غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿ربِّي الذي﴾ مرسلة الياء : حمزة. الباقون بالفتح. ﴿أنا أحيى﴾ بالمد : أبو جعفر ونافع، وكذلك ما أشبهها من المفتوحة والمضمومة، وزاد أو نشيط بالمد في المكسورة في قوله تعالى ﴿إن أنا إلا نذير﴾[الأعراف: ١٨٨] وأشباه ذلك ﴿مائة﴾ وبابه مثل " فئة " وقد مر. ﴿لبث﴾ وبابه بالأظهار : ابن كثير ونافع وخلف وسهل ويعقوب ﴿لم يتسنه﴾ في الوصل والوقف بالهاء : حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، لأن الهاء للسكت وهاء السكت تزاد للوقف. الباقون : بالهاء الساكنة في الحالين، والهاء إما أصلية مجزومة بلم، أو هاء سكت. وأجروا الوصل مجرى الوقف. ﴿إلى حمارك﴾ كمثل الحمار بالإمالة : عليّ غير ليث وأبي حمدون، وحمدويه والنجاري عن ورش، وابن ذكوان وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بن شنبوذ عن أهل مكة. ﴿ننشرها﴾ بالراء : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع. الباقون بالزاي. ﴿قال أعلم﴾ موصولاً والابتداء بكسر الهمزة على الأمر : حمزة وعلي. الباقون : مقطوعاً والميم مضمومة على الإخبار. ﴿فصرهن﴾ بكسر الصاد : يزيد وحمزة وخلف ورويس والمفضَّل، ﴿جزءاً﴾ بتشديد الزاي : يزيد ووجهه أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل مجرى الوقف. وقرأ أبو بكر وحماد " جزءاً " مثقلاً مهموزاً. الباقون : ساكنة الزاي مهموزة.
الوقوف :﴿الملك﴾ م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك. ﴿ويميت﴾ ( لا ) لأن ﴿قال﴾ عامل، إذ ﴿وأميت﴾ ط، ﴿كفر﴾ ط، ﴿الظالمين﴾ لا، للعطف بأو التعجب. ﴿عروشها﴾ ج لأن ما بعده من تتمة كلام قبله من غير عطف. ﴿موتها﴾ ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب والجزاء ﴿بعثه﴾ ط. ﴿كم لبثت﴾ ط. ﴿يوم﴾ ط. ﴿لم يتسنه﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على ﴿حمارك﴾ بإضمار ما يعطف عليه قوله ﴿ولنجعلك﴾ أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف. ﴿لحما﴾ ط لتمام البيان ﴿له﴾ ( لا ) لأن ﴿قال﴾ جواب لما. ﴿قدير﴾ ه ﴿الموتى﴾ ط ﴿تؤمن﴾ ط. ﴿قلبي﴾ ط. ﴿سعياً﴾ ط، لاعتراض جواب الأمر ﴿حكيم﴾.
القصة الثالثة قوله عم طوله ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ التقدير : واذكر وقت قول إبراهيم.
وقيل : معطوف على قوله ﴿إلى الذي﴾ أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم. وههنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيراً في قصته بل قال ﴿أو كالذي مرّ على قرية﴾ وههنا سمى إبراهيم لأن عزيراً لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ وإبراهيم أثنى على الله أولاً بقوله ﴿رب أرني﴾ وأيضاً إن عزيراً استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول ﴿أرني﴾ فأرى ذلك في غيره. ومعنى أرني بصرني. وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً. الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج : إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر. فقيل : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى. ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضرورياً. الثاني : قال محمد بن إسحق والقاضي : إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوساً وقتل آخر فقال إبراهيم : ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم. وري أن نمرود قال له : قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك، وقوله ﴿ليطمئن قلبي﴾ أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدولي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع. الثالث : عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله تعالى أوحى إليه أني أتخذ بشراً خليلاً، فاستعظم ذلك إبراهيم عليه السلام وقال : إلهي، ما علامة ذلك ؟ فقال : علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل. فسأل الله إحياء الموتى فقال الله : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل لك. الرابع : لا يبعد أن يقال : إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم. الخامس : لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله تعالى يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده. السادس : أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال : إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح.
السابع : أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة. الثامن : لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة. وأما أن إبراهيم عليه السلام كان شاكاً في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم عليه السلام وقوله ﴿بلى﴾ اعتراف بالإيمان، وقوله ﴿ليطمئن قلبي﴾ كلام عارف طالب لمزيد اليقين. والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي جاء في الحديث من قوله ﷺ " نحن أحق بالشك من إبراهيم " فذلك أنه " لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها : شك إبراهيم ولم يشك نبينا. فقال رسول الله ﷺ تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه " نحن أحق بالشك منه " " والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو ؟ والاستفهام في قوله ﴿أولم تؤمن﴾ للتقرير كقوله : ألستم خير من ركب المطايا ؟ وأيضاً المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه ﷺ كان مؤمناً بذلك عارفاً به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. واللام في قوله ﴿ليطمئن﴾ تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال. وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا : المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما إذا قلنا : إن الغرض شيء آخر فلا إشكال ﴿فخذ أربعة من الطير﴾ عن ابن عباس : هنّ طاووس ونسر وغراب وديك. وفي قول مجاهد وابن زيد : حمامة بدل النسر ﴿فصرهن إليك﴾ بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك. وقال الأخفش : يعني وجههنّ إليك. وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ﴿ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً﴾ وقيل : معنى صرهن قطعهن فلا إضمار. روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله. فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها. وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله تعالى مثالاً قرب به الأمر عليه. والمراد ب ﴿صرهن إليك﴾ الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، ويؤكده قوله ﴿ثم ادعهن﴾ أي الطيور لا الأجزاء ﴿يأتينك سعياً﴾ وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية.
وأيضاً إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة. ولأن قوله ﴿على كل جبل منهنَّ جزءاً﴾ دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ظاهر قوله ﴿على كل جبل﴾ جميع جبال الدنيا. فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل : فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع : أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع. وقال السدي وابن جريج : المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة. أما قوله ﴿ثم ادعهنّ يأتينك سعياً﴾ فقيل : عدواً ومشياً على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل : طيراناً. ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى. وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشياً كانت أو طيراناً، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطاً على صحة الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو. قال القاضي : دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة. ﴿واعلم أن الله عزيز﴾ غالب على جميع الممكنات ﴿حكيم﴾ عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : إن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى أحداً قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله. وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوماً جهولاً، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقاً لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط. فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول : أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي ﷺ أو من ينوب منابه - وهو الشيخ - قال : ليس في الوجود سوى الله.
وهذا هو حقيقة ﴿فاعلم أن لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾[محمد: ١٩] يعني كن فانياً عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جداً وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة " لا إله إلا الله " دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجوده كل ما سوى الله. ﴿قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطق لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقاً في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته. ﴿فبهت الذي كفر﴾ لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير. ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله تعالى ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ وذلك أن قوماً أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو سبحانه لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيراً مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعاً ليعلم أن الله تعالى مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار. فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾[ الدهر : ٢١ ] " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ولحمار الجسد مرتع من الرياض ومشرب من الحياض ﴿فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾[الزخرف: ٧١] ﴿وقد علم كل أناس مشربهم﴾[البقرة: ٦٠].
شربنا وأهرقنا على الأرض قسطهاوللأرض من كأس الكرام نصيب
ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله ﷺ وذلك قوله ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ فيفوح منه رائحة قول موسى ﴿رب أرني أنظر إليك﴾
[الأعراف: ١٤٣] إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطئ الجاني، وعرك بتعريك ﴿لن تراني﴾ وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.
شربت الحب كأسا بعد كأسفما نفذ الشراب وما رويت
فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله ﴿رب أرني أنظر إليك﴾[الأعراف: ١٤٣] ويعربد أخرى بقوله ﴿إن هي إلا فتنتك﴾[الأعراف: ١٥٥] ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة " إن أول ما شاب شيبة إبراهيم " ويحترم غداً بالكسوة " إن أول من يكسى إبراهيم " ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي بنفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال : أما إليك فلا. لا جرم أكرمه الله بالإمامة ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾[البقرة: ١٢٤] ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال
﴿هذا ربي﴾[الأنعام: ٧٦] وأول من سلك طريق الحق وقال ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾[الصافات: ٦٩] وأول من نطق بالمحبة وقال ﴿لا أحب الآفلين﴾[الأنعام: ٧٦] وأول من أظهر الشوق وقال ﴿لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾[الأنعام: ٧٨] وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب ﴿فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين﴾[الشعراء: ٧٧] وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال ﴿رب أرني﴾ ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله.
ولست حديث العهد شوقاً ولوعةحديث هواكم في حشاي قديم
ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير. وسأله نمرود من ربك ؟ فأجرى الحق على لسانه من فضله وإحسانه ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ فقال نمرود : هل رأيت منه ما تقول ؟ فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو ﴿كيف تحيي الموتى﴾ وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى. فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده. و ﴿قال أو لم تؤمن﴾ فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة : أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقياً ؟ أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة ؟ أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء ؟ مضمراً في كل منها الإثبات في لفظة النفي. فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سراً بسر أي بلى آمنت. وكان إيماناً حقيقياً ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول : أرني وجهك لأنظر إليك. لأنه يعلم أن الدلال قرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان : وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول : أرني كيف تخيط الثياب ؟ فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول : انظر إليّ كيف أخيطه ؟ فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك. فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال ﴿خذ أربعة من الطير﴾ الآية. والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي ﴿فخذ أربعة من الطير﴾ وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان : فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها. فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم
﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾[الحجر: ٤٤] يعني من الخلق. فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من ذلك الباب، فأمر الله تعالى خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاووس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب. فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً. والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها على يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ﴿ثم اجعل على كل جبل﴾ هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها : النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي. فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية بأخلاق الروحانيات. هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله تعالى بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته كما قال " لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " كما أن أمياً يقول لكاتب : أرني كيف تكتب. فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً فيقول أنا الكاتب كقوله :
عجبت منك ومني*** أفنيتني بك عني
أدنيتني منك حتى*** ظننت أنك أني
فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله ﴿واستغفر لذنبك﴾
[محمد: ١٩] أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا ﴿وكان فضل الله عليك عظيماً﴾[النساء: ١١٣] ثم إن الله تعالى إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج كما قال ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾[النجم: ١٨] والخليل طلب الرؤية لنفسه ﴿رب أرني﴾ والحبيب طلبها له ولأمته " أرنا الأشياء كما هي " وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال : أرنا. ولرفعة مرتبته قال : الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود. فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحاً وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضاً. وفيه أيضاً طلب كمال الرؤية بجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال " كما هي " وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه. ثم قيل للخليل ﴿واعلم أن الله عزيز﴾ أعز من أن يعرف كنه صفاته ﴿حكيم﴾ لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.


التأويل : إن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى أحداً قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله. وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوماً جهولاً، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقاً لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط. فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول : أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي ﷺ أو من ينوب منابه - وهو الشيخ - قال : ليس في الوجود سوى الله.
وهذا هو حقيقة ﴿فاعلم أن لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾[محمد: ١٩] يعني كن فانياً عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جداً وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة " لا إله إلا الله " دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجوده كل ما سوى الله. ﴿قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطق لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقاً في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته. ﴿فبهت الذي كفر﴾ لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير. ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله تعالى ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ وذلك أن قوماً أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو سبحانه لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيراً مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعاً ليعلم أن الله تعالى مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار. فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾[ الدهر : ٢١ ] " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ولحمار الجسد مرتع من الرياض ومشرب من الحياض ﴿فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾[الزخرف: ٧١] ﴿وقد علم كل أناس مشربهم﴾[البقرة: ٦٠].
شربنا وأهرقنا على الأرض قسطهاوللأرض من كأس الكرام نصيب
ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله ﷺ وذلك قوله ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ فيفوح منه رائحة قول موسى ﴿رب أرني أنظر إليك﴾
[الأعراف: ١٤٣] إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطئ الجاني، وعرك بتعريك ﴿لن تراني﴾ وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.
شربت الحب كأسا بعد كأسفما نفذ الشراب وما رويت
فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله ﴿رب أرني أنظر إليك﴾[الأعراف: ١٤٣] ويعربد أخرى بقوله ﴿إن هي إلا فتنتك﴾[الأعراف: ١٥٥] ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة " إن أول ما شاب شيبة إبراهيم " ويحترم غداً بالكسوة " إن أول من يكسى إبراهيم " ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي بنفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال : أما إليك فلا. لا جرم أكرمه الله بالإمامة ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾[البقرة: ١٢٤] ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال
﴿هذا ربي﴾[الأنعام: ٧٦] وأول من سلك طريق الحق وقال ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾[الصافات: ٦٩] وأول من نطق بالمحبة وقال ﴿لا أحب الآفلين﴾[الأنعام: ٧٦] وأول من أظهر الشوق وقال ﴿لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾[الأنعام: ٧٨] وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب ﴿فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين﴾[الشعراء: ٧٧] وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال ﴿رب أرني﴾ ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله.
ولست حديث العهد شوقاً ولوعةحديث هواكم في حشاي قديم
ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير. وسأله نمرود من ربك ؟ فأجرى الحق على لسانه من فضله وإحسانه ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ فقال نمرود : هل رأيت منه ما تقول ؟ فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو ﴿كيف تحيي الموتى﴾ وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى. فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده. و ﴿قال أو لم تؤمن﴾ فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة : أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقياً ؟ أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة ؟ أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء ؟ مضمراً في كل منها الإثبات في لفظة النفي. فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سراً بسر أي بلى آمنت. وكان إيماناً حقيقياً ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول : أرني وجهك لأنظر إليك. لأنه يعلم أن الدلال قرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان : وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول : أرني كيف تخيط الثياب ؟ فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول : انظر إليّ كيف أخيطه ؟ فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك. فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال ﴿خذ أربعة من الطير﴾ الآية. والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي ﴿فخذ أربعة من الطير﴾ وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان : فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها. فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم
﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾[الحجر: ٤٤] يعني من الخلق. فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من ذلك الباب، فأمر الله تعالى خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاووس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب. فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً. والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها على يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ﴿ثم اجعل على كل جبل﴾ هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها : النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي. فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية بأخلاق الروحانيات. هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله تعالى بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته كما قال " لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " كما أن أمياً يقول لكاتب : أرني كيف تكتب. فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً فيقول أنا الكاتب كقوله :
عجبت منك ومني*** أفنيتني بك عني
أدنيتني منك حتى*** ظننت أنك أني
فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله ﴿واستغفر لذنبك﴾
[محمد: ١٩] أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا ﴿وكان فضل الله عليك عظيماً﴾[النساء: ١١٣] ثم إن الله تعالى إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج كما قال ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾[النجم: ١٨] والخليل طلب الرؤية لنفسه ﴿رب أرني﴾ والحبيب طلبها له ولأمته " أرنا الأشياء كما هي " وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال : أرنا. ولرفعة مرتبته قال : الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود. فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحاً وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضاً. وفيه أيضاً طلب كمال الرؤية بجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال " كما هي " وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه. ثم قيل للخليل ﴿واعلم أن الله عزيز﴾ أعز من أن يعرف كنه صفاته ﴿حكيم﴾ لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى