البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الحبة : اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيراً ما يراد بالحب.
ومنه قول المتلمس :
آليت حب العراق الدهر أطعمه***
والحب يأكله في القرية السوس
وحبة القلب سويداؤه، والحِبة بكسر الحاء بذور البقل مما ليس بقوت، والحُبة بالضم الحب والحب الحبيب.
الانبات : الإخراج على سبيل التولد.
السنبلة : معروفة، ووزنها فنعلة، فالنون زائدة بذلك على قولهم : أسبل الزرع أرسل ما فيه كما ينسبل الثوب، وحكى بعض اللغويين سنبل الزرع.
قال بعض أصحابنا النون أصلية، ووزنه فعلل، لأن فنعل لم يثبت فيكون مع أسبل كسبط وسبطر.
﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ مناسبة هذه الأية لما قبلها هي أنه لما ذكر قصة المارِّ على قرية وقصة إبراهيم، وكانا من أدل دليل على البعث، ذكر ما ينتفع به يوم البعث، وما يجد جدواه هناك.
وهو الإنفاق في سبيل الله، كما أعقب قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بقوله :﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ وكما أعقب قتل داود جالوت، وقوله :﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم﴾ فكذلك أعقب هنا ذكر الإحياء والإماتة بذكر النفقة في سبيل الله، لأن ثمرة النفقة في سبيل الله، لأن ثمرة النفقة في سبيل الله إنما تظهر حقيقة يوم البعث :﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً﴾ واستدعاء النفقة في سبيل الله مذكر بالبعث، وخاض على اعتقاده، لأنه لو لم يعتقد وجوده لما كان ينفق في سبيل الله، وفي تمثيل النفقة بالحبة المذكورة إشارة أيضاً إلى البعث، وعظيم القدرة، إذ حبة واحدة يخرج الله منها سبعائة حبة، فمن كان قادراً على مثل هذا الأمر العجاب، فهو قادر على إحياء الموات، ويجامع ما اشتركا فيه من التغذية والنمو.
ويقال : لما ذكر المبدأ والمعاد، ودلائل صحتها، أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف، فبدأ بإنفاق الأموال في سبيل الله، وأمعن في ذلك، ثم انتقل إلى كيفية تحصيل الأموال بالوجه الذي جوز شرعاً.
ولما أجمل في ذكر التضعيف في قوله :﴿أضعافاً كثيرة﴾ وأطلق في قوله :﴿أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم﴾ فصل في هذه الآية، وقيد بذكر المشبه به، وما بين الآيات دلالة على قدرته على الإحياء والإماتة، إذا لولا ذلك لم يحسن التكليف كما ذكرناه، فهذه وجوه من المناسبة.
والمثل هنا الصفة، ولذلك قال :﴿كمثل حبة﴾ أي كصفة حبة، وتقدير زيادة الكاف، أو زيادة مثل.
قول بعيد.
وهذه الآية شبيهة في تقدير الحذف بقوله :﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾ فيحتمل أن يكون الحذف من الأول، أي : مثل منفق الذين، أو من الثاني : أي كمثل زارع، حتى يصح التشبيه، أو من الأول ومن الثاني باختلاف التقدير، أي : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ومنفقهم.
كمثل حبة وزارعها.
وقد تقدم الكلام في تقرير هذا الوجه في قصة الكافر والناعق، فيطالع هناك.
وهذا المثل يتضمن التحريض على الإنفاق في سبيل الله جميع ما هو طاعة، وعائد نفعه على المسلمين، وأعظمها وأعناها الجهاد لإعلاء كلمة الله وقيل : المراد : بسبيل الله، هنا الجهاد خاصة، وظاهر الإنفاق في سبيل الله يقتضي الفرض والنفل، ويقتضي الإنفاق على نفسه في الجهاد وغيره، والإنفاق على غيره ليتقوى به على طاعة من جهاد أو غيره.
وشبه الإنفاق بالزرع، لأن الزرع لا ينقطع.
وأظهر تاء التأنيث عند السين : الحرميان، وعاصم، وابن ذكوان، وأدغم الباقون.
ولتقارب السين من التاء أبدلت منها : النات، والأكيات في : الناس، والأكياس.
ونسب الإنبات إلى الحبة على سبيل المجاز، إذ كانت سبباً للإنبات، كما ينسب ذلك إلى الماء والأرض والمنبت هو الله، والمعنى : أن الحبة خرج منها ساق، تشعب منها سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، في كل سنبلة مائة حبة، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر، قالوا : والممثل به موجود، شوهد ذلك في سنبلة الجاورس.
وقال الزمخشري : هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المغلة، فبلغ حبها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صححيحاً في سبيل الفرض والتقدير ؛ انتهى كلامه.
وقال ابن عيسى : ذلك يتحقق في الدخن، على أن التمثيل يصح بما يتصور، وإن لم يعاين.
كما قال الشاعر :
فما تدوم على عهد تكون به***
كما تلوّن في أثوابها الغول
انتهى كلامه.
وكما قال امرؤ القيس :
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي***
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وخص سبعاً من العدد لأنه كما ذكر، وأقصى ما تخرجه الحبة من الأسؤق.
وقال ابن عطية : قد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بمائة، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشرة أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد بسبعمائة ضعف، ومن ذلك الحديث الصحيح.
انتهى ما ذكره.
وقيل : واختص هذا العدد لأن السبع أكثر أعداد العشرة، والسبعين أكثر أعداد المائة، وسبع المائة أكثر أعداد الألف، والعرب كثيراً ما تراعي هذه الأعداد.
قال تعالى :﴿سبع سنابل﴾ و ﴿سبع ليال﴾ و ﴿سبع سنبلات﴾ و ﴿سبع بقرات﴾ و ﴿سبع سموات﴾ و ﴿سبع سنين﴾ و ﴿ان نستغفر لهم سبعين مرة﴾ ﴿ذرعها سبعون ذراعاً﴾ وفي الحديث :« إلى سبعمائة ضعف » « إلى سبعة آلاف » « إلى ما لا يحصي عدده إلاَّ الله » وأتى التمييز هنا بالجمع الذي لا نظير له في الآحاد، وفي سورة يوسف بالجمع بالألف والتاء في قوله :﴿وسبع سنبلات خضر﴾ قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل :﴿سبع سنبلات﴾ على حقه من التمييز لجمع القله، كما قال :﴿وسبع سنبلات خضر﴾ قلت : هذا لما قدمت عند قوله :﴿ثلاثة قروء﴾ من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها.
انتهى كلامه.
فجعل هذا من باب الاتساع، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر على سبيل المجاز، إذ كان حقه أن يميز بأقل الجمع، لأن السبع من أقل العدد، وهذا الذي قاله الزمخشري ليس على إطلاقه، فنقول : جمع السلامة بالواو والنون، أو بالألف والتاء، لا يميز به من ثلاثة إلى عشرة إلاَّ إذا لم يكن لذلك المفرد جمع غير هذا الجمع، أو جاور ما أهمل فيه هذا الجمع، وإن كان المجاور لم يهمل فيه هذا الجمع.
فمثال الأول : قوله تعالى :﴿سبع سموات﴾ فلم يجمع سماء هذه المظلة سوى هذا الجمع، وأما قوله :
فوق سبع سمائيا***
فنصوا على شذوذه، وقوله تعالى :﴿سبع بقرات﴾ ﴿وتسع آيات﴾ وخمس صلوات لأن البقرة والآية والصلاة ليس لها سوى هذا الجمع، ولم يجمع على غيره.
ومثال الثاني : قوله تعالى :﴿وسبع سنبلات خضر﴾ لما عطف على :﴿سبع بقرات﴾ وجاوره حسن فيه جمعه بالألف والتاء، ولو كان لم يعطف ولم يجاور لكان :﴿سبع سنابل﴾، كما في هذه الآية، ولذلك إذا عرى عن المجاور جاء على مفاعل في الأكثر، والأَوْلى، وإن كان يجمع بالألف والتاء، مثال ذلك قوله تعالى :﴿سبع طرائق﴾ و ﴿سبع ليال﴾ ولم يقل : طريقات، ولا : ليلات، وإن كان جائزاً في جمع طريقة وليلة، وقوله تعالى :﴿عشرة مساكين﴾، وإن كان جائزاً في جمعه أن يكون جمع سلامة.
فتقول : مسكينون ومسكينين، وقد آثروا ما لا يماثل مفاعل من جموع الكثرة على جمع التصحيح، وإن لم يكن هناك مجاور يقصد مشاكلته لقوله تعالى :﴿ثماني حجج﴾ وإن كان جائزاً فيه أن يجمع بالألف والتاء، لأن مفرده حجة، فتقول : حجات، فعلى هذا الذي تقرر إذا كان للاسم جمعان : جمع تصحيح، وجمع تكسير، فجمع التكسير إما أن يكون للكثرة أو للقلة، فإن كان للكثرة، فإما أن يكون من باب مفاعل، أو من غير باب مفاعل، إن كان من باب مفاعل أوثر على جمع التصحيح، فتقول : جاءني ثلاثة أحامد، وثلاث زيانب، ويجوز التصحيح على قلة، فتقول : جاءني ثلاثة أحمدين، وثلاث زينبات، وإن لم يكن من باب مفاعل.
فإما أن يكثر فيه غير التصحيح، وغير جمع الكثرة، فلا يجوز التصحيح، ولا جمع الكثرة إلاَّ قليلاً، مثال، ذلك : جاءني ثلاثة زيود، وثلاث هنود، وعندي ثلاثة أفلس، ولا يجوز : ثلاثة زيدين، ولا : ثلاث هندات، ولا : ثلاثة فلوس، إلاَّ قليلاً.
وإن قل فيه غير التصحيح، وغير جمع الكثرة أوثر التصحيح وجمع الكسرة، مثال ذلك : ثلاث سعادات، وثلاثة شسوع، ويجوز على قلة : ثلاث سعائد، وثلاثة أشسع.
وتحصل من هذا الذي قررناه أن قوله ﴿سبع سنابل﴾ جاء على ما تقرر في العربية من كونه جمعاً متناهياً، وأن قوله :﴿سبع سنبلات﴾ إنما جاز لأجل مشاكلة :﴿سبع بقرات﴾ ومجاورته، فليس استعذار الزمخشري بصحيح.
و ﴿في كل سنبلة﴾ في موضع الصفة : لسنابل، فتكون في موضع جر، أو : لسبع، فيكون في موضع نصب، وترتفع على التقديرين : مائة، على الفاعل لأن الجار قد اعتمد بكونه صفة، وهو أحسن من أن يرتفع على الابتداء، و : في كل، خبره، والجملة صفة، لأن الوصف بالمفرد أولى من الوصف بالجملة، ولا بد من تقدير محذوف، أي : في كل سنبلة منها، أي : من السنابل.
وقرئ شاذاً : مائة حبة، بالنصب، وقدر بأخرجت، وقدره ابن عطية بأنبتت، والضمير عائد على الحبة، وجوز أن ينتصب على البدل من :﴿سبع سنابل﴾ وفيه نظر، لأنه لا يصح أن يكون بدل كل من كل، لأن ﴿مائة حبة﴾ ليس نفس ﴿سبع سنابل﴾ ولا يصح أن يكون بدل بعض من كل، لأنه لا ضمير في البدل يعود على المبدل منه، وليس :﴿مائة حبة﴾ بعضاً من ﴿سبع سنابل﴾ لأن المظروف ليس بعضاً من الظرف، والسنبلة ظرف للحب.
ألا ترى إلى قوله ﴿في كل سنبلة مائة حبة﴾ ؟ ولا يصح أن يكون بدل اشتمال لعدم عود الضمير من البدل على المبدل منه، ولأن المشتمل على مائة حبة هو سنبلة من سبع سنابل، إلاَّ إن قيل : المشتمل على المشتمل على الشيء هو مشتمل على ذلك الشيء، والسنبلة مشتمل عليها سبع سنابل، فالسبع مشتملة على حب السنبلة، فإن قدرت في الكلام محذوفاً.
وهو : أنبتت حب سبع سنابل، جاز أن يكون :﴿مائة حبة﴾ بدل بعض من كل على حذف : حب، وإقامة سبع مقامه.
وظاهر قوله :﴿مائة حبة﴾ العدد المعروف، ويحتمل أن يكون المراد به التكثير، كأنه قيل : في كل سنبلة حب كثير، لأن العرب تكثر بالمائة، وتقدم لنا ذكر نحو ذلك في قوله
﴿وهم ألوف حذر الموت﴾
قيل : وفي هذه الآية دلالة على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحِرَفِ التي يتخذها الناس، ولذلك ضرب الله به المثل في قوله :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم﴾ الآية.
وفي ( صحيح مسلم ).
« ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة » وفي رواية أخرى.
« وما رزىء فهو صدقة » وفي الترمذي :« التمسوا الرزق في خبايا الأرض » يعني : الزرع وقال بعضهم، وقد قال له رجل : دلني على عمل أعالجه، فقال :
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها***
لعلك يوماً أن تجاب وترزقا
والزراعة من فروض الكفاية، فيجبر عليها بعض الناس إذا اتفقوا على تركها.
﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ أي هذا التضعيف إذ لا تضعيف فوق سبعمائة، وقيل : يضاعف أكثر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى