، ثم خالِف بين مفاصلهن وأجنحتهن١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٨.
٦١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج-: زعموا أنّه ديك، وغراب، وطاووس، وحمامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٤.
٦٢
عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أنّ أهل الكتاب الأول يذكرون: أنّه أخَذَ طاووسًا، وديكًا، وغرابًا، وحمامًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٤.
٦٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- ﴿قال فخذ أربعة من الطير﴾، فأخذ طاووسًا، وحمامًا، وغرابًا، وديكًا، مخالِفة أجناسُها وألوانُها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٤.
٦٤
قال يحيى بن سلّام: فأخذ أربعة أطيار مختلفةً ألوانُها وأسماؤُها وريشُها، أخذ ديكًا، وطاووسًا، وحمامة، وغرابًا١٢
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٥٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ كثير (٢/٤٥٥): «اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مُهِمٌّ لنَصَّ عليه القرآنُ».
٦٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿فصرهن﴾، قال: هي بالنَّبَطِيَّة: شَقِّقْهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٢.
٦٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿فصرهن﴾، قال: قطِّعْهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٤٤- تفسير)، وابن جرير ٤‏/‏٦٤٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١١ من طريق مجاهد. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب.
٦٧
عن أيوب، في قوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: قال ابن عباس: ما في القرآنِ آيةٌ أرجى عندي منها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٨. وعزاه ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٤٦٦ والسيوطي إلى عبد الرزاق، وفي المطبوع من تفسير عبد الرزاق ١‏/‏١٠٦ من طريق مَعْمَر عن قتادة.
٦٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن المنكدر- أنّه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أيُّ آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال: قول الله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا﴾ [الزمر:٥٣] الآية. فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله لإبراهيم: ﴿أولم تؤمن قال بلى﴾. فرَضِي من إبراهيم بقوله: ﴿بلى﴾، فهذا لِما يَعْتَرِضُ في الصدور، ويُوَسْوِسُ به الشيطانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٩، والحاكم ١‏/‏٦٠، وأخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٨-٦٢٩، من طريق سعيد بن المسيب دون آخره. كما أخرج عبد الرزاق ١‏/‏١٠٦ نحوه من طريق محمد بن سيرين. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٦٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، يقول: أعلم أنك تجيبُني إذا دعوتُك، وتعطيني إذا سألتُك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٣، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٩، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٣).
٧٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، يقول: لِأرى مِن آياتك، وأعلمَ أنّك قد أجبتني١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٩.
٧١
عن عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أنّك اتخذتني خليلًا، وتجيبني إذادعوتك١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢/ ٢٥٢، وتفسير البغوي ١/ ٣٢٢.
٧٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عمرو بن ثابت أبي المقدام- في قوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: بالخُلَّة١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٤٢- تفسير)، وابن جرير ٤‏/‏٦٢٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٧٥). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧٣
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن مسلم- ﴿ليطمئن قلبي﴾، قال: لِيُوقِن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٩.
٧٤
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي الهَيْثَم- ﴿ليطمئن قلبي﴾، قال: لأزداد إيمانًا مع إيماني١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٢، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠.
٧٥
عن إبراهيم [النخعي]، ومجاهد بن جبر -من طريق ليث- ﴿ليطمئن قلبي﴾: لأزداد إيمانًا إلى إيماني١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٤٤١ - تفسير)، وابن جرير ٤/ ٦٣٢، والبيهقي في الشعب (٦١). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧٦
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق أبي زهير، عن جُوَيْبِر- ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، يقول: ليزداد يقينًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣١.
٧٧
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق النَّضْر بن إسماعيل، عن جُوَيْبِر- ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: لِتَرى عيني١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠.
٧٨
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحَكَم بن أبان- في قوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: لكي يعلموا أنّك تُحْيِي الموتى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠.
٧٩
عن عباد بن منصور، قال: سألتُ الحسنَ [البصري] عن قوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾. أي: ليعرف قلبي، ويَسْتَيْقِن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥١٠.
٨٠
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾، قال: إن كان إبراهيمُ لَمُوقِنًا بأنّ الله يحيي الموتى، ولكن لا يكون الخبر كالعيان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦‏/‏٢٣٢. وعزاه السيوطي إلى البيهقي في الشُّعَب.
٨١
عن ابن جُرَيْج، قال: سألتُ عطاء بن أبي رباح عن قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾. قال: دخل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يدخلُ قلوبَ الناس، فقال: رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى. قال: أولم تؤمن؟! قال: بلى. قال: فخذ أربعةً من الطير. لِيُرِيَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٨.
٨٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق معمر- ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: لِيزداد يقينًا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٠٧، وابن جرير ٤‏/‏٦٣١، كما أخرجه بنحوه من طريق سعيد.
٨٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ بخُلُولَتِكَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٨.
٨٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، قال: أراد إبراهيمُ أن يزداد يقينًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣١.
٨٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: ﴿أولم تُؤْمِن﴾ يا إبراهيم أنِّي أُحْيِي الموتى؟! قال: بلى، يا ربِّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٨، وأبو الشيخ في العظمة ٢‏/‏٦١٨.
٨٦
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن مسلم- قوله: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾، قال: أوَلَم تُوقِن بأنِّي خليلُك؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٣، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٨ (٢٦٩٢).
٨٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾، قال: أوَلَم تُوقِن بأنِّي خليلُك؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٩ (٢٦٩٣).
٨٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ يا إبراهيم. يعني: أوَلَم تُصَدِّق بأنِّي أحيي الموتى، يا إبراهيم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٨.
٨٩
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾، قال: أوَلَم تُوقِن بأنِّي خليلُك؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٣٣.
٩٠
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «نحن أحقُّ بالشكِّ مِن إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾. ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى رُكْن شديد، ولو لبثتُ في السجن طول ما لبث يوسفُ لأجبتُ الداعيَ»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏١٤٧ (٣٣٧٢)، ٦‏/‏٣١ (٤٥٣٧)، ومسلم ١‏/‏١٣٣ (١٥١)، ٤‏/‏١٨٣٩ (١٥١).
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّح ابن جرير (٤/٦٣٠) مستندًا إلى ظاهر السنة نسبة الشكِّ إلى إبراهيم عليه السلام في قُدْرَةِ الله على إحياء الموتى، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال بتأويل الآية: ما صَحَّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ أنّه قاله، وهو قوله: «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم، قال: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾». وأن تكون مسألتُه ربَّه ما سأله أن يُرِيَه من إحيائه الموتى لعارضٍ من الشيطان عرَض في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفًا». ثم ساق أثر ابن زيد. وانتَقَدَه ابنُ عطية (٢/٤٩-٥٠) مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وترجم الطبري في تفسيره فقال: وقال آخرون: سأل ذلك ربَّه لأنّه شك في قدرة الله على إحياء الموتى. وأدخل تحت الترجمة أثرَ ابن عباس من طريق أيوب، وأثرَ عطاء بن أبي رباح من طريق ابن جريج، وذكر حديث أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم» الحديث. ثُمَّ رجّح الطبريُّ هذا القول الذي يجري مع ظاهر الحديث. وما ترجم به الطبريُّ عندي مردودٌ، وما أدخل تحت الترجمة مُتَأوَّل». ثُمَّ وجَّه (٢/٥٠-٥١) أدلة ابن جرير على ما يراه، فبيّن أنّ قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى، وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾. أي: أنّ الإيمان كافٍ لا يحتاج بعده إلى تنقيح وبحث. وأمّا قول عطاء بن أبي رباح: «دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس» فمعناه: مِن حُبِّ المعاينة، وذلك أنّ النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أُخبرت به، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الخبر كالمعاينة». وأمّا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فمعناه: أنّه لو كان شكٌّ لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك، فالحديث مبنيٌّ على نفي الشك عن إبراهيم. والذي رُوِي فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ذلك محض الإيمان» إنّما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشكُّ فهو تَوَقُّفٌ بين أمرين لا مَزِيَّة لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل عليه السلام"". ورَجَّح (٢/٥١-٥٢) مستندًا إلى ألفاظ الآية، والدلالات العقلية أنّ سؤال إبراهيم عليه السلام لم يكن سببه الشكَّ في قدرة الله تعالى، وإنّما طلب المعاينة لما جُبِلَت عليه النفوسُ البشرية من رؤية ما أُخْبِرت، فليس الخبرُ كالمعاينة، فاستدل -إضافة إلى ما سبق- بأنّ الشك يبعد على مَن ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخُلَّة؟! والأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر التي فيها رَذِيلَةٌ إجماعًا، واستدل أيضًا بأن سؤال إبراهيم عليه السلام وسائرَ ألفاظ الآية لم تُعْطِ شكًّا؛ وذلك أنّ الاستفهام بـ«كيف» إنما هو عن حال شيءٍ موجودٍ مُتَقَرِّر الوجود عند السائل والمسؤول، فـ﴿كَيْفَ﴾ في هذه الآية إنّما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء مُتَقَرِّر، ولكن لما وُجِد أن بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبَّر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصلح، فيلزم من ذلك أنّ الشيء في نفسه لا يصح. مثال ذلك: أن يقول مُدَّعٍ: أنا أرفعُ هذا الجبلَ. فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول: أفرِضُ أنك ترفعه، أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك، وحمله على أن يبين الحقيقة، فقال له: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾، فكمل الأمر، وتخلص من كل شك، ثم علَّل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. وذكر ابنُ القيم (١/١٩٢-١٩٣) أنّ المعنى الذي عبّر عنه النبي ﷺ بالشك: هو طلبُ أن يكون اليقين عيانًا، والمعلوم مشاهدًا، ثم قال: «وهو ﷺ لم يشك، ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عبّر عن هذا المعنى بهذه العبارة». وبيّن أن هذا أحد الأقوال في معنى الحديث، ثم ذكر قولًا ثانيًا نحو قول ابن عطية، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا القول صحيحٌ أيضًا، أي: لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه، لكن لم يطلب ما طلب شكًّا، وإنما طلب ما طلبه طمأنينة». وعلَّق ابنُ كثير (٢/٤٥٥) على الحديث بقوله: «فليس المراد ههنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف».

تَتِمَّاتٌ للقِصَّة

٥ أقوال
١
عن الحسن البصري، قال: أخَذ ديكًا وطاووسًا وغرابًا وحمامًا، فقطَع رؤوسَهن وقوائمَهن وأجْنِحَتَهن، ثم أتى الجبلَ، فوضَع عليه لحمًا ودمًا وريشًا، ثم فرَّقه على أربعة أجْبال، ثم نُودِي: أيَّتُها العظامُ المُتَمزِّقةُ، واللحومُ المُتَفَرِّقةُ، والعروقُ المتقطِّعةُ، اجتَمِعْن يردّ الله فيكُنَّ أرواحَكنَّ. فوثَب العَظْمُ إلى العظمِ، وطارتِ الريشةُ إلى الريشة، وجرى الدمُ إلى الدمِ، حتى رجع إلى كُلِّ طائر دمُه ولحمُه وريشُه. ثم أوْحى الله إلى إبراهيم: إنّك سألْتَني كيف أُحْيي الموتى، وإنِّي خلقتُ الأرض، وجعلتُ فيها أربعةَ أرْياح: الشمال، والصَّبا، والجنوب، والدَّبُورَ، حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصُّور، فيجتمع مَن في الأرض مِن القَتْلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال، ثم قرأ: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾ [لقمان:٢٨]١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: ذبحهن، ثم قطَّعهن، ثم خلط بين لحومهن وريشهن، ثم قسَّمهن على أربعة أجزاء، فجعل على كل جبل منهن جزءًا، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبَِضْعَةُ إلى البَِضْعَة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم، ثم دعاهن فأتينه سعيًا، يقول: شدًّا على أرجلهن. وهذا مَثَلٌ أراه الله إبراهيم، يقول: كما بُعِثَت هذه الأطيار مِن هذه الأجبل الأربعة كذلك يبعث الله الناسَ يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٤.
٣
عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أنّ أهل الكتاب يذكرون: أنّه أخذ الأطيار الأربعة، ثم قطع كل طير بأربعة أجزاء، ثم عمد إلى أربعة أجبال، فجعل على كل جبل رُبْعًا من كل طائر، فكان على كل جبل رُبْعٌ من الطاووس، ورُبْعٌ من الديك، ورُبْعٌ من الغراب، ورُبْعٌ من الحمام، ثم دعاهُنَّ، فقال: تَعالَيْنِ بإذن الله كما كنتم. فوثب كل رُبُعٍ منها إلى صاحبه، حتى اجْتَمَعْنَ، فكان كلُّ طائر كما كان قبل أن يقطعه، ثم أقبلْنَ إليه سعيًا، كما قال الله، وقيل: يا إبراهيم، هكذا يجمع الله العباد، ويحيي الموتى للبعث مِن مشارق الأرض ومغاربها، وشامها ويمنها. فأراه الله إحياء الموتى بقدرته، حتى عرف ذلك بغير ما قال نمروذ من الكذب والباطل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٤٥.
٤
قال مقاتل بن سليمان: كان هذا بالشام، وكان أمر الطير قبل أن يكون له ولد، وقبل أن تنزل عليه الصحف، وهو ابن خمس وسبعين سنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٩.
٥
قال يحيى بن سلام: جعل يجري الدم إلى الدم، وتطير الريشة إلى الريشة، ويثِبُ العظم إلى العظم، فعلَّق عليها رؤوسَها، وأدخل فيها أرواحَها، فقيل: يا إبراهيم، إنّ الله حين خلق الأرض وضع بيتَه في وسطها، وجعل الأرض أربع زوايا، والبيت أربعة أركان، كل ركن في زاوية من زوايا الأرض، فأرسل عليها من السماء أربعة أرياح: الشمال، والجنوب، والدَّبُور، والصَّبا، فإذا نفخ في الصُّورِ يوم القيامة اجتمعت أجسادُ القتلى والهلكى مِن أربعة أركان الأرض وأربع زواياها، كما اجتمعت أربعةُ أطيار من أربعة أجبل١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٥٦.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

٢٥ وقفةً في هذه الآية

  • "أرني كيف تحيي الموتى" لا أحد تحتاج كلّما عرفت شيئا عنه أن تعرف شيئا آخر عنه سوى الله.

    — علي الفيفي

  • ﴿ ربي أرني (كيف) تحيي الموتى ﴾ ؛ إبراهيم عليه السلام سأل عن كيفية الإحياء لا عن ذات الإحياء الذي أقره في حوار النمرود ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾.

    — فرائد قرآنية

  • " ولكن ليطمئن قلبي " طمئنوا القلوب الحائرة ،، اسكبوا أنهار اليقين على الرمال العطشي للحقيقة ، تفهموا هذه اللهفة المسكونة في أرواحنا لا تقتلوا الأسئلة المشروعة التي خلقها الله في نفوس عباده.

    — عبدالله بلقاسم

  • " ولكن لِـيطمئنَّ قَـلبي .... " ليسَ الخبر كـالـمُـعاينـة ..! . الحسرة أن ترى عيونك أحرف القرآن.. ولا يرى قلبك معانيه ! .

    — نايف الفيصل

  • { قالَ فَخُذ أربَعَةً منَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيك } فَصُرْهُنَّ إليك : ليس معناها ضعها في صرة وإنما معناها (فقطعهن ) "تصحيح_التفسير".

    — سبيل الراشدين

  • ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الأنبياء يطلبون كمالات اليقين والذين في قلوبهم مرض يحرضون من أجل الشك.

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾.. الشغف بالمعرفة سيماء النفوس الكبيرة.

    — عبدالله بلقاسم

  • إشراقات آية الإيمان والإعجاز الرباني سورة البقرة أية 260

    — محمد الشديدي

  • في قصة الطير مع إبراهيم ﷺ، قال الله له: {ثم ادعهن يأتينك سعيا} ولم يقل: (يطرن)، والحكمة في هذا ـ والله أعلم ـ ما ذكره البغوي: "كونه أبعد من الشبهة؛ لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير، وأن أرجلها غير سليمة".

    — عمر المقبل

  • في قصة الطير مع إبراهيم عليه السلام، قال الله له: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا } ولم يقل: (يطرن)، والحكمة في هذا كما يقول البغوي: "كونه أبعد من الشبهة؛ لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير، وأن أرجلها غير سليمة" والله أعلم.

    — البغوى

  • لا يقدح في ثبوت الإيمان طلب زيادته بتدبر آيات الكون، للوقوف بالعين على دلائل قدرته تعالى ومن ذلك قول الخليل: (أرني كيف تحي الموتى)

    — إبراهيم الأزرق

  • ﴿ ولكن ليطمئن قلبي﴾ . طمأنينة القلب غاية وهدف نبيل.. فابحث عنها في تدبرك لكتاب ربك وفي نفحات ورحمات هذا الشهر الكريم.

    — مجالس التدبر

و١٣ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٦٠ من سورة البقرة

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(260) And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.[107] Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."
[107]- i.e., train them to come to you on command.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال