بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
﴿مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله﴾ ؛ نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ؛ وذلك أن رسول الله ﷺ، لما حثّ الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم فضة وقال : يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضتها لربي. فقال له رسول الله ﷺ :« بَارَكَ الله لَكَ فِيْمَا أَمْسَكْتَ وَفِيْمَا أَعْطَيْتَ » وقال عثمان بن عفان : يا رسول الله، علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية ﴿مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله﴾ ؛ وفي الآية مضمر، ومعناه مثل النفقة التي تنفق في سبيل الله ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾. وطريق آخر مثل الذين ينفقون أموالهم، كمثل زارع زرع في الأرض حبة ف ﴿أَنبَتَتْ﴾ الحبة ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، أي أخرجت سبع سنابل. ﴿فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ﴾، فيكون جملتها سبعمائة. فشبه المتصدق بالزارع، وشبه الصدقة بالبذر، فيعطيه الله بكل صدقة سبعمائة حسنة.
ثم قال تعالى :﴿والله يضاعف لِمَن يَشَاء﴾، أي يزيد على سبع مائة لمن يشاء، فيكون مثل المتصدق كمثل الزارع ؛ إذا كان الزارع حاذقاً في عمله، ويكون البذر جيداً، وتكون الأرض عامرة، يكون الزرع مخصباً طيباً ؛ فكذلك المتصدق، إذا كان صالحاً، والمال طيباً ويوضع في موضعه، فيصير الثواب أكثر.
﴿والله واسع﴾، أي واسع الفضل لتلك الأضعاف، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما ينفقون وبما نووا فيها. قرأ ابن كثير وابن عامر :﴿والله يضعف﴾ بتشديد العين وحذف الألف، وقرأ الباقون ﴿يضاعف﴾ بالألف ؛ ومعناهما واحد. فالذي قرأ ﴿يضعف﴾ من التضعيف، والذي قرأ ﴿يضاعف﴾ من المضاعفة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى